لسنوات طويلة، ظلت مسألة "تشابه الأرض والقمر" لغزًا عصيًّا على الفهم، وكان الاعتقاد الأرجح بالنسبة لهذا التشابه هو أن القمر تَكوَّن من جَرَّاء اصطدام هائل وقع بين الأرض -في بداية نشأتها- وكتلةٍ صخرية بحجم المريخ، أُطلقَ عليها اسم "ثيا"؛ نسبةً للإلهة الإغريقية التي حكمت الأرض في العصر الذهبي الأسطوري، وأنجبت الإلهة "سيليني" إلهة القمر، وأن الجسم الصادم الضخم الذي شكَّل القمر كان يمتلك مزيجًا من النظائر تشبه تلك الموجودة في الأرض.

لكن دراسةً حديثةً نشرتها دورية "نيتشر"، وحملت عنوان "تطور نظائر القرص الكوكبي الدوار واللبنات الأساسية للأرض والقمر"، أفادت بأن عامل الوقت كان عنصرًا مهمًّا في التشابه بين الكوكبين، مضيفةً أن "الكواكب المتماثلة في الحجم تكاد تكون تشكلت في توقيت واحد، ومن هنا كان القمر والأرض في حالتها البدائية -قبل الارتطام الضخم الذي أدى إلى تشكيلها بصورتها النهائية- متماثلَين في الحجم وفي النمو؛ لتكوُّنهما خلال الفترة الزمنية نفسها، وهو ما أكدته أيضًا بصمة نظائر الكالسيوم الموجودة في كلا الكوكبين، والتي تتشابه فيهما إلى حد كبير".

والقرص الكوكبي الدوار هو نوع من الأقراص النجمية الدوارة التي تحيط بالنجم في مرحلة حداثة تكوينه، ويمكن للنجم أن يجذب بعض الغازات الموجودة في الحافة الداخلية للقرص وأن يضمها إليه.

واعتمد الباحثون على تحليل نظائر عنصر الكالسيوم الموجودة في مكوِّنات متنوعة من الأجسام النيزكية؛ لأنه أحد المكوِّنات الأساسية في صخور الكواكب التي تنتمي إلى المجموعة الشمسية (وتحديدًا عطارد والزهرة والأرض والمريخ).

يقول "مارتن سشيللر" -الأستاذ المساعد بجامعة كوبنهاجن بالدانمارك والباحث المشرف على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الكواكب في نظامنا الشمسي لها طريقة التكوين نفسها؛ فهي عبارة عن صخور صغيرة تدور حول الشمس، وتشكِّل قرصًا كوكبيًّا دوارًا، يتصادم وينصهر مكونًا صخورًا أكبر تتحول إلى كواكب أولية -وبالتالي فإنه من المفترض أن تكون جميعها متشابهة، وهو الأمر الذي لم يحدث- تاركًا وراءه أسئلةً لا تنتهي عن سبب الاختلافات بين بعض الكواكب وبعضها الآخر، وهو الأمر الذي شكَّل تطابق القمر والأرض فيه حالةً استثنائية، أرجعها كثيرون إلى أنه مجرد تشابه عارض وقع بمحض الصدفة، لكننا توصلنا لحل لغز تشابه النظائر بين الأرض والقمر، وانتهينا إلى أن توقيت نمو الأجسام الكوكبية يؤدي دورًا بارزًا في تشابه النظائر فيما بينها؛ إذ إن الأجسام الكوكبية التي نَمَت في فترات زمنية متقاربة، مثل الأرض والقمر، كانت نظائرها متشابهة. وهذا يعني أن لغز التشابه النظائري بين القمر والأرض ليس مجرد حادثة عارضة أو محض صدفة".

وعن مدى أهمية هذا الاكتشاف بالنسبة لعلم الكواكب، يقول "سشيللر": "إن جانبًا مهمًّا من الدراسة، التي شارك فيها علماء من الدنمارك وألمانيا والبرتغال، يتعلق بربط التطور المؤقت للقرص الكوكبي الدوار بالمراحل المبكرة في نمو الكواكب، والتي نجدها على الأرض في صورة نيازك".

وقد مر تشابه منظومة "الأرض- القمر" بعدة مراحل بحثية، كانت أُولاها على يد جورج داروين، نجل تشارلز داروين، والذي ذهب في عام 1878 إلى أن القمر نتج كقطعة انفصلت عن الأرض في أثناء دورانها بسرعة كبيرة بفعل قوى الطرد المركزي عند الدوران.

وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، خرج علينا مجموعة من العلماء الأمريكيين بما عُرف بفرضية "الاصطدام العملاق"، مشيرين إلى أن "القمر تشكَّل نتيجة اصطدام كوكب بحجم المريخ تقريبًا بالأرض، ما أدى إلى تطايُر أجزاء منها وتشكُّل القمر من المادة المتطايرة، أي من وشاح الأرض".

يُذكر أن الأرض تكونت منذ 4.5 مليارات عام تقريبًا من القرص الكوكبي المُحيط بالشمس، الذي يُعتقد أنه نتج من انهيار سديم عملاق أدى إلى تكوين نجم لامع (الشمس)، محاط بسحابة من الغبار والغازات التي كوَّنت قرصًا كوكبيًّا أوليًّا، أدى بدوره الى تكوُّن النظام الشمسي الذي نراه الآن. لذلك يعتقد العلماء أن القمر تكون في هذه الأثناء، إذ ترجِّح أغلب الأبحاث العلمية أن القمر تكوَّن مع تكوُّن كوكب الأرض أو بعد تكوُّنه بفترة وجيزة (نسبيًّا).