لم يكن إبراهيم يتصور أن الإعياء الذي أصابه بعد مباراة كرة قدم أكثر من مجرد إرهاق، لذا كانت الصدمة قاسيةً حين أظهرت صورة الدم التي طلبها الطبيب -كإجراء اعتيادي- إصابته بسرطان الدم الحاد، بعدها أظهرت باقي التحاليل أن السرطان من النوع المسمَّى "سرطان الدم الليمفاوي الحاد".

انقلبت حياة الشاب الجامعي رأسًا على عقب، لكنه بعد أن تعافى من آثار الصدمة قرر أن يواجه المرض بشجاعة.

تلقَّى إبراهيم جرعات العلاج وتحمَّل الآثار الجانبية، وبعد شهر جاءت النتائج مبشرة: اختفت خلايا السرطان من الدم، شعر الفتى بالنصر وبأن بإمكانه أن يعود إلى حياته الطبيعية.

لعامين كاملين واصل دراسته ومارس الرياضة كما تعوَّد، لكن مع الأسف لم تكن المعركة قد انتهت؛ فقد عادت خلايا سرطان الدم بصورة أكثر شراسة.

قرر إبراهيم أن يواجه من جديد، لكن خطوط العلاج المختلفة لم تُجْدِ نفعًا. لم يتبقَّ أمام إبراهيم سوى البحث عن متبرع لإجراء عملية زرع نخاع العظام. في أثناء الأنتظار، لم يتوقف قط عن التساؤل: هل من بديل؟

على الجانب الآخر من المحيط، هناك قصة لا تقل درامية، فالطفلة "سينثيا كاتشال" في كل مرة تُحجز في المستشفى كانت تسأل والدتها سؤالًا صادمًا: "هل سأموت هذه المرة؟". وقد كانت الطفلة تعاني مرض "العوز المناعي المشترك الشديد" أو "نقص المناعة المركب الشديد"، وهو أحد أمراض نقص المناعة الوراثية.

عجزت الأم المسكينة عن الرد، ولكن سرعان ما تغيرت الأحوال؛ إذ خضعت "سينثيا" لتجربة العلاج الجيني، وهو العلاج الذي سطر فصوله الأولى عام 1990 الطبيب الأمريكي "فرنش أندرسون"، منصِّبًا نفسه "أبًا للعلاج الجيني".

ومنذ ذلك الحين، تحول الاهتمام إلى إنتاج أدوية تقوم فكرتها على العلاج الجيني؛ إذ أعلنت "إدارة الغذاء والدواء الأمريكية" في ديسمبر الماضي، موافقتها على استخدام دواء "لوكستورنا" علاجًا جينيًّا لأحد أنواع العمى الوراثي، وكانت الهيئة قد وافقت في أغسطس وأكتوبر من عام 2017، على استخدام دوائي "كيمريا" و"يسكارتا"، اللذَين يعتمدان على التقنية ذاتها لعلاج نوعين من سرطان الدم.

موناليزا العلم

عندما أعلن العالِمان "جيمس واطسون" و"فرانسيس كريك" عن التركيب الجزيئي للحامض النووي "دي إن إيه" قبل أكثر من سبعين عامًا، بدا أن لغز الوراثة قد تم حله؛ إذ قدم التركيب -الذي يوصف أحيانًا بكونه "موناليزا العلم"- فكرةً واضحةً عن كيفية تخزين الشفرة الوراثية وانتقالها من جيل إلى جيل.

 وأصبح من الممكن فهم كيفية حدوث الأخطاء التي تنتج طفرات ضارة تؤدي إلى الإصابة بالأمراض، وكذلك الطفرات المفيدة التي أسهمت في التطور.

لكن هذا الفهم وحده لم يكن كافيًا؛ فقد ظل السؤال الأهم هو: هل بإمكاننا إصلاح تلك الأخطاء؟

تقول "هالة جبر" -أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية بكلية الطب بجامعة القاهرة- لـ"للعلم": نعرف العديد من الأمراض التي يمكن وصفها بأنها أمراض جينية، وبعض هذه الأمراض يقف وراءه خلل أو عطب في جين واحد، كأنيميا الخلايا المنجلية والتليُّف الكيسي، والبعض الآخر تسببه عدة جينات مجتمعة. المجموعة الأولى تمثل هدفًا واعدًا للعلاج الجيني.

انتكاسات عدة

تعرضت فكرة "العلاج الجيني" لانتكاسات عدة؛ فقد مثلت وفاة الشاب "جيسي جيلزينجر" عام 1999 ضربةً قويةً للأبحاث في هذه المجال.

كان جيلزينجر يعاني من نقص أورنيثين ترانس كارباميليز "OTC" (إنزيم يستخدمه الكبد لتكسير الأمونيا الناتجة من أيض البروتين)، وقرر التطوع في تجربة سريرية استُخدم فيها العلاج الجيني لتصحيح هذا النقص، لكنه تُوُفي على نحوٍ مفاجئ بعد أقل من أسبوع من خضوعه للعلاج الجيني.

وفي عام 2001، لاحظ الطبيب الفرنسي "آلان فيشر" -الذي كان يُجري تجربة لعلاج نقص المناعة الشديد المركب- أن طفلًا من الذين شاركوا في التجربة أصيب بسرطان الدم، ووُجِّه الاتهام إلى الفيروس الذي جرى استخدامه لنقل الجين المراد تصحيحه بالتسبُّب في حدوث المرض.

بعدها، ومن بين 20 طفلًا تم علاجهم جينيًّا في تجارب وأماكن مختلفة، أصيب خمسة آخرون بسرطان الدم وتُوُفي أحدهم، ودفعت هذه الأحداث المتوالية الجهات الصحية إلى مراقبة هذه التجارب في فرنسا والولايات المتحدة، بل منعها احترازيًّا لحين التحقُّق من الأسباب التي تسببت في هذه المضاعفات.

هناك العديد من العقبات التي تواجه أبحاث العلاج الجيني في مصر، هكذا علق "شريف الخميسي"، الأستاذ بقسم الكيمياء الحيوية وعلم الوراثة الجزيئي، ومدير مركز الجينوم بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، "على رأسها عدم توافر منشآت مناسبة يمكن فيها إقامة أبحاث على الحيوانات، وهي الخطوة الرئيسية قبل تجربة العلاج على البشر".

العقبة الثانية -كما يذكر الخميسي- "هي عدم وجود لوائح أو قوانين تنظِّم تطوير العلاج الجيني في مصر".

تتفق جبر مع ما ذهب إليه الخميسي؛ إذ ترى أن هذا النوع من الأبحاث يحتاج إلى تعاون فرق متعددة الكفاءات، وإلى تمويل كبير من أجل النجاح، وهو ما لا يكون متوافرًا عادةً لدينا.

 لم تتوقف الأبحاث المتعلقة بالعلاج الجيني، لكن الباحثين صاروا أكثر حذرًا واهتمامًا بمستويات الأمان والمضاعفات المحتملة من جَرَّاء استخدامه.

أدوية فعالة

وفي هذا الإطار، ظهرت مؤخرًا العديد من المقاربات البحثية الجادة والناجحة التى فتحت الباب مجددًا لعلاج ملايين المرضى المصابين بالعديد من الأمراض الجينية، كان آخرها دواء "لوكستورنا".

ويُعَدُّ دواء "كيمريا" أول منتج من نوعه لعلاج الأطفال المصابين بسرطان الدم الليمفاوي الحاد بعد الانتكاس أو مقاومة العلاج، أما دواء "يسكارتا" فهو أحد منتجات العلاج الجيني التي تُستخدم لعلاج بعض أنواع الليمفوما (أحد أنواع سرطان الدم).

كما يساعد دواء "لوكستورنا" في علاج المرضى المصابين بضمور شبكية العين والإصابة التدريجية بالعمى نتيجة وجود نسختين معيبتين من الجين الوراثي (آر.بي.إي 65)؛ إذ يعمل الدواء الجديد على إحلال جينات طبيعية محل هذه الجينات المعيبة، وهو ما يمحو الآثار الضارة للطفرات.

 ويعتمد الدواء الجديد على استخدام الفيروسات كناقل للجين الطبيعي إلى خلايا الشبكية؛ لتقوم بإنتاج الإنزيم واستعادة النظر الطبيعي.

وعلى الرغم من أن "لوكستورنا" قد لا يفيد سوى عدد محدود من المرضى المصابين بهذا النوع من العمى، لكنه يمنح الأمل للعديد من المرضى الآخرين كونه أول علاج جيني يعالج الطفرات في جين معين.

الأمل أيضًا موجود في مصر، فالخميسي يعمل مع فريقه البحثي على استخدام ناقلات فيروسية لإصلاح أخطاء الحمض الوراثي من أجل علاج مجموعة من الأمراض العصبية التي يعملون على دراستها.

 أما هالة جبر فتعمل على توظيف تقنية "كرسبر كاس 9" في أبحاثها؛ إذ تسعى لإصلاح الطفرات المسببة لأنيميا البحر المتوسط من النوع بيتا لدى المرضى المصابين بهذا المرض. التقنية الأخيرة يراها الخميسي الأمل في تقدُّم هذا النوع من الأبحاث؛ لكونها أرخص وأسرع من التقنيات السابقة.

علاج حي

وتعتمد فكرة كيمريا ويسكارتا على تطبيق نوع من العلاج الخلوي باستخدام الخلايا المناعية التائية، إذ يتم تجميع هذه الخلايا من دم المرضى أنفسهم، بعد ذلك يتم تعديلها وراثيًّا لإنتاج مستقبِلات صناعية على سطحها؛ حتى تتمكن من تعرُّف بروتين معين على سطح الخلايا السرطانية، ثم يتم إكثار هذه الخلايا في المعمل.

ويجري نقل هذ الخلايا مرةً أخرى إلى المريض لتتكاثر في جسمه، وبتوجيه من هذه المستقبلات تتعرف الخلايا السرطانية التي تحمل هذا البروتين على سطحها وتقتلها.

هذه المستقبلات تسمى مستقبلات المستضدات المهجنة Chimeric Antigen Receptors أو ما يُعرَف اختصارًا بـCAR، فالعلاجان المقبولان يستهدفان مستضدًّا معينًا على الخلايا السرطانية يُعرَف بـCD19.

يقول محمد غريب -مدرس طب الأورام بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- لـ"للعلم": "من أصعب اللحظات التي يواجهها الطبيب حين يعجز بأدواته المتاحة عن علاج المريض".

ويشدد على أن هذا النوع من العلاج يمثل صورةً جديدةً تختلف عن الصور المعروفة، فهو يُعَدُّ دواء حيًّا، إذ لا يُعطَى المريض مادة كيميائية معينة من أجل العلاج، بل يتم علاجه باستخدام خلاياه الشخصية، فنحن هنا نعطي الخلايا المناعية المفتاح اللازم للتعامل مع الخلايا السرطانية، على حد وصفه.

ويضيف أنه خلال السنوات الأخيرة برزت العلاجات المناعية بوصفها نهجًا مختلفًا لعلاج السرطان، يعتمد على فهم جهاز المناعة لدى المريض وتقويته حتى يستطيع مقاومة المرض.

وتمثلت إحدى وسائل هذه الاستراتيجية الجديدة في التسليح والدفاع من خلال استخدام خلايا المريض نفسه فيما يُعرف بـ"نقل الخلايا للتبني"، لكن الأبحاث لم تتقدم بشكل كبير سوى فيما يخص العلاج الخلوي باستخدام مستقبلات مولدات المضادات المهجنة.

وتقول جبر: "إن هناك عدة أنواع من منتجات العلاج الجيني، فالجين الذي نريد إدخاله إلى الخلية يمكن إيصاله من خلال ما يُعرف بالبلازميدات (وهو نوع من الحمض النووي دائري الشكل)، وكذلك عن طريق بعض الفيروسات أو البكتيريا التي تتم معالجتها حتى لا تتسبب في العدوى.

وتضيف: كما أن لدينا أيضًا تقنيات التعديل الجيني، وعلى رأسها "كريسبر-كاس 9"، ومنها نوع يعتمد على استخدام خلايا المريض نفسه، إذ تتم معالجتها جينيًّا خارج الجسم ثم إعادة حقنها.

عقبات على الطريق

من جانبه، يؤكد غريب أن التكلفة تمثل العائق الأول الذي يواجه تطبيق هذا النوع من العلاج في مصر أو الدول النامية، مضيفًا أن "علاج مريض واحد قد يتكلف عدة ملايين من الجنيهات، كما لا يخلو استخدامه من المضاعفات".

ما ذكره غريب يبدو دقيقًا إلى حد كبير، فوفقًا لـ"دانا كوبر"، المتحدث الإعلامي لشركة نوفارتس التي تقوم بإنتاج كيمريا، يتكلف علاج المريض الواحد ما يصل إلى 475 ألف دولار.

تدافع كوبر عن ذلك بأن سعر التكلفة الحقيقي يتراوح بين 600 و750 ألف دولار، وتؤكد في تصريحات خاصة لـ"للعلم" أن الشركة ملتزمة بتوفير الدواء للمرضى الذين يستحقونه من خلال التعاون مع المؤسسات الصحية في الولايات المتحدة.

وردًّا على سؤال حول ما إذا كان من الممكن توفير هذا الدواء بسعر مناسب للمرضى في الدول النامية مثل مصر، أجابت كوبر أن الدواء لم يحصل على الموافقة سوى في الولايات المتحدة، لكن، إذا تم اعتماده في بلدان أخرى، سيتم تحديد السعر وفقًا للعديد من العوامل، آخذين في الاعتبار الفوائد التي يمكن لكيمريا أن يقدمها للمرضى، وتقييم هيئات المراجعة الحكومية، وتكلفة خيارات العلاج المتاحة، وتأثير كيمريا على نظام الرعاية الصحية.

لكن التكلفة ليست العقبة الوحيدة، فوفق غريب قد يؤثر العلاج على خلايا المناعة من النوع "ب" التي تحتوي أيضًا على المستضد CD19، وهوما يؤثر على قدرتها على إنتاج الأجسام المضادة، كما أن بعض المرضى قد يصابون أيضًا بارتشاح في المخ، أو بنوبات صرع.

ويوضح أن أهم هذه المضاعفات ظهور ما يسمى بمتلازمة إطلاق السيتوكينات، إذ تفرز الخلايا المناعية التائية مجموعةً من الرسل الكيميائية التي تُعرف باسم السيتوكينات من أجل تنشيط جهاز المناعة، وهو ما يحدث بشكل حاد في هؤلاء المرضى بعد حقنهم بهذه الخلايا، مما يتسبب في ارتفاع كبير في درجات الحرارة وانخفاض حاد في ضغط الدم.

النقطة الأخيرة لم تكن خافيةً بطبيعة الحال على إدراة الأغذية والأدوية الأمريكية، التي وضعت استراتيجية لتقييم المخاطر وتعديلها؛ من أجل توعية القائمين على العلاج الجيني بهذه المخاطر وكيفية التعامل معها، فضلًا عن قصر استخدام هذه الأدوية على المراكز التي تتوافر فيها الأدوية التي يمكنها التعامل مع هذه المضاعفات.

وهو ما أكدته كوبر، التي رأت أن هذه العقبة يمكن التعامل معها من خلال هذه التوجيهات ومن خلال تطبيق هذه البروتوكولات في الأماكن المعتمدة التي يتوافر فيها طاقم مدرب قادر على التعامل على هذه الأعراض.

لكن الخلايا السرطانية مراوِغة، وبعضها يتخفى حتى لا تستطيع الخلايا المناعية مواجهته، كما تعمل بعض الخلايا على التخلص من المستضد CD19 حتى تتجنب تأثير العلاج، وكأن لعبة "الكر والفر بين الدواء والسرطان لا تنتهي".

يعلق غريب على الأمر قائلًا: ما زالت العديد من التجارب ساريةً لاستخدام هذا العلاج في أنواع أخرى من سرطان الدم باستخدام استراتيجيات مختلفة، تتضمن استهداف هدفين في وقت واحد.

ويضيف: ما زال الوقت مبكرًا للغاية للحكم على قدرة العلاج الجيني على التعامل مع الأورام الصلبة، بما في ذلك سرطان الثدي أو القولون مثلًا.

على جانب آخر، تُعَدُّ الأخبار التي تحملها كوبر في هذا المجال سارة، فهي تؤكد أن الأبحاث سارية بين الشركة وجامعة بنسلفانيا لاستخدام العلاج في سرطان الدم الليمفاوي المزمن وكذلك في سرطان النخاع المتعدد. لكن هذا ليس كل شيء.

تضيف كوبر: "هناك تطبيقات في سرطان المبيض مثلًا، لقد بدأنا الطريق وما زال طموحنا كبيرًا من أجل تطوير هذا النوع من العلاج في مختلف أنواع السرطان".

الأبحاث مستمرة، وربما يشهد المستقبل القريب علاجات أخرى لمختلف الأمراض الجينية التي عجزت الأدوية المعروفة عن علاجها. وقد يحمل الغد أخبارًا سارة لإبراهيم وغيره من المرضى. ولكن متى ينهمر الغيث؟ لا أحد يعلم! عسى أن يكون قريبًا.