تخضع العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك لمعايير يمكن قياسها، الأمر الذي دفع فريقًا من الباحثين إلى إجراء دراسة لتقييم ما إذا كانت هذه المعايير قابلةً للتطبيق عند دراسة العلاقة بين مستويات إنتاج النباتات في منطقةٍ ما، وعدد الحيوانات آكلات العشب كبيرة الحجم، التي تعتمد في حياتها على استهلاك الغطاء النباتي.

وكشفت الدراسة، التي أعدها فريقٌ من الباحثين من جامعتي "آرهوس" الدنماركية، و"ساسكس" البريطانية، عن مفاجأة تتمثل في أن أفريقيا هي القارة الوحيدة التي تنطبق عليها تلك المعايير، عند تقييم العلاقة بين قدرة الأرض على إنتاج النباتات، واستهلاك الحيوانات آكلات العشب كبيرة الحجم لما تنتجه الأرض.

ومثَّل شهر يونيو من عام 2021 بداية عقد استعادة النظام الإيكولوجي، الذي أعلنت عنه الأمم المتحدة، في ضوء إعلان ما مجموعه 115 دولة التزامها بالعمل على استعادة ما يصل إلى مليار هكتار من النظم البيئية في مختلِف أنحاء العالم.

ووفق فريق الدراسة، فإن أحد أكبر التحديات هو استعادة المراعي التاريخية وعصر ما قبل التاريخ، التي كانت تعيش عليها الثدييات الكبيرة؛ إذ وضع الباحثون مجموعةً من التساؤلات، منها: ما هو مستوى استعادة النظم الطبيعية الذي يجب أن نتطلع إليه؟ وما عدد الحيوانات آكلات العشب التي نحتاج إليها؟ وكيف يمكننا أن نتعايش مع هذه الحيوانات الكبيرة؟

وأوضح الباحثون في مقال علمي نشرته دورية "جورنال أوف أبلايد إيكولوجي" (Journal of Applied Ecology) أنهم فحصوا الكثافة المنخفضة الحالية للحيوانات آكلات العشب كبيرة الحجم، وعملوا على حساب خط الأساس لهذه الحيوانات بناءً على النسبة بين الإنتاج والاستهلاك، أي النباتات والحيوانات آكلة العشب، في عدد من المحميات الطبيعية بالقارة الأفريقية.

وخلص الباحثون إلى أن العلاقة بين مستويات الإنتاج والاستهلاك تنطبق على النظم البيئية والمناطق الأحيائية، وهو ما يعني وجود علاقة وثيقة بين الكتلة الحيوية لمناطق الغطاء النباتي، والكتلة الحيوية للكائنات آكلة العشب التي تعتمد على تناوُل هذه النباتات.

وتختلف المناطق الأحيائية عن النظام البيئي، من حيث إنها مناطق جغرافية عادةً ما تكون كبيرة المساحة، وتضم أكثر من نظام بيئي، بما يتيح لأنواع الكائنات التي تعيش فيها القدرة على التكيف مع المتغيرات في الظروف البيئية، وبالتالي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تطور أنواع مختلفة من الحيوانات، ولذلك يُعد المناخ هو العامل الذي يحدد مناطق توزيع الأنواع الحيوانية والنباتية.

ومع ذلك، بعد التحقق من كثافة الحيوانات العاشبة الكبيرة في المحميات الطبيعية في أنحاء العالم، تمكن الباحثون من العثور على مثل هذا الارتباط الوثيق في قارة واحدة فقط، هي القارة الأفريقية، أما في القارات الأخرى، فقد وجد الباحثون مؤشرات قوية على نقص أعداد الحيوانات آكلات العشب، حتى في المناطق الطبيعية الخاضعة للحماية.

تشير كاميلا فلوجارد –الباحثة بقسم العلوم البيئية في جامعة "آرهوس"، وقائدة فريق البحث- إلى أن "النظم البيئية في أفريقيا تحتوي على مجموعات غنية ومتنوعة من الثدييات، من ضمنها آكلات العشب كبيرة الحجم، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يوفره الغطاء النباتي من غذاء".

تقول "فلوجارد" في تصريحات لـ"للعلم": لم يمكن لفريق البحث العثور على هذا النمط من العلاقة في القارات الأخرى، وبشكل عام، فقد تبين أن الكتلة الحيوية للحيوانات آكلات العشب الكبيرة أقل بكثير مما كنا نتوقعه، وذلك بالنظر إلى مستوى إنتاجية الغطاء النباتي في تلك القارات.

عمل الباحثون على مسح بيانات العديد من مناطق المحميات الطبيعية ومشروعات استعادة الغطاء النباتي في أوروبا، وتبين أن هناك اختلافًا كبيرًا بالمقارنة مع القارة الأفريقية، حيث وجد الباحثون أن الكتلة الحيوية للحيوانات آكلات العشب كبيرة الحجم في المناطق الطبيعية كانت أقل من نسبة العُشر من الكتلة الحيوية في مناطق استعادة الغطاء الأخضر بما تحويه من حيوانات عشبية أُعيد توطينها.

وعن ذلك تقول "فلوجارد": إنه أمرٌ مثيرٌ للتفكير، حتى في العديد من مناطق المحميات الطبيعية، لم يكن عدد الحيوانات آكلات العشب كبيرة الحجم سوى جزءٍ ضئيلٍ مما يمكن أن توفره تلك المناطق للأنواع تحت الحماية.

ويرى فريق الدراسة أن الحيوانات آكلات العشب كبيرة الحجم لا تزال تتعرض لممارسات خطيرة مثل الصيد الجائر، مما يضطرها إلى النزوح من موائلها الطبيعية.

وبينما يسود اعتقادٌ بين المختصين، على نطاق واسع، بأن هناك الكثير من هذه الحيوانات تعيش في البرية، وربما تكون كثيرةً جدًّا، إلا أن الدراسة الجديدة لا تدعم هذا التصور.

تضيف "فلوجارد": على الرغم من أن الحيوانات آكلات العشب كبيرة الحجم كانت تتجول في المراعي الطبيعية لملايين السنين، يبدو أننا اعتدنا على رؤية المساحات الطبيعية خاليةً تمامًا من هذه الحيوانات، بل أصبح لدينا قبولٌ بأن هذه هي الحالة الطبيعية للأمور.

وبينما جرى الإعلان عن خطة لدول الاتحاد الأوروبي من أجل تخصيص 30% من المناطق البحرية والبرية لاستعادة المناطق الطبيعية والنظم البيئية، يقول راسموس إجرنيس، الباحث بمعهد العلوم البيئية في جامعة "آرهوس"، وفق البيان الصحفي المرافق للدراسة: "إن استعادة الحيوانات الكبيرة أمرٌ بالغ الأهمية نحو استعادة النظم البيئية القادرة على الاستدامة والحماية، إلا أن ذلك لن يكون سهلًا، خاصةً أن الحيوانات الكبيرة مزعجة؛ لأنها قد تُلحق الضرر بالمحاصيل، وتتسبب في تعطيل حركة المرور، بل تعوق الحركة على الطرق بشكل عام، الأمر الذي يؤكد ضرورة وضع التزامات سياسية واضحة، وخطط محددة، تشمل مناطق المحميات داخل الأسوار".