لماذا لا يعمل الجهاز المناعي لدى كبار السن بالكفاءة نفسها التي يعمل بها لدى الشباب؟ ولماذا تختلف كفاءة الجهاز المناعي في الشيخوخة بين شخص وآخر؟ تلك الأسئلة المحيرة استطاعت دراسة أعدها فريق من الباحثين بكلية طب "ستانفورد" تقديم تفسير لها، مشيرة إلى أن البيئة تؤدي دورًا أقوى تأثيرًا من الوراثة في حدوث الاختلافات المرتبطة بالتقدم في السن.

تشير الدراسة إلى أن الباحثين طوروا تقنيةً لتخطيط الخلايا تُسمى "العدد الكتلي للخلايا"، تعتمد على تحليل مئات الملايين من الخلايا المناعية كل على حدة، واكتشفوا أن الخلايا المناعية لكبار السن تتلقى الأوامر بصورة أقل وضوحًا مقارنةً بالشباب.

كما ركز الباحثون في بحثهم على دراسة "الهيستونات" التي ترتبط بالحمض النووي "دي.إن.إيه" داخل نواة خلايا الكائنات الحية عدا البكتيريا وما يشبهها من الكائنات.

وأوضح "بي جي أوتز" -أستاذ المناعة والروماتيزم والمشرف على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العلامات الوراثية اللاجينية تنظم إنتاج البروتينات داخل الجينات، إذ إنها عبارة عن تعليمات تجعل أجزاء الحمض النووي والجينات الموجودة بداخله تعمل أو توقف نشاطها".

والمعروف أن البروتينات هي التي يقع على عاتقها أنشطة الخلية، وبالتالي فإن هوية الخلية وبرنامج عملها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأنواع البروتينات النشطة بداخلها وكمياتها. فبينما تحتوي كل خلية في الجسم على الحمض النووي نفسه (دي إن إيه)، إلا أن خلايا الجلد والخلايا الدهنية والخلايا العصبية تختلف فيما بينها بدرجة كبيرة من حيث محتوى البروتين، وبالتالي تختلف وظيفتها. وبتحديد الجينات النشطة والخاملة، فإن تجمُّع العلامات اللاجينية على الحمض النووي للخلية يوجه سلوك الخلية بصورة شاملة ويحدده.

يقول "أوتز": "إن هذه العلامات تتبدل، بعكس جيناتنا التي لا تتغير، فيمكنها الالتصاق بالهيستونات أو الاختفاء وفق تعرُّض الخلية لمسبِّبات الأمراض والمغذيات وعوامل النمو والهرمونات، أو وفق التغيُّرات داخل الخلية التي تحدث وقت انقسامها أو عند إصابتها بالشيخوخة. وفى هذه الحالة، فإن إنتاج الخلية من البروتين وبرنامج عملها قد يتغير".

من جهته، يقول بورفيش كاتري -أستاذ المعلوماتية الحيوية المساعد بجامعة ستانفورد، والمشارك في الدراسة- وفق بيان صحفي: "إن العديد من أنواع كرات الدم البيضاء في جهازنا المناعي توضح التغيُّرات التي حدثت على مستوى تنشيط الجينات مع تقدم العمر. لذا نجد أن الجهاز المناعي، الذى يؤدي دورًا بارزًا في جميع الأمراض، لا يعمل بالكفاءة نفسها في مرحلة الشيخوخة، ولكن التركيز بشدة على الشفرة الجينية يجعلنا نتجاهل تأثير المناعة والبيئة علينا".

ولتقييم آثار البيئة مقابل العوامل الوراثية على "الهيستونات"، حصل الباحثون على عينات دم من توائم "متطابقة" وأخرى "أخوية" (غير متطابقة)، واكتشفوا أن العوامل البيئية تؤدي دورًا بارزًا في تقارُب العلامات اللاجينية مع تقدم العمر، سواء بالنسبة للتوائم المتطابقة أو غير المتطابقة.

توصلت الدراسة إلى أن التغيُّر الملحوظ في العلامات اللاجينية بين الأكبر سنًّا يرجع إلى عوامل غير وراثية، مثل الطعام والنوم وممارسة الرياضة والإصابة بالعدوى والمهنة والمدينة التي يقيم فيها الشخص، إلى جانب مصادر الإجهاد الجسماني والنفسي والراحة التي تؤثر على الشخص خلال مراحل حياته.

وفيما يتعلق بظهور آثار أكبر للبيئة مقارنةً بالجهاز المناعي للإنسان بعد سن معينة، قال "أوتز": "إنه لم يُعرَف ذلك حتى الآن، فقد جرى اختيار مرضى أقل من 25 عامًا وأكثر من 65 عامًا، وتبيَّن أن سلوك بعض المرضى كبار السن أشبه بالشباب، في حين أن البعض الآخر مختلف عن الفئة الأصغر سنًّا. وما من وسيلة حتى الآن لمعرفة ما إذا كانت العلامات اللاجينية تبدأ في التغير مبكرًا في حياة الإنسان أم أن هناك شيئًا ما يحدث بين سن 25 و65 عامًا.