"اللهم اجعلني بالاستغناء غنيًّا"، قول مأثور في تراثنا لا أظن أن جيمس لافلوك يعرفه، لكنه بفطرة الإنسان النقية طبَّقه بشجاعة تفوق شجاعة الفرسان؛ لأنها شجاعة ترويض النفس على الزهد في كل زائف من بهرج الدنيا، لصالح الشوق العارم للعطاء فيها، وقد كان عطاؤه للدنيا -عبر العلم- عظيمًا، وقمة عظمته أنه حققه كعالم مستقل تمامًا، حر إلى أبعد حد، مخترقًا غابةً موحشةً من عسر العيش وتكاثر الآلام، دون أن يتخلى عن ابتسامة بشرية وصفاء نفسي من أصدق وأعذب ما يكون.

      كل هذا الإنجاز

     هو حالة نادرة من العلماء الكبار الذين يشتغلون بالعلم عند تخومه القصوى، لكنهم لا يتركون تطبيقات ما يكتشفونه للتقنيين، فقد كان ما إن يتوصل إلى رؤية علمية ثاقبة، حتى يذهب لتحويلها إلى اختراع، وبأبسط ما يتاح له من أدوات، فأشهرها حققه على طاولة مطبخ في بيته البسيط، لهذا تم تتويجه بلقبي "العالِم المستقل" و"المخترع مدى الحياة"، وهاهو مسرد سريع لعِلمه واختراعاته:

    * طبيًّا: عام 1952، طور نظريةً كميةً للأضرار التي لحقت بالأنسجة الحية عند تجميدها وإذابتها بمعدلات بطيئة أو معتدلة، وأظهرت تجاربه أن الضرر كان ناتجًا عن تركيز الملح والمواد المذابة الأخرى عند فصل الجليد كمادة نقية، فاقترح موادَّ بديلة وثبت نجاحها في منع هذا الضرر، وفي عام 1954 نجح في تجميد قوارض الهامستر الكاملة وإزالة تجميدها، وطبق لأول مرة إذابة تجميد هذه الحيوانات بموجات الميكروويف المخففة بدلًا من طريقة الإذابة السابقة بملاعق مسخنة لدرجة الاحمرار تُلهب جسم هذه القوارض الصغيرة، فقلل تألُّمها وتأذِّيها، وكان بذلك من رواد تطوير تقنية أفران الميكروويف، إضافةً إلى ريادته في حقل حفظ الأنسجة الحية بالتبريد، المطبقة الآن عند نقل الأعضاء، وفي حفظ خلايا المخ في أثناء الغيبوبة العميقة، وحفظ الأمشاج الجنسية ضمن عمليات الإخصاب خارج الرحم (أطفال الأنابيب) وغيرها، كما أنه عمل مبكرًا في استقصاء سبل انتشار عدوى الجهاز التنفسي، خاصةً نزلات البرد، وتصميم وسائل الوقاية منها بالتهوية، ولعل بعض ما نطبقه اليوم من أساليب الوقاية في جائحة كوفيد-19 يكون له قدرٌ من الفضل فيه.

     * فيزيائيًّا وكيميائيًّا: في مجال الكروماتوجرافيا Chromatography، أي التفريق اللوني لفصل المواد الكيميائية المختلطة وتنقيتها، اختراع عديد من الأجهزة المستخدمة في فصل الغازات، ومن هذه البداية اخترع عام 1956 جهاز "كاشف التقاط الإلكترون" electron capture detector (ECD) الذي كان ولا يزال من أكثر الأساليب التحليلية الكيميائية حساسيةً لاكتشاف مخلَّفات المبيدات والملوِّثات في البيئة الطبيعية، وفي السياق طور جهاز "مطياف الكتلة" mass spectrometry الذي حملته مركبة الفضاء فايكنغ التي هبطت على المريخ في منتصف السبعينيات، وكان له دورٌ حاسمٌ في الإجابة عن السؤال الذي زُعم أن مشروع فايكنج أقيم لأجله، أي البحث عن آثار مواد داعمة للحياة على ذلك الكوكب، فالجهاز يحدد العناصر الكيميائية المكونة لأي مادة أو جزيء بتشريد مكوناتها وتوليد جزيئات مشحونة يمكن قياس نسبة كتلتها إلى شحنتها ومن ثم يجري تحديدها بدقة، ومن المفارقات أن الخلفية العلمية لهذه المخترعات ذات السياق الواحد المتصاعد عند لافلوك، كانت القشة التي قصمت ظهر بعير وجوده في ناسا، وقد ثبت أخيرًا ويثبت كل يوم، أن لافلوك كان على حق وصواب فيما ذهب إليه، وإليه سنرجع.

     * في علم الغلاف الجوي: عام 1972 اكتشف مركبات الكربون الكلوروفلورية وأكسيد النيتروز في الغلاف الجوي كمؤشر على مدى تفاقُم تلوُّث بيئة الأرض وتأثير ذلك على سلامة طبقة الأوزون الحامية للحياة على كوكبنا، وفي عام 1975 أبلغ عن أول قياسات لغاز كلوريد الميثيل السامّ عديم اللون والقابل للاشتعال في الغلاف الجوي، ومن عام 1977 حتى عام 1980، أنشأ في جنوب أيرلندا أول محطة مراقبة للهالوكربونات الملوثة لذلك الغلاف (وتسمى الفحم الهالوجيني) وأجرى المعايرة الأولى والأساسية لأدواتها، وكرر ذلك في محطات مماثلة على مستوى العالم، وفي عام 1986، شارك في تقديم فرضية أن أحد المصادر الطبيعية المهمة لنوى تكثيف السحب هو منتجات الأكسدة التي تتكون في الهواء من غاز ثنائي ميثيل الكبريتيد الحيوي الموجود في معظم الطحالب البحرية، وكان ذلك اكتشافًا فريدًا استحق منحه جائزةً كبرى في علم المناخ عام 1988.

     * في الفيزياء الجيولوجية: عام 1965 قدم فرضية "جايا"، التي تنظر إلى كوكب الأرض كجملة واحدة متكاملة تشكل نظامًا ذاتي التنظيم تسهم فيه كل أشكال الحياة على الأرض لتحافظ على المناخ والتركيب الكيميائي الداعم للحياة في هذا الكوكب، وقد واجهت هذه الفرضية رفضًا زاعقًا من علماء كبار ومشاهير على اعتبارها رؤيةً مجازيةً أكثر من كونها علمية، لكن بعد أربعين سنة تحولت هذه الفرضية إلى نظرية مدعومة بالنماذج الرياضية والبراهين العلمية والتحقق المذهل لما قدمته من تنبؤات بيئية ومناخية، وتحول كثير من المعارضين إلى مؤيدين لها بل مدافعين عنها، وهي قصة كبيرة وجليلة، ويلزمها رحاب آخر.

لوفلوك وزوجته ساندي Tim Cuff / Alamy Stock Photo

وما أعجب أن أَنْجَزَه

     لقد وُلِد جيمس لفلوك في 26 يوليو عام 1919 لأسرة فقيرة من الطبقة العاملة في جنوب لندن، وقضى والده ستة أشهر في السجن عند شبابه لسرقته أرنبًا يحسِّن به نظامَه الغذائي البائس! في المدرسة كان جيمس طالبًا شارد الذهن يعاني صعوبة القراءة ويهتم بالمزاح أكثر من الواجبات المدرسية، لكنه شغوف بالعوالم الخيالية للكاتبَين جول فيرن وهربرت ويلز، كان يكره سلطة المدرسة الصارمة، وبات تلميذًا غير سعيد فيها، فتركها، وعمل في شركة للتصوير الفوتوغرافي أتاحت له أن يلتحق بكلية "بيركبيك" التابعة لجامعة لندن والوحيدة التي تقدم دروسًا مسائية، ومنها نجح في دخول جامعة مانشستر لدراسة الكيمياء، فلمح مواهبه وتبنَّاه العالم الحائز جائزة نوبل في الكيمياء الحيوية البروفيسور ألكسندر تود، وبتوصية من أستاذه نال مكانًا في مجلس البحوث الطبية، يعمل على طرق حماية الجنود من الحروق، ورفض لوفلوك استخدام الأرانب المحلوق شعرها والمخدرة لتجارب الحرق، فراح يعرِّض بشرته للإشعاع الحراري بدلاً منها، وهي تجربة وصفها بأنها "مؤلمة بشكل رائع"!

     في عام 1948، حصل على درجة الدكتوراة في الطب من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، وشارك بعدها عدة سنوات في بحوث طبية متطورة بالمعهد الوطني للبحوث الطبية في لندن، وفي جامعة ييل وكلية بايلور للطب وجامعة هارفارد بالولايات المتحدة، لكنه ظل حريصًا على استقلاله وحريته كباحث، وكمخترع عصامي على وجه الخصوص، وكان هذا ينعكس عليه برقة حال لا تتناسب مع علمه ومواهبه، مما أدخله في أزمات لم يُنجه منها غير رضاه بالقليل، وسوانح تدركه في اللحظات الأخيرة، وهو ما يحكيه عنه عالِم الفيزياء الكبير والكاتب العلمي البارع "فيرتيوف كابرا" في كتابه "شبكة الحياة".

     في بداية الستينيات كان (جيمس لفلوك) يؤدي وظيفةً تغطي نفقاته لكنها تُشعره بالملل، يعول أربعة أبناء من زوجته الأولى "هيلين هيسلوب" يعاني أحدهم عيبًا خلقيًّا، وكانت هيلين التي تزوجها عام 1942 تعاني في سنواتها الأخيرة من مرض " التصلب المتعدد"، وظل يرعاها حتى وفاتها عام 1989، ويرعى معها أمه العجوز المصابة بالخرف، ودخل في أزمة نفسية فصار يدخن ويشرب الكحوليات، لم يكن سعيدًا، لهذا رحب بدعوة مفاجئة لينضم إلى علماء مختبر الدفع النفاث في كاليفورنيا للعمل على ابتكار مجسات فضائية لسبر الكواكب.

في ناااااااا ساااااا!

      راح علماء هذا المختبر ومعهم جيمس لافلوك يعملون على تصميم آلات لمهمات السفينتين "فايكنج" المقرر هبوطهما على كوكب المريخ؛ لأخذ عينات من تربته والتحقق من احتمال وجود البكتيريا فيها كدليل على وجود الحياة، وهنا ظهرت استقلالية لافلوك العلمية التي لا تخضع لبرنامج عمل لا يقنعه مهما كانت عوائده المادية والنفسية و"البريستيجية"، فراح يتساءل: كيف لنا التأكد من أن الحياة على المريخ، إذا وُجِدت، سوف تكشف نفسها لاختبارات مؤسسة على نمط الحياة الأرضي؟ وقاده السؤال خلال الشهور والأعوام التالية إلى التفكير مليًّا حول طبيعة الحياة وكيف ينبغي تعريفها ومعرفتها، ولِم لا يُستخدم الغلاف الجوي للمريخ بدلًا من تربته للإجابة عن سؤال الحياة فيه؟ لأنه إذا كانت هناك حياة فأسوةً بما يحدث في الأرض، ستأخذ الأحياء ما تحتاجه من الغلاف الجوي، كالأوكسجين لتنفُّس معظم الحيوانات وثاني أكسيد الكربون لمعظم النباتات، ثم تفرز في هذا الغلاف مخلَّفات تنفُّسها، الأوكسجين من النباتات وبعض الفيروسات البحرية، وثاني أوكسيد الكربون من الحيوانات، والميثان من تحلُّل المخلَّفات العضوية وعمليات الهضم عند الماشية.

     ومن خلاصة تفكيره في كل ذلك توصل لفلوك إلى تخمين أنه يمكن تحري وجود الحياة على المريخ، إن وُجِدت، بتطبيق طريقة "التحليل الطيفي" Spectral analysis عن طريق تليسكوب كبير مما هو متوافر يوجَّه إلى كوكب المريخ ويكون مرتبطًا بمطياف يحدد غازات غلافه الجوي بتحليل الضوء المنبعث أو المنعكس عنها، فلكل مادة طيفها المميز الذي لا يطابق أي مادة أخرى، وهي طريقة مُجرَّبة في الفلك و"الاستشعار عن بُعد"، وقد تأكدت صحة تخمين لفلوك عندما بدأ مع زميله "دايان هيتشكوك" تحليلًا طيفيًّا منهجيًّا لغازات الغلاف الجوي للمريخ، وقارنوا نتائج التحليل بنظير له يخص الغلاف الجوي للأرض، فاكتشفوا التبايُن الملحوظ في التراكيب الكيميائية للغلافين، ففي الغلاف الجوي للمريخ ثمة القليل جدًّا من الأوكسجين والكثير من ثاني أوكسيد الكربون ولا يوجد ميثان، بينما يحتوي الغلاف الجوي للأرض على مقادير هائلة من الأوكسجين والكثير من الميثان والقليل من ثاني أوكسيد الكربون، وكانت القاضية!

لا يُرضي ناسا وإن أنصف الأرض

      أدرك لفلوك من نتيجة التحليل الطيفي لغازات الغلاف الجوي للمريخ أنه كوكبٌ ميت، فبالمقارنة مع كوكبنا تبدو الحالة على الأرض معاكسةً تمامًا؛ إذ يحتوي غلافها الجوي على غازات كالأوكسجين والميثان اللذَين يمكن أن يتفاعلا معًا، فالأوكسجين غاز يساعد على الاشتعال والميثان غاز قابل للاحتراق، ومع ذلك لا يحدث هذا الحريق الكوني في أجواء كوكبنا، مما يعني وجود حالة انضباط شديدة تحكم نسب هذه الغازات وسلوكها وتُعزى إلى وجود الحياة، إذ تُنتج النباتات الأوكسجين بشكل ثابت وتنتج المتعضيات الأخرى غازات مختلفة، وبذلك تُغذِّي غازات الغلاف الجوي بإمدادات مستمرة لاستتباب تفاعلاته الكيميائية، إذًا، الأرض حية، والمريخ ميت، كان ذلك تشخيص لفلوك الحاسم في خريف 1965.

     تشخيص ينطوي على كشف علمي باهر، لكن تنتفي معه مخططات الهبوط على المريخ بزعم البحث عن الحياة أو ما يدعم الحياة هناك، وبطبيعة الحال لم يوافق علماء الفضاء في وكالة ناسا على هذا الكشف العبقري للفلوك، فموافقتهم كانت تعني أنه لم يعد هناك داعٍ لإرسال مركبة فضائية إلى الكوكب الأحمر، ولم يكن مستغربًا أن وكالة ناسا أهملت تشخيص الدكتور جيمس لفلوك واستمرت في تطوير برنامج فايكنج، وقد هبطت أولى مركباته على المريخ بعد عدة أعوام، وكما توقع لفلوك وأكده بحثه، لم يُعثَر على أي أثر للحياة هناك، ولا تزال مهمات ارتياد المريخ مستمرة، وزعم البحث عن أثر للحياة على حاله، بل ثمة تهليل لعثور مركبات فضائية مريخية أخيرة على مياه متجمدة تحت أرضه الميتة!

عمر مديد..عيد ميلاد سعيد

    الآن وبينما يكمل جيمس لافلوك عامه الثاني بعد المئة، لا يزال وجوده الحيوي يشع بتلك اللطافة التي يدعمها قوامه الرقيق ولِبسه البسيط الأنيق، ولا تزال ابتسامته الطيبة الساحرة لا تكتفي بإضاءة وجهه المسن الجميل وحده، بل تنعكس بضوءٍ هادٍ على مَن يتملاه، وهو كما هو، ينأى بعيدًا عن أضواء المدن الصاخبة الجبارة وضوضائها، يعيش مع زوجته الثانية "ساندي" التي تشبهه، والابن المُعاق، في منزل ريفي قديم لخفر السواحل قريب من شاطئ تشيزيل بجنوب غرب إنجلترا المطل على القناة الإنجليزية وقناة بريستول، بيئة بكر رائعة الجمال الطبيعي، تستحق أن تكون من ممالك "جايا" -ربة الأرض التي ترفل بأثواب ألوان الطبيعة البكر، التي يدمرها إنسان العصر والاعتصار الحالي، بينما يغزو الفضاء بزعم البحث عن مأوى بديل لجنسنا عندما تُقفر الأرض، تناقض غريب، يؤكد أن المسألة ليست بحثًا عن بديل للأرض، بل مرتكزات للتنافس والصراع، وعسكرة الفضاء، نوويًّا، كما يبدو، ويُنذِر بمحو الحياة!