في المرة الأولى التي ذهبت فيها سارة إلى طبيب نفسي، قال لها: "أنا لا علاقة لي بالمشكلات. أنا أعالج أمراضًا، لو كانت عندك مشكلة، فالحل ليس عندي". أثارت هذه اللهجة الحادة في نفسها شعورًا سيئًا، وأضافت إلى التجربة كلها إحساسًا بالذنب، شعرت كأنها بحاجة إلى الاعتذار.

ذهبت سارة إلى الطبيب للمرة الأولى وهي تشعر أن الأمر لا يستحق، هناك أشخاص يعانون في الغالب أكثر مما تعاني، ولا يذهبون إلى طبيب نفسي أو غيره. بالتأكيد "مشكلاتها" ليست بهذه الأهمية.

لم تكن الأعراض التي دفعتها للذهاب إلى الطبيب حادةً في ذلك الوقت، مجرد تغيُّر في المزاج. لكن ما حسم القرار كان أن هذا التغيّر، مع مرور الوقت، ازداد وأصبح أكثر عنفًا. وقتها، كانت سارة لا تزال طالبةً في كليّة الطب البشري. وكانت الضغوطات التي تصاحب الدراسة الجامعية أحد الأسباب التي دفعتها للتفكير بأن الأمر كله أبسط بكثير مما تعتقد. أن الأعراض ترتبط بسبب معيّن، وستزول بانتهائه.

في النهاية، استقر الطبيب على أحد أنواع الوسواس القهري كتشخيص، اضطراب نفسي شائع يعاني فيه الشخص من سيطرة أفكار معيّنة عليه، أو من الشعور بالحاجة إلى أداء سلوكيات معيّنة، على نحو متكرر ومستمر. والعنصر الحاسم هنا هو عدم قدرة الشخص على السيطرة على هذه الأفكار أو مقاومة السلوك. ومن هنا يأتي الوصف بـ‎«القهري».

بدأت سارة في تناوُل الأدوية التي وُصفت لها، لكن الأعراض لم تتحسَّن. بعد فترة، قررت التوقُّف عن الدواء، وعن المتابعة مع الطبيب، وانقطعت سنتين عن الذهاب إلى أي مختص. أثارت التجربة عندها بعض الشكوك، ثم قررت أنها لا تعاني من شيء. وأن الأمر كله أفكار يجب تجاهلها. لكن بمرور الوقت، ظهرت الأعراض من جديد، وبدأت مجموعة من الأوجاع الجسدية غير المفسَّرة تهاجمها.

الخبرة العملية التي تملكها سارة بمجال الطب، إلى جانب القراءة الشخصية في أثناء رحلتها العلاجية، تجعلها تُلقي من وقت إلى آخر، في أثناء سردها للحكاية، بملحوظات شخصية تعليقًا على حالتها.

حينما تذكر مثلًا أن الطبيب الثاني استقر على تشخيص آخر، وهو الاكتئاب الحاد، تستدرك مُعلِّقة: "غالبًا كان الشق الاكتئابي من الحالة التي أعاني منها واضحًا بالنسبة له، ما جعله يفضل هذا التشخيص"، لكن هناك أعراضًا أخرى كانت أقلَّ حدة، ويصعب تبيُّنها، مثل الـهوس الخفيف (Hypomania).

لم تسر التجربة الثانية على ما يرام. قررت سارة الذهاب إلى طبيب آخر.

الطبيب الثالث لم يُعطِ تشخيصًا من الأصل، ولمّا ظهرت الأفكار الانتحارية، أخبرها أن هذه ليست أفكارًا "حقيقيّة"، بل أنها في الواقع "مهووسة" بهذه الأفكار ليس إلا. ترتبك سارة مضيفةً: "لكن ما وصفه لم يكن ما أمرُّ به".

عادةً ما تكون الأفكار الوسواسية أفكارًا مرفوضةً من الشخص الذي يعانيها، يحاول التخلّص منها دون جدوى، لكن الأفكار الانتحارية كانت على العكس، تُشعر سارة بنوع من الراحة، حسبما تقول. وأخافها ذلك. "هذه الأفكار كانت تُشعرني بالسعادة أصلًا، أنني في لحظةٍ ما يمكن أن ألجأ إلى ذلك".

ذهبت سارة بعد ذلك إلى اثنين من الأطباء، وحصلت على تشخيصٍ واحدٍ منهما: الاكتئاب أحادي القطب (Unipolar Depression). أحد أنواع الاكتئاب الذي يتصف بسوء المزاج المستمر، وعدم الرغبة في فعل أي شيء. دون مرورٍ بموجات من الهوس التي تفرق هذا التشخيص عن الاضطراب ثنائي القطب، الذي تتراوح فيه الحالة المزاجية للشخص بين نقيضين بالأساس، هوس مفرط أو حزن مفرط.

لكن كل العلاجات التي تلقتها لم تكن لها فائدة تذكر. كان هذا مُحبطًا لدرجة كبيرة. فبالنظر إلى خلفيتها الطبية وإيمانها بالطب النفسي، بدا الفشل مُربكًا لها بعض الشيء.

كيف نعرف المرض؟

التشخيص أحد الأسس التي تقوم عليها الممارسة الطبّية. وهو طريقة تهدف لوضع الأعراض المرضية في سياق، ومن ثم التعامل معها باختيار نوع العلاج، ثم تقييم درجة نجاحه.

يتعامل الطب النفسي مع الأعراض كغيره من فروع الطب، ويستخدم أساليب علاجية مبنية على التجربة، ولكن التخصص ليس كغيره، وفق تعبير طلال فيصل، الطبيب النفسي بجامعة ماربورج في ألمانيا، الذي يضيف أن هذا المجال يتعامل مع أمور مثل الوعي والقرار والحافز، ويبني عليها تصوّره عن المرض والصحة، إضافةً إلى مساحات أخرى أصعب في تعريفها، مثل الإرادة الحرة واستبصار المرء بنفسه. يمتد تأثير هذا المجال المباشر ومساحة اهتمامه إلى العلاقات البشرية بأشكالها المختلفة. أي أنه يهتم بكل ما يجعل البشر «بشرًا». وقياس هذه الأمور ليس كقياس الضغط أو نسبة السكر، ومن ثم فتشخيص المرض وعلاجه ليس بالسهولة نفسها.

يؤكد محمد الشيخ -مدرس الطب النفسي وعلاج الإدمان بجامعة الأزهر، واستشاري الطب النفسي والعلاج النفسي بجامعة برلين الطبية (شاريتيه)- تلك الفكرة. مشيرًا إلى أن بنية التخصص تحمل خصائص "تتيح كثيرًا من التخمين والافتراضات فيما يتعلق بالتشخيص، وتتيح أحيانًا حدوث ارتباك فيه".

السبب في ذلك يرجع إلى أن الأدوات التشخيصية المتاحة في هذا التخصص ليست قائمةً على الدليل، وفق قول محمد الشيخ. فعملية تشخيص مريض بالاكتئاب مثلًا، تعتمد على المقابلة الشخصية، وما يقوله المريض في أثناء ذلك، ثم يأخذ الطبيب التاريخ المرضي، يلي ذلك فحص الحالة العقلية (MSE). يستخدم محمد الشيخ المجاز نفسه الذي استخدمه طلال فيصل: "ليست عينة دم تسحبها وترسلها إلى المعمل"، الذي يضيف أن عملية التشخيص تتضمن أحيانًا إجراء فحوصات مادية أو اختبارات نفسية، خاصةً لاستبعاد أسباب عضوية كامنة للاضطراب النفسي. بل يُستخدم التصوير العصبي ((Neuroimaging في بعض الحالات.

التشخيص ليس عملية اعتباطية بالتأكيد، حتى لو كانت تحمل بعض الثغرات، إذ تُجرى بالكامل اعتمادًا على المبادئ الطبية المذكورة في الأدلة التشخيصية، مثل التصنيف الدولي للأمراض، الذي تُحرره منظمة الصحة العالمية (الآن في طبعته الحادية عشرة)، إضافةً إلى الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، الذي تصدره الجمعية الأمريكية للطب النفسي. نُشرت الطبعة الخامسة من الدليل الأخير في 2013.

في الوقت الحالي، يعتبر المزج بين العلاج بأدوية الأمراض النفسية والعلاج النفسي الكلامي هو الشكل الأكثر انتشارًا بين العديد من الممارسين.

يرى محمد الشيخ كذلك أن واقع الممارسة الطبية في بلدٍ ما، ومساحة التدريب التي يتعرض لها الأطباء، تفرض بالضرورة سياقًا عامًّا على الطبيب بغض النظر عن تخصُّصه، مؤكدًا أن "البرنامج التدريبي للأطباء بشكل عام في مصر يحتاج إلى المزيد من العناية والاهتمام والتطوير".

ووفق وصف الشيخ، فإن الكثيرين يتدخلون في العملية العلاجية في الطب النفسي إلى جانب الأطباء. بدايةً من أطباء تخصصات أخرى، وحتى المعالجين النفسيين من غير خريجي كلية الطب. أي أن التشخيصات يتصدر لها مَن ليسوا أطباء، ما يخلق مساحة ارتباك.

ما الذي يجعل التجربة غير موفقة؟

في عام 2018، نشرت وزارة الصحة المصرية مسحًا قوميًّا للصحة النفسية، يستهدف قياس معدل انتشار الاضطرابات النفسية بالجمهورية لعام 2017، أظهر المسح أن 25% من المصريين يعانون من الأعراض والاضطرابات النفسية. بمعنى أنّ 1 من كل 4 أشخاص من المفحوصين لديه عَرَض أو اضطراب نفسي. وهي نسبةٌ تستدعي أن يحتل تخصص الطب النفسي والأمراض النفسية مكانًا مهمًّا في دائرة الاهتمام.

هناك العديد من الأمور التي تجعل تجربة الذهاب إلى الطبيب النفسي لا تزال غير موفقة على النحو الذي يأمل فيه بعضُ مَن يتخذون هذه الخطوة. سواءٌ على مستوى الأخطاء المهنية، أو التوقعات المبالغ فيها. أو حتى اختلاف الإجابات عن الأسئلة الكبيرة المهمة: ماذا يعني المرض النفسي؟ هل الأدلة العلاجية هي السبيل الوحيد لتصنيف المرض؟ بل كذلك: ماذا يعني الشفاء من المرض أصلًا؟ وكيف يعرف المريض أنه قد شُفي. كلها إجابات يجدر بالعلاقة العلاجية بين الطبيب والمريض أن تستوفيَها، على مدار الفترة العلاجية كلها.

معرفة السياق الذي يتحرك في التخصص -وفق ما يقول طلال فيصل- مسألة مهمة في الوصول إلى أقصى استفادة ممكنة من المعارف التي يحملها التخصص ويقدمها لمرضاه من خلال الأطباء.

وفق تعبير محمد الشيخ، فتخصص الطب النفسي لا يزال قائمًا يتطور وينمو ويحقق نجاحات كل يوم، وهو يرى أن الجانب الوظيفي المادي للتخصص ناجحٌ كذلك. أما التجارب غير الموفقة فتعني أن أمامنا الكثير لنتعلمه، وإدراك ذلك ينعكس بالضرورة على الطريقة التي يتعامل بها الأطباء مع تخصصهم، وكذلك على توقعات المرضى من أطبائهم وتجاربهم العلاجية.

لكن هناك نقطة أساسية أخرى ينبغي ملاحظتها، كما يشير محمد الشيخ، وهي أن تخصص الطب النفسي يضم الكثير من المدارس التي تتعامل مع الإنسان من أكثر من زاوية، لا زاوية البيولوجيا البحتة فحسب. وصحيح أن الجوانب العصبية في النهاية تُمثل أحد الجوانب المهمة، إلا أن عناصر مثل البيئة والسياق الاجتماعي والثقافي تؤدي دورها. ومن الضروري أن ينظر الطبيب النفسي والمريض، إلى كل هذه الجوانب.

يرى محمد الشيخ أن هناك مساحات تقدُّم كبيرة فيما يتعلق بالتشخيص اعتمادًا على الجانب البيولوجي، وخاصةً في مجال الأبحاث، بجانب أن التطوّر في الأدوية النفسية حقق تقدمًا هائلًا؛ فقد أصبحت الأدوية أكثر تحديدًا وأقل حدةً في أعراضها الجانبية.

الأمور تتحسّن

حينما بدأت سارة علاجها مع الطبيبة التي تتابع معها حاليًّا، بدأت الأمور في التحسُّن بالتدريج، توصلت الطبيبة إلى أن التشخيص المنشود في الغالب هو اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني. تصف سارة التشخيص على لسان طبيبتها: "تشخيص صعب جدًّا". خاصةً -وفق ما تضيف الطبيبة- أن الأعراض لم تظهر بشكلها التقليدي. ثم انتاب سارة هدوءٌ من نوع ما، بعد سفرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أكد طبيبها المعالج هناك التشخيص نفسه.

استغرقت الرحلة كلها 6 أطباء، و3 تشخيصات مختلفة.

لا ينكر محمد الشيخ أن هناك الكثير من التجارب غير الموفقة التي يعاني منها كثير من المرضى، ويؤكد: "لا يزال الطريق طويلًا". لكنه يضيف بثقة: "لكن على الأقل، هناك طريق نسير فيه".

------------------------------------------------------------------

*هذا التقرير تم إنتاجه في إطار مشروع "العلم حكاية" الذي ينظمه معهد جوته، والهيئة الألمانية للتبادل العلمي "DAAD"، وبدعم من وزارة الخارجية الألمانية.