يسعى العلماء والجهات المعنية بحماية البيئة إلى تحويل كوكبنا المهدد بفعل تغيُّر المناخ إلى كوكب يسوده اللون الأخضر، وذلك من خلال الحفاظ على الغابات والموائل الطبيعية وزيادة التشجير، لكن قد لا يكون اللون الأخضر مؤشرًا جيدًا على الدوام، هذا ما تريد أن توضحه دراسة حديثة أعدها باحثون من وكالة حماية البيئة بالولايات المتحدة الأمريكية.

تقول الدراسة التي نُشرت مؤخرًا في مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز" إن عملية اخضرار البحيرات المعروفة بـ"إغناء الماء" ستتسبب في زيادة انبعاثات غاز الميثان في الغلاف الجوي بنسبة تتراوح بين 30٪ و90٪ خلال المئة عام المقبلة. وتكشف نتائج الدراسة عن أن الحفاظ على البحيرات الداخلية من التحول إلى اللون الأخضر يعني الحد من صعود غازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي والمساهمة في حدوث التغيرات المناخية، كما تزداد فرص توفير مياه شرب صحية ونمو في معدلات صيد الأسماك، وكذلك إفساح المجال أمام الاستفادة من البحيرات والأنهار كوسائل للترفيه والاستجمام.

وتشمل "الغازات الدفيئة" -أو كما يُطلق عليها "غازات الصوبة الخضراء"- عددًا من المركبات الكيميائية، أهمها غازات ثاني أكسيد الكربون والميثان والأوزون، وتؤدي زيادة تركيزاتها في الغلاف الجوي إلى مخاطر جسيمة، أهمها التغيرات المناخية وارتفاع درجة حرارة الأرض. وينتج الميثان، وهو أحد الغازات المسببة للدفيئة، وتزيد قدرته في ذلك على ثاني أكسيد الكربون بـ34 مرة، بعد موت الطحالب واكتساء البحيرات بالبقع الخضراء اللون الغنية بالسموم التي تتحلل في مياه الشرب وتلوِّثها. ويقدر الباحثون أن ثلثي كمية انبعاثات غاز الميثان التي تصدر يوميًّا من بحيرة "إري" في أشهر الصيف-إحدى البحيرات العظمى في أمريكا الشمالية- هي نتيجة لتكاثر الطحالب.

إغناء الماء

يعني مصطلح "إغناء الماء" -أو التتريف، أو التأجين- زيادة كمية العناصر الغذائية مثل الفوسفور والنيتروجين في البحيرات، مما يؤدي عادةً إلى ارتفاع الكتلة الحيوية فيها، ويمكن أن يؤدي إلى ازدهار الطحالب السامة. وتتصف البحيرات الغنية بالمغذيات باللون الأخضر الداكن.

تقول "تونيا دل سونترو" -أستاذ علوم البيئة والمياه في جامعة جنيف السويسرية، والباحث المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "الاختلافات في اللون لها تأثير على تغلغل الضوء إلى قيعان البحيرات وعلى عمل النظام البيئي في البحيرة، من حيث الأنواع التي تسودها والأماكن التي تتحرك فيها في عمود الماء". ويُقصد بعمود الماء ذلك العمود الافتراضي الذي يمتد من سطح المسطح المائي حتى رواسب القاع.

وتوضح "دل سونترو" أنه عندما تموت الطحالب الكبيرة عادةً فإنها تتراكم في رواسب قاع البحيرة، حيث تتحلل بفعل الميكروبات، ما يستهلك الأكسجين ويؤدي إلى خلو مياه القاع منه، وهي ظاهرة شديدة الخطورة؛ إذ تتسبب في خنق وموت الكائنات الموجودة في الماء مثل الأسماك والمحار، التي يفر الأكبر حجمًا منها إلى مسطحات مائية أخرى، إذا وجد إلى ذلك سبيلًا. وتُعَد هذه البيئة الخالية من الأكسجين في الرواسب وعمود الماء من المواقع المثالية لإنتاج الميثان.

سبب إضافي آخر أيضًا يدعو العلماء للقلق من ظاهرة "إغناء الماء"، كما توضح "دل سونترو"، التي تصف الأمر بـ "القلق الأكبر" هو "احتمال ازدهار معدلات نمو البكتيريا الزرقاء السامة بالنسبة للحيوانات والبشر، مما يفسد جودة مياه الشرب العذبة". كما تشدد على أن اللون الأخضر يتسبب في إحداث تغييرات على مستوى البحيرة من حيث الأنواع التي تعيش فيها، وأداؤها ضمن النظام البيئي.

مصدر المغذيات

وتُرجع الدراسة زيادة اخضرار البحيرات "الإغناء" خلال المئة عام المقبلة إلى ثلاثة عوامل، أولها أنه من المتوقع أن يزداد عدد السكان بنسبة تصل إلى 50٪ بحلول عام 2100، ما سيؤدي بالتالي إلى زيادة مخلفات الصرف الصحي والأسمدة المستخدمة في الزراعة.

أما العامل الثاني فهو زيادة حدوث العواصف والأمطار، وما ينتج عنها من جريان مائي ينقل النيتروجين من التربة إلى البحيرات الداخلية، وثالثًا وأخيرًا هو أنه مع الارتفاع المطَّرد في درجات الحرارة، سترتفع درجة حرارة البحيرات، والمياه الدافئة بيئة مناسبة لنمو الطحالب. ويتوقع الباحثون أن ترتفع درجة إغناء البحيرات بنسبة تتراوح من 25٪ إلى 200٪ بحلول عام 2050، وفقًا للمعدلات الحالية للنمو السكاني وتغيُّر المناخ.

في مارس من عام 2018، نشر الفريق البحثي -مُعِد الدراسة الحالية- دراسة أخرى ناقش خلالها انبعاثات غازات الدفيئة من البحيرات. في الدراسة التي نُشرت في مجلة "جمعية دراسات المياه العذبة والأوقيانوجرافيا- ألسو" جمع الباحثون نتائج عدة دراسات متعلقة بانبعاثات جميع غازات الدفيئة من البحيرات، إضافةً إلى دراسة المتغيرات البيئية التي يمكن أن تكون ذات صلة بانبعاثات هذه الغازات. وجد الباحثون أن الكلوروفيل الموجود في الطحالب، يرتبط بقوة بانبعاثات الميثان، ما دفع الفريق البحثي إلى الاعتقاد بوجود صلة بين كمية الطحالب (وبالتالي صحة البحيرة) وانبعاثات الميثان، إضافةً إلى الربط بين كمية المواد الغذائية في البحيرة وكمية الطحالب.

أما في الدراسة الحالية فتقول "دل سونترو" لـ"للعلم": "كان الهدف وضع بعض التوقعات فيما يتعلق بالإغناء المستقبلي للمياه العذبة في جميع أنحاء العالم، والزيادة المحتملة في انبعاثات الميثان بسبب ذلك. وتضيف: "رجعنا إلى العديد من الدراسات المتعلقة بالزيادات المحتملة في المستقبل في إنتاج الأسمدة والجريان السطحي للمغذيات، وكذلك الزيادات في درجة حرارة المياه بسبب تغيُّر المناخ، ووجدنا أن الإغناء يمكن أن يزيد بمقدار خمسة أضعاف تقريبًا في المستقبل".

وتتفق دراسة سابقة نُشرت في يناير 2018 في مجلة "نيتشر كلايمت تشينج" مع نتائج الدراسة الحالية. إذ تشير الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة "أرهوس" الدنماركية إلى أن زيادة إغناء البحيرات بالمغذيات الطبيعية لها تأثير تآزري مع ارتفاع درجات الحرارة، يتجلى هذا التأثير في زيادة انبعاثات غاز الميثان. وتقول الدراسة إن إثراء المياه العذبة بالمغذيات هو التأثير البشري الأكثر شيوعًا على المياه العذبة.

مقترحات لتخفيف الآثار 

تكتسب الدراسة الحالية أهميتها من كونها توفر -للمرة الأولى- تنبؤًا بردود فعل المياه العذبة بسبب التغير البيئي العالمي الذي يؤثر على 80,000 بحيرة حول العالم، وفق "دل سونترو".

ويرى "مارك لي" الباحث بمركز "رويال بوتانك جاردنز" في المملكة المتحدة، أن النهج الذي اتبعه الباحثون في الدراسة لتقدير انبعاثات الميثان أكثر دقةً من الأساليب السابقة. اعتمدت الدراسة على البيانات المستقاة من الاستشعار عن بُعد (الأقمار الصناعية أو الطائرات). "هذه الدراسة مثيرة للاهتمام للغاية؛ لأنها تُظهر وجود صلة بين ارتفاع عدد السكان، وزيادة استخدام الأسمدة في المزارع، وزيادة نمو الكائنات الحية في البحيرات، ثم زيادة انبعاثات الميثان"، يضيف "لي" في تصريح لـ"للعلم".

ويتفق "سورين برازرز" -الأستاذ المساعد بمركز دراسات مستجمعات المياه والبيئة في جامعة "يوتا" الأمريكية- مع ما ذهب إليه "لي" من تأكيد أهمية نتائج الدراسة. ويوضح في تصريح لـ"للعلم" أن الاستنتاجات التي توصلت إليها الدراسة تضيف إلى معرفتنا الكيفية التي يؤثر بها الإنسان في تغير المناخ بشكل مباشر، ما يجعل محاولتنا تقليل آثار تغير المناخ أمرًا أكثرَ صعوبةً، إن لم يكن مستحيلًا.

ويتفق كل من "لي" و"برازرز" على أن الحل يكمن في تقليل الزيادة السريعة في عدد السكان، وكذلك تصميم نظم زراعية أكثر استدامةً وتستخدم كمية أسمدة أقل، كما يمكننا أيضًا تقليل كمية المياه التي نستخدمها، مما يقلل من المياه المهدرة في الصرف الصحي.