حذرت دراسة بريطانية من زيادة تأثير النظام الغذائي (عمليات الإنتاج والبنية التحتية المستخدمة لتغذية سكان العالم) على البيئة بصورة كبيرة عما هو عليه الآن، وذلك في الفترة بين عامي 2010 و2050.

وأكدت الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر" أن رحلة المواجهة تستوجب اتخاذ إجراءات حاسمة لمواجهة التغيرات المتوقعة في تعداد السكان ومستويات الدخل.

وصمم الباحثون نموذجًا للنظام الغذائي العالمي يتم تفصيله على البلدان لدراسة التأثيرات البيئية المرتبطة بالطعام. ومن خلال هذا النموذج، حدد الباحثون خمسة مؤشرات رئيسية تعكس تأثير النظام الغذائي على البيئة، وهي انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بالتغير المناخي، والتوسع في استخدام الأراضي الزراعية، واستخدام المياه العذبة والمياه الجوفية، واستعمال النيتروجين والفوسفور.

وأشاروا إلى أن غياب توظيف التكنولوجيا وعدم اتخاذ إجراءات للحد من تأثير تلك المؤشرات الخمسة سيؤدي إلى زيادة التأثير السلبي لكل مؤشر على البيئة بنسب تتراوح بين 50% إلى 92%.

يقول "ماركو سبرينجمان" -الباحث الأول في قسم استدامة البيئة والصحة العامة بجامعة أكسفورد- في تصريحات لـ"للعلم": "إنه من المتوقع أن يتغير إنتاج الطعام واستهلاكه بين 2010 و2050 كنتيجة للتطورات الاجتماعية الاقتصادية، التي تشمل تزايد سكان العالم من 6.9 مليارات في 2010 إلى ما بين 8.5 مليارات إلى 10 مليارات نسمة بحلول 2050، وارتفاع الدخل العالمي من 68 تريليون دولار في 2010 إلى ما بين 180-290 تريليون دولار في 2050).

ويتوقع الباحثون أن تؤدي هذه التغيرات إلى ارتفاع المؤشرات الخمسة، وفي مقدمتها انبعاثات الغازات الدفيئة بنحو 87%، وزيادة الطلب على الأراضي الزراعية بمعدل 67%، واستخدام مياه الشرب بنسبة 65%، واستعمال الفوسفور بنسبة 54% والنيتروجين بنسبة 51%.

ويوضح "سبرينجمان" أن نموذج النظام الغذائي العالمي تم تصميمه بحيث يتتبع مكان إنتاج الطعام الذي يتم استهلاكه والتأثير البيئي على الإنتاج الغذائي في كل منطقة. كما جرى رصد المراحل الأساسية في حلقة الغذاء، ومنها تجارة المحاصيل وتصنيع السلع الأولية وتحويلها مثلًا إلى زيوت نباتية أو سكر مكرر، وكذلك استخدام جزء من المحاصيل لتغذية الماشية.

وتعكس الحسابات البيئية اختلاف التأثير البيئي للإنتاج الزراعي على مستوى البلدان من حيث انبعاثات الغازات الدفيئة، واستخدام الأراضي الزراعية والمياه العذبة، واستعمال النيتروجين والفوسفور في صورة أسمدة، إذ يؤدي الإفراط فيهما إلى نتائج سلبية على البيئة البرية والبحرية.

ولتخفيض الأثر البيئي لإنتاج الغذاء، عمل الباحثون على تحليل عدة خيارات، منها تغيير العادات الغذائية إلى نظام صحي نباتي وتطوير التكنولوجيا وأساليب الإدارة لزيادة المحاصيل الزراعية وحسن إدارة المياه وتقليل الهدر في الغذاء. وتوصل الباحثون إلى أن هذه الإجراءات مجتمعةً يمكنها أن تخفف الأثر البيئي المتوقع للنظام الغذائي على البيئة عام 2050. 

وأشارت الدراسة -التي شارك فيها باحثون من عدة دول (أستراليا وألمانيا وإيطاليا ولبنان وإسبانيا والسويد وبريطانيا والولايات المتحدة)- إلى أن التوسع الدولي في الأراضي الزراعية يمثل أعباءً إضافية على الغابات، وأنه تسبب في الماضي في إزالة بعض الغابات، ما يؤثر على النظام البيئي، ويسمح بإطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ويقلص مأوى السلالات البرية، وبالتالي يهدد بشكل كبير التنوع الحيوي.

وأظهرت نتائج الدراسة أن النظام الغذائي الأكثر اعتمادًا على النبات يُعَد أفضل للصحة، كما أنه مطلوب لتجنُّب تصاعُد حدة التغيرات المناخية، والعالم يحتاج إلى تطوير التكنولوجيا وتقليل الفاقد في الطعام لتخفيف الأثر البيئي المرتبط بالتوسع الزراعي واستخراج المياه العذبة واستخدام الأسمدة.

يضيف "سبرينجمان" أن "بعض خيارات التكنولوجيا والإدارة تُستخدم حاليًّا في بعض أنحاء العالم، مثل أنظمة الري الفعالة وتتبُّع الأسمدة وتدويرها، ولكن الأهم أن تصبح هذه الخيارات في متناول المزارعين في المناطق الأكثر فقرًا في العالم. وهناك خيارات أخرى مثل الاهتمام بزراعة المحاصيل الأعلى إنتاجًا مثل الخضراوات والفاكهة والبقوليات".