في المزارع الشاسعة والغابات الممتدة على امتداد البصر بدولة "لوكسمبورج" الأوروبية، وقف رجل بصحبة طفله الصغير يجمعان معًا عينات من الحشرات، يعمل الرجل مُدرسًا للعلوم الطبيعية في إحدى المدارس الثانوية، لطالما كان شغوفًا بالحشرات، وكان يُفضل اصطحاب "جول" –صغيره الذكي- لمساعدته في تدوين كل أنواع الحشرات التى تقع عيناهما عليها. وفي سن السابعة عشرة، كتب "جول" مقالة عن "جراد لوكسمبورج".

كان "جول" يعشق الأدب، ويُحب دراسة التاريخ، غير أن قوة شخصية والده، وغرامه الشخصي بالحشرات جعله يتجه لدراسة الأحياء بدلًا من دراسة الأدب أو التاريخ. وهو الأمر الذي قاده في نهاية المطاف للحصول على جائزة نوبل في الطب عام 2011. فتح هوفمان لـ"للعلم" خزانة ذكرياته وأفكاره فكان الحوار التالي:

للعلم: قبل أن نتحدث عن جائزة نوبل والكشف الذي قادك وزملاءك إليها، يتملكني الفضول كي أعرف مَن الذي ألهمك في حياتك العملية، وهل النشأة والبيئة المحيطة وطريقة التربية التي تتبعها الأسر مع أبنائها يمكنها أن تقود إلى نوبل؟

جول هوفمان: قائمة الملهمين لديَّ طويلة، وعلى رأسها يأتي أبي الذي أعتبره مثلي الأعلى، كان يمتلك شخصية قوية ومؤثرة، فقد كان أستاذًا للعلوم الطبيعية للمرحلة الثانوية، وكان مغرمًا بالحشرات، ووجهني نحو دراسة الأحياء، وعندما نقلنا إقامتنا من لوكسمبورج حيث وُلدت إلى مدينة "سترازبورج" الفرنسية، بدأت بالفعل العمل في مختبر هناك يعمل على نماذج الحشرات.

كنت تلميذًا محظوظًا، فقد كان لديَّ مدرسون أدين لهم بالفضل فيما أنا عليه الآن. هناك كذلك قائمة طويلة من البشر الذين أثَّروا في مسيرتي. لطالما كنت -والحقيقة أنني ما زلت- شديد الحرص على التواصل مع أشخاص في مجالات عديدة. وطول الوقت أُقْدم على تطبيق تقنيات ومفاهيم جديدة. وفي مرحلة مبكرة من حياتي عقدت العزم على أن أظل طالبًا إلى الأبد.

-ما الذي كان يجذبك في الحشرات؟

- كان هناك شغف عائلي بالحشرات؛ فحين انتقلنا من لوكسمبورج إلى فرنسا، كانت فرنسا في ذلك الوقت تشعر بالمسؤولية تجاه شمال أفريقيا التي كانت تعاني من مشكلات كثيرة متعلقة بالجراد. لذلك بدأت بالعمل على الجراد وغيره من الحشرات بمختبر في "سترازبورج"، وأدركت أن تلك المخلوقات الصغيرة تتمتع بمناعة قوية ومقاومة شديدة ضد العدوى.

كان لديَّ فضول لمعرفة آلية دفاع الحشرات عن نفسها. في ذلك الوقت، لم يكن العالم مهتمًّا بالتطبيقات ولا بماذا سنقدم للمجتمعات، بل كان الدافع الأول هو "المعرفة" فقط. لا يعلم كثيرون أن الحشرات تمثل 80% من الأنواع الحيوانية، وهي تنقل ميكروبات وطفيليات وبكتيريا وفيروسات، وتسبب أمراضًا لحوالي مليار شخص حول العالم، ولكن إلى جانب المشكلات التي تتسبب فيها الحشرات يجب ألا ننسى فضلها في نقل حبوب اللقاح، المعروف منذ حقبة الفراعنة.

-قبل أن نتحدث بالتفصيل عن سبب الفوز بنوبل نريد أن نشرح بشكل بسيط الفرق بين "المناعة الفطرية" و"المناعة المكتسبة"؟

-لكي نشرح ذلك، يجب أن نعود بالزمن لنهاية القرن الـ19، حين وضع عالم الأحياء الروسي "إيليا ميتشنيكوف" النظرية الخلوية للمناعة. وهو أول مَن اكتشف ما نسميه اليوم "المناعة الفطرية" أي المناعة التي ليس لها أية خبرة ولم تتعرض لأي ميكروبات. في الفترة نفسها، اهتم عدد من العلماء بجهاز المناعة، ومنهم الألماني "بول إرليخ" الذي كشف عن وجود نوع آخر من المناعة تتوافر فيه ذاكرة ونسميها "المناعة المكتسبة"، وهي التي تسمح بالتحصين ضد بعض الأمراض. ولذلك تم منح جائزة نوبل في الطب لهذين العالمين عام 1908. المدهش في الأمر أن كلا العالِمَين كان يعتقد أن كشفه هو ما يفسر كيفية عمل جهاز المناعة.

لكننا نعلم الآن أن المناعة الفطرية هي التي تقود المناعة المكتسبة؛ فهي المرشح الأول الذي يبلغ الجسم بوجود الميكروبات ويتعرف على الأنواع المختلفة منها.

-قالت لجنة نوبل في حيثيات منحها الجائزة أنك وزميليك أحدثتم ثورةً في فهم جهاز المناعة باكتشاف المبادئ الرئيسية لتنشيطه، وفتحتم بذلك سبلًا جديدة للوقاية والعلاج. فهل لك أن تشرح لقراء "للعلم" الكشف الذي قادك للفوز بأرفع جائزة عالمية في الطب؟

-إن عملنا على "المناعة الفطرية" قادنا إلى النجاح في تحديد المستقبلات التي تسمح بمعرفة أن هناك عدوى ما والتعرف على هيكل تلك المستقبلات، وبالتالي أصبح باستطاعتنا أن نستخدم منبهات لتنشيطها أو مضادات لتجميد نشاطها.

قمنا بالكشف عن عائلات مختلفة من المستقبلات، كوَّنت لدينا فهمًا جيدًا لمجموعة الآليات التي تسمح للجسم بالتعرُّف على نوع عدوى حدثت بالفعل أو على وشك الحدوث، وكيفية محاربة تلك العدوى. والملخص أن المناعة الفطرية تقوم بتنشيط المناعة المكتسبة، والمستقبِلات يكون لها دور فعال عند حدوث عدوى أو التهاب أو تطعيم، ويكون لها دور في حالة أمراض مثل السرطان أو مشكلات وظائف الكبد أو الجهاز العصبي المركزي. وتعطي المستقبلات إشارات في حالة حدوث العدوى أو التعرُّض لأي خطر، ويمكن أن نرى بعد عامين أو ثلاثة أن المناعة الفطرية أصبحت قادرةً على فهم المشكلات المتعلقة بالأيض –مثلًا- ثم مواجهتها. لجنة نوبل وهي تقدم لنا الجائزة قالت إننا فزنا لمساهمتنا في تفعيل المناعة الفطرية، والحقيقة أن الكشف استطاع أن يفسر كيف يتم التطعيم وكيف يستجيب الجسم.

جول هوفمان أثناء حواره مع "للعلم" بمدينة لينداو الألمانية

-من وجهة نظرك، هل تهتم المجتمعات بالعلم وتثق به بالقدر الكافي؟

-عالم اليوم يعيش فيه نوعان من البشر: نوع يهتم ويسمع ويقرأ ويستوعب، ونوع آخر صوته عالٍ دون أدنى علم أو معرفة. ومن وجهة نظري، ليس هناك ثقة كافية بالعلم من جانب البعض، مما يهدد البشرية بخطر حقيقي بدأ بالفعل يلوح في الأفق، ونرى مثالًا واضحًا أمام أعيننا يتمثل في معارضة البعض لعملية التطعيم. فرغم انتشار التطعيم بشكل واسع مع بدايات القرن العشرين، وهو ما ساعد خلال قرن واحد من الزمان على إنقاذ حياة مليار ونصف مليار شخص حول العالم أغلبهم من الأطفال، إلا أننا نجد معارضات لعمليات التطعيم من بعض الفئات والأشخاص على مستوى العالم؛ فقبل انتشار التطيعم، تفشى مرض الطاعون، خاصة "طاعون جستنيان"، الذي تسبَّب في إضعاف الإمبراطورية الرومانية في القرن السادس الميلادي. وقبل ذلك بعدة قرون، انهزمت أثينا في الحرب "البيلوبونيسية" في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد بسبب طاعون اجتاحها. كما أن اختفاء الهنود الحمر لم يكن بسبب تعرُّضهم لمذابح، وإنما لعدم قدرتهم على مقاومة سلسلة من الجراثيم تسببت في أمراض كانت قاتلةً في ذلك الوقت، مثل الحصبة والجدري، لكننا اليوم لدينا تحصينات ضد تلك الأمراض وغيرها. ولو كانت تلك التحصينات أو التطعيمات موجودةً في ذلك الزمان لما اختفى الهنود الحمر! ورغم الأهمية الكبرى للتطعيم، يؤسفني أن أذكر أن نسبةً تتراوح بين 20 و30 بالمئة من العائلات الفرنسية ترفض تحصين أبنائها، والعجيب أن بعضهم أطباء! الأمر جد خطير، وعلى العلماء أن يؤدوا دورًا رئيسيًّا في التوعية بأهمية التحصين ضد الأمراض.

-من المعروف أن العلماء الحاصلين على جائزة نوبل ينشغلون طيلة حياتهم بتحصيل العلم.. كيف أثرت دراستك للعلوم على علاقتك بالعائلة؟

انشغالي بالأبحاث لم يَثنِني مطلقًا عن الاستمتاع بالحياة والتواصل مع الأصدقاء، ولم يُنسني عشقي للموسيقى أو يمنعني من الاستمتاع بالدفء العائلي. طلب العلم لا يتعارض مع تحقيق التوازن الإنساني الضروري لوضع طالب العلم على سلم النجاح.

-كيف ترى مستقبل العلم؟ وهل ترى أن الحكومات توفر التمويل الكافي للبحث العلمي؟

-إن ممارسة البحث العلمي أصبحت مكلفةً للغاية؛ لأننا نريد أن ندخل أكثر وأكثر في التفاصيل، وهذا في حد ذاته يحتاج إلى تمويل ضخم. هناك العديد من الباحثين الشباب على درجة عالية من التعليم ولديهم الرغبة في ممارسة البحث العلمي، ومن الطبيعي أنه كلما تزايدت أعداد الباحثين ازدادت الحاجة إلى التمويل. ما نستطيع قوله هو أن فرص التمويل لم تتزايد بالقدر الكافي الذي يلبي الطموحات ويُشبع الاحتياجات، ولكنني شخصيًّا لديَّ ثقة كبيرة بالمستقبل؛ فالعلم -رغم الصعوبات- استمر يحرز تقدمًا مذهلًا على مر العصور. ولكن من الحكمة أن نعي تمامًا أننا لا نستطيع أن نفعل كل شيء في الوقت ذاته. فالعلوم الحيوية تسببت في تقدُّم الطب خلال الخمسين عامًا الماضية بشكل أكبر مما حدث خلال الفترة مما قبل التاريخ وحتى 1950. نحن نحقق اليوم أشياءً لم تكن لتخطر ببالنا نهائيًّا، ونفهم أشياءً لم تكن لدينا القدرة على فهمها منذ سبعين عامًا أو ثمانين، كل ذلك إيجابي جدًّا! كانت دومًا لدينا أسئلة، ولكن لم تكن لدينا التقنيات التي تساعدنا على التوصل للإجابات الشافية. عندما بدأتُ رسالة الدكتوراة الخاصة بي، لم تكن البيولوجيا الجزيئية معروفة، وكذلك الكيمياء الحيوية، لم تكن مطبقة. بلا أدنى شك، العلم يحرز تقدمًا كبيرًا وملحوظًا ومستمرًّا، وليس لديَّ أي قلق فيما يتعلق بمستقبل العلوم.

-برأيك، أي البلاد تحرز تقدمًا أكبر في مجالات العلوم المختلفة بشكل عام؟

-أستطيع القول إن البلاد الأوروبية، وخاصةً بلاد الشمال الأوروبي، هي البلاد النموذجية من حيث الاهتمام بالعلوم، وكذلك الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وغيرها؛ فهناك تقدم علمي ملحوظ في العديد من الدول، وما نفعله هنا في اجتماع "لينداو" هو محاولة لمساعدة وتدريب شباب الباحثين من مختلف مناطق العالم؛ فالغرب بدأ يعتقد في أهمية العلوم منذ قرن ونصف، وتحديدًا في أثناء الحقبة التنويرية.

-ولماذا برأيك نجد مناطق لم تحرز تقدمًا في العلوم؟

-من المؤسف أن الأديان أسهمت في كبح تقدم العلوم في العديد من مناطق العالم. ففي المسيحية واليهودية مثلًا كانوا يفسرون الإصابة بمرض معين على أنه عقاب إلهي. لقد كبرت في زمان ما بعد الحرب في "لوكسمبورج" حيث كنا معتادين على التوجه للسيدة العذراء بالدعاء لحمايتنا من الطاعون؛ لأننا كنا نعتقد أن الطاعون عقاب إلهي. فالأديان، في وقت ما، لم تكن تساعد العلوم على التقدم.

-متى بدأ التقدم العلمي إذًا؟

-بدأ التقدم العلمي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتحديدًا منذ عام 1850، حين ظهر "لويس باستير" وغيره. يكفي أن نعلم أن متوسط عمر الإنسان كان 25 عامًا ولم يتغير منذ حقبة ما قبل التاريخ وحتى عام 1850. صحيح أن تلك القاعدة كان لها شواذ، فبعض المصريين القدماء مثلًا ماتوا في سن الستين، ولكن كان يقابل ذلك موت أعداد كبيرة بين الأطفال.

في القرن التاسع عشر، كان نصف الأطفال في الصين يموتون عند سن الخامسة. الآن، ارتفع متوسط الأعمار بسبب تقدم الطب والتحصين والمضادات الحيوية ومراعاة قواعد النظافة. فمثلًا بعد الزلزال الذي ضرب هاييتي عام 2010، أُصيب حوالي 20 ألف شخص بالكوليرا، وهي مرض ينتشر بسبب عدم مراعاة قواعد النظافة. إن جهاز المناعة شديد القوة، وهو قادر على تعرُّف كل أنواع البكتيريا والفطريات فيما عدا "الذيفانات"، وهي سموم حية بروتينية تصنعها بعض الكائنات الحية من نباتات وحيوانات، مثل ذيفان الكوليرا وذيفان الدفتيريا، وفي تلك الحالة، إن لم يكن هناك وقاية منذ البداية فلن يكون جهاز المناعة قادرًا على التعامل معها. ولحسن الحظ أن عدد البكتيريا التي تنتج "الذيفانات" قليل، وفي تلك الحالة تظهر الفائدة الكبيرة للتطعيم.

-طريق العلم طويل وشاق، ولا بد للعلماء الكبار من تقديم النصائح لشباب الباحثين لمساعدتهم وإرشادهم؛ حتى يكون باستطاعتهم حمل لواء العلم من بعدهم، فما نصائح جول هوفمان لباحثين ما زالوا على أول الطريق؟

-على الباحثين الشباب التأكد من أنهم يتلقون تعليمًا جيدًا في جامعة لها ثقل، وأن يحرصوا على التواجد في بيئة صالحة للإبداع. ويكونون سعداء الحظ جدًّا لو كان لهم أساتذة يحفزونهم وينقلون لهم المعارف ويوضحون لهم الأمور الغامضة والمبهمة التي لا تزال بالآلاف، وقد يحتاج توضيحها إلى قرون من العمل والبحث.

لا بد للباحثين الشباب من المواظبة على العمل الجاد والتدريب بشكل يومي، مثلهم مثل الرياضيين؛ حتى يظلوا في كامل لياقتهم طول الوقت. لا بد كذلك من الحفاظ على التوازن البشري بالحرص على بناء حياة أسرية سعيدة. صحيح أن العلم ممتع، ولكن الحياة ملأى بأنواع شتى من المتع مثل الموسيقى والحب، يجب على الباحثين الالتفات إليها. وعن نفسي، سوف أنتهز وجودي في "لينداو"، تلك البقعة الساحرة؛ لأحتفل مع زوجتي ورفيقة نجاحي بعيد زواجنا الخمسين.