على الرغم من الدور المهم الذي تؤديه الخلايا البائية في مواجهة مسببات الأمراض، إلا أنها قد تكون (في حد ذاتها) سببًا للإصابة بأمراض عنيفة، تُسمى بأمراض المناعة الذاتية، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي؛ إذ تنتج الخلايا الليمفاوية أجسامًا مضادة تتعرف أنسجةَ الجسم على نحو خطأ، وتهاجمها كما تهاجم الأعداء من البكتيريا والفيروسات، مُسبِّبةً أعراضًا وخيمة قد تنتج عنها الوفاة في بعض الأحيان.

ويجهل العلماء السبب وراء معظم أمراض المناعة الذاتية؛ من جَرَّاء قصور الفهم حيال الطريقة التي تنقسم بها الخلايا البائية أو الآلية التي تفرز من خلالها الأجسام المضادة، وهو قصور ربما يكون في طريقه إلى الزوال، بعدما اكتشف العلماء عاملًا من عوامل النسخ البروتيني التي يُمكنها تشغيل عملية إفراز الأجسام المضادة أو إيقافها، ما يساعد على معرفة الآليات والإشارات الالتهابية التي تنظم عمل الخلايا البائية وتحفز إنتاجها للأجسام المُضادة الضرورية لمكافحة العدوى، وفق دراسة نشرتها دورية "إيمونيتي" (Immunity)، اليوم "الثلاثاء"، 7 مايو.

والخلايا البائية هي نوع من الخلايا الليمفاوية المسؤولة عن إفراز الأجسام المضادة لمحاربة مُسبِّبات الأمراض مثل الفيروسات والبكتيريا، كما أن لها القدرة على تذكُّر الأمراض التي أصيب بها الجسم عبر تاريخه، وبالتالي يُمكنها إفراز الجسم المُضاد الأفضل لمهاجمة ذلك المرض.

ويتكون الجهاز المناعي لجسم الإنسان من نخاع العظام المسؤول عن إمداد الجسم بكريات الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية والخلايا الليمفاوية، علاوة على الغدة التيموسية التي تقوم بإفراز هرمون يُساعد على اكتمال نمو الخلايا الليمفاوية ثم تضمر عند البلوغ، بالإضافة إلى الطحال وخلايا الدم.

وتنقسم خلايا الدم المناعية إلى قسمين: أولهما الخلايا التائية، التي تساعد على تدمير الأجسام الغريبة وتقديمها إلى النوع الثاني وهو الخلايا البائية، والتي تفرز في الأساس مجموعةً من المستضدات تُهاجم الأجسام الغريبة التي تغزو أجسادنا.

وتشير الدراسة إلى أن أحد عوامل النسخ –المعروف باسم T-Bet- يُساعد في تطوير عملية إفراز الأجسام المضادة عبر الخلايا البائية. إذ ينظم ذلك العامل وظيفة الخلية المناعية وطريقة تكاثرها وعمرها وفاعليتها، كما يُمكن أيضًا أن يؤثر على "ذاكرة الخلية"، وهو الأمر المفيد في تَعرُّف الأمراض التي أصيب بها الجسم سابقًا.

وحين ينشط عامل النسخ T-Bet تقوم الجينات ببث مجموعة من الإشارات الالتهابية التي تلتقطها الخلايا التائية المُساعدة، وهي نوع من الخلايا تساعد الخلايا البائية على إفراز الأجسام المضادة. وترسل الخلية التائية المساعِدة بدورها رسالةً أخرى إلى الخلايا البائية تحوي المعلومات اللازمة للخلية الالتهابية التي تهاجم الجسم.

ويستطيع عامل النسخ نفسه قمع أو إيقاف نحو 2000 جين في الخلايا البائية المنشطة من قِبَل الخلايا التائية المساعدة لكبح نشاطها، وبالتالي، يكون ذلك العامل مسؤولًا إما عن زيادة عدد الأجسام المضادة أو كبحها.