لم تسكن "الأيزوبودا" بحيرة قارون وحسب، وإنما سكنت الأحواض داخل المعامل، مثلما سكنت عقول العلماء وطرحت أسئلة كثيرة حول هذا الطفيل الذى غيَّر مظاهر الحياة في واحدة من أهم بحيرات العالم.

الكلمات السابقة جاءت على لسان علاء الدين عيسى، أستاذ أمراض الأسماك بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة، والحاصل على جائزة الدولة التشجيعية بالعلوم الزراعية لعام 2008، وجائزة التفوق العلمي من جامعة القاهرة لعام 2012، وهو صاحب 45 بحثًا دوليًّا في مجال أمراض الأسماك، في مقابلة أجراها معه موقع "للعلم".

 

مجلة للعلم: متى ظهر طفيل الأيزوبودا؟ وما خصائصه؟

علاء الدين عيسى: الأيزوبودا حيوان قشري عديد الأرجل، اسمه المتداول هو "آكل لسان السمك"، وموطنه الأصلي خليج كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث ظهر في سبعينيات القرن الماضي، وكان معروفًا عنه أنه يصيب بعض أنواع الأسماك، وأهمها سمك البهار، إلا أنه الآن يهاجم أنواعًا أخرى؛ إذ اتسع نطاق خطورته ليصيب أسماكًا في المحيط الأطلنطي، وسُجِّلت حالات أخرى في أسماك استوائية بمياه مالحة في الهند وتايلاند وبنجلاديش والفلبين وكوريا ودول أخرى في أسيا، وعلى شواطئ المحيط الهندي وأستراليا مرورًا بالمحيط الهادئ، وإقليميًّا سُجِّلت حالات ظهور في البحر المتوسط في كلٍّ من تركيا وإسبانيا وإيطاليا وإسرائيل.

- ما البيئة المائية التي يعيش فيها الطفيل؟

- يعيش الأيزوبودا في المياه المالحة، ولا يتحمل العيش في المياه العذبة، وينتعش في درجات ملوحة فوق الـ18 ألف جزء في المليون، أي ما يعادل 18 جرامًا في اللتر الواحد من المياه، ويتحمل درجات ملوحة مرتفعة تصل إلى 40 ألف جزء في المليون (40 جرامًا في اللتر الواحد من المياه)، وربما أكثر، وظهر في البحر المتوسط في الثمانينيات، كما سجل محمد فيصل -أستاذ أمراض الأسماك بطب بيطري الإسكندرية وقتها، والأستاذ الحالي بجامعة ولاية ميشيجان الأمريكية- حالات إصابة به في أسماك الدنيس، وانقطعت أخبار الطفيل عن مصر بعد ذلك حتى ظهر في بحيرة قارون وبعض المزارع المالحة بشماليِّ مصر وشرقيِّها خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

- هل ينتقل الطفيل من الأسماك المصابة إلى الإنسان؟

- ليس للطفيل أي تأثير مباشر أو غير مباشر على الإنسان في حالة تناول أسماك مصابة به، خاصة وأن طرق طهي الأسماك في مصر -سواء عن طريق الشوي أو القلي والنقع في الخل والثوم- كفيلة بقتل الطفيليات والميكروبات، وللاطمئنان يفضل قطع رأس السمكة قبل الطهي؛ لأنه يحتوي على اللسان والخياشيم بوصفهما مكان الإصابة.

- كيف وصل الطفيل إلى بحيرة قارون وهى بحيرة مغلقة غير متصلة بالبحر؟

-بحكم وجود الطفيل في المياه المالحة الطبيعية المفتوحة "البحر المتوسط"، وبحكم أن البحيرة مغلقة وأقل مسافة بينها وبين البحر المتوسط هي 300 كيلومتر، وليس لها أي اتصال مباشر بأي بحر أو بحيرة مالحة، فإن الاحتمال الأمثل لانتقال الطفيل إليها هو عن طريق الإنسان مباشرة، بإلقاء زريعة مصابة أو مياه مالحة تحتوى على أطوار هذا الطفيل؛ فالزريعة مصدرها المياه المفتوحة كالبحر المتوسط وبحيرة المنزلة والبرلس، وتُجمع الزريعة في تنكات بلاستيك في وجود مصدر أكسجين، أو أكياس بلاستيك كبيرة ثلثها مياه وسمك وثلثاها أكسجين، ثم تُلقى في البحيرة بعد أقلمتها تدريجيًّا حتى يحدث تجانس حراري ولا يحدث موت مفاجئ بسبب الصدمة الحرارية، مع فحص الزريعة ظاهريًّا وإكلينيكيًّا وطفيليًّا وميكروبيًّا باعتبار أن هذا هو الطريق الأمثل لضمان سلامة الزريعة، لكن أشك أن 10% من تلك الإجراءات تحدث في الواقع.

- ما العلاقة بين نوعية مياه البحيرة والتلوث الحادث بها وظهور الطفيل؟

- ارتفاع نسب التلوث وتجاوزها النسب المسموح بها دوليًّا بسبب الصرف الصحي والزراعي المباشر بالبحيرة دون أي معالجات مع ارتفاع معدلات البخر وعدم وجود بواغيز أو أي مصدر للمياه العذبة أدى إلى تحوُّل البحيرة تدريجيًّا إلى بحيرة مالحة تصل نسبة الملوحة في بعض أجزائها إلى 40 ألف جزء في المليون، ولذلك وجد الطفيل ضالَّته حينما انتقل مع الزريعة أو مياه نقل الزريعة للبحيرة فتكاثر بصورة شرسة في ظل ملوحة مناسبة ومواد عضوية ودرجة حرارة تسمح بإكمال دورة حياته على الأسماك المصابة، وأدى انغلاق البحيرة وعدم قدرة السمكة على الهروب إلى تفشِّي الإصابات بشكل وبائي مخيف.

- ما التأثير الذي يُحدثه الطفيل في السمكة؟ وهل يؤثر في القيمة الغذائية؟

- ينهش أنسجة السمكة حتى تفقد طاقتها واستقرارها البيولوجي ويمنعها من النمو الطبيعي والتكاثر، مما يؤدي إلى انقراض بعض الأنواع. وبالرغم من أن القيمة الغذائية للأسماك المصابة لا تتأثر بشكل ملموس، تؤدي إصابتها بالطفيل من الناحية الكيميائية إلى نقص الهيموجلوبين؛ نتيجة تطفل الحشرة وعدم سريان دورة الهضم الطبيعية للسمكة نتيجة أكل اللسان، ما يؤثر سلبًا على عمليات الأيض والحرق وتكوين الأنسجة، وربما سرعة فساد السمكة بعد صيدها.

- ما السلالات المختلفة للطفيل؟ وما النوع الموجود في بحيرة قارون؟

- توجد سلالات مختلفة، منها ما يصيب المياه المعتدلة والاستوائية، وتختلف أماكن الإصابة باختلاف السلالة، وأشد السلالات شراسة تلك التي وفدت إلى البحر الأبيض المتوسط وتوطنت بمياهنا الشمالية ثم انتقلت إلى بحيرة قارون، وهي من نوع قملة آكلة اللسان.

- ما مدى تأثير ظهور الطفيل في البحيرة عليها كمحمية طبيعية؟ وهل للطفيل تأثير على التنوع البيولوجي فيها؟ وهل أثر على حركة الطيور المهاجرة؟

- ما من أبحاث تثبت تأثر البحيرة كمحمية طبيعية بسبب الطفيل أو تأثيره على التنوع البيولوجي وحركة الطيور المهاجرة، ولكن من المنطقي والمقبول القول بتأثير الطفيل على التنوُّع البيولوجي؛ لأن إصابة أنواع معينة من الأسماك بهذا الطفيل بكثافة أو بصورة وبائية ربما يضعها تحت تصنيف "مهددة بالانقراض"، وربما تصبح سريعًا منقرضة، وبالنسبة للطيور المهاجرة فإنها تعتمد بشكل أساسي على الأسماك المنقرضة وتلك المهددة بالانقراض، وقد تنتقل بعض الأمراض بطريقة غير مباشرة إلى الطيور عن طريق "الأيزوبودا"، وهو ما يعكف الباحثون على دراسته الآن في عدد من رسائل الماجستير والدكتوراة ومشروعات بحثية تدرس دور تلك الحشرات في نقل بعض المسببات المرضية للأسماك ومن ثَمَّ لبعض الطيور.

- ما مدى استفادة الطفيل من التغيُّرات الحرارية؟

- ثمة علاقة طردية؛ إذ تزداد معدلات تكاثر الطفيل، وكذلك الإسراع في دورة الحياة في ظل درجات الحرارة المرتفعة؛ لأن منشأ الطفيل أساسًا استوائي، ومعظم نشاطه في الأجواء الحارة.

- ما وسائل المكافحة للقضاء على الطفيل في البحيرة؟

- تخفيف ملوحة البحيرة، وهي وسيلة صعبة؛ لاتساع البحيرة وشح الماء العذب بها، لكن تخفيف الملوحة يرغم الطفيل على مغادرة البحيرة، ومنع وضع زريعة حتى لا نقدم أسماكًا للطفيل، ومن الصعب استخدام مبيدات في البحيرة؛ لأنها محمية طبيعية، وذلك يستلزم الحفاظ على الكائنات الأخرى.

- عندما زرنا البحيرة قال أحد شيوخ الصيادين إن الطفيل انتهى ولم يعد له وجود بعد أن خلت البحيرة من الأسماك.. ما مدى صحة هذا القول؟

- الطفيل لو ترك السمكة مدة يومين دون أن يلتصق بأخرى يموت بالفعل، لكن ما من دراسة تؤكد أو تستبعد وجود أطوار مختلفة من الطفيل في قاع البحيرة تنتظر الظروف المواتية لتهاجم السمك، الحالة الوحيدة التي نستبعد فيها أي وجود للطفيل هو تجفيف البحيرة بالكامل ثم معالجتها بالجير الحي، ثم ملؤها بمياه عذبة، وهذا الحل من المستحيلات؛ لندرة الماء العذب، ولكون البحيرة محمية طبيعية.