قد تكشف تفاصيلُ دقيقةٌ في لغة الأشخاص عن معاناتهم من إجهاد فيسيولوجي.

فقد وجد علماء النفس أن من شأن رصد كلمات معينة تلفَّظ بها متطوعون في مقاطع صوتية اختيرت عشوائيًّا أن يُنبئ بحدوث تغيُّرات في التعبير الجيني لديهم مرتبطة بالتعرض للإجهاد. كما أنبأت أنماط الكلام بحدوث هذه التغيرات الفسيولوجية على نحوٍ أدق من تقييم المتحدث نفسه لمقدار الإجهاد الذي يشعر به.

يرجح البحث -الذي نُشر في السادس من نوفمبر في دورية "بروسيدينجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس"- أن التغيُّرات التي تطرأ على اللغة قد ترصد الآثار البيولوجية للإجهاد بصورة أفضل من شعورنا الواعي به. يشير ديفيد كريسويل -عالِم النفس بجامعة كارنيجي ميلون في بيتسبرج بولاية بنسلفانيا- إلى حداثة هذا النهج في دراسة الإجهاد، وأنه "يحمل آمالًا واعدة" لفهم كيفية تأثير المِحَن النفسية على الصحة البدنية.

يمكن للظروف العصيبة -كالفقر أو الصدمات النفسية أو العزلة الاجتماعية- أن تُخَلِّف آثارًا مدمرة على الصحة، وأن تزيد من خطورة الإصابة بمجموعة مختلفة من الأمراض المزمنة، بدءًا من أمراض القلب وانتهاءً بالخَرَف. وقد توصل الباحثون الساعون إلى تعرُّف الآليات البيولوجية المرتبطة بذلك إلى أن الأشخاص الذين يمرون بهذه الظروف يتعرضون أيضًا لتغيُّرات واسعة النطاق في التعبير الجيني داخل خلايا جهازهم المناعي. فعلى سبيل المثال، يزداد نشاط الجينات المرتبطة بالالتهاب، وينخفض نشاط الجينات المقاوِمة للفيروسات.

يرى ستيف كول -المتخصص في علم الجينوم بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، والباحث المشارك في إعداد الورقة البحثية- أن هذه التغيرات البيولوجية ربما تمثل استجابة الجسم التطورية للتهديد. إلا أن ثمة "ملحوظة مزعجة" كانت دائمًا ما تؤرقه، وهي أن هذه التغيرات لا تتفق جيدًا مع وصف الأشخاص المجهَدين لمقدار ما يشعرون به من إجهاد.

تساءل كول عما إذا كان الشق البيولوجي للإجهاد يجري تحفيزه عن طريق آلية تقييم تلقائية للتهديدات بالدماغ، وأن هذه الآلية لا تصل بالضرورة إلى مستوى الإدراك الواعي. ولمعرفة ذلك، تعاون هو وزملاؤه مع ماتياس ميهل، عالِم النفس بجامعة أريزونا في توسان، الذي يدرس كيفية تأثير الإجهاد على اللغة.

تأثير الإجهاد على الكلام

طلب الباحثون من 143 متطوعًا بالغًا بالولايات المتحدة ارتداء مسجلات صوتية تعمل كل بضع دقائق مدةَ يومين، وسجلوا بذلك مقاطع صوتية يصل إجمالي عددها إلى 22627 مقطعًا. وثَّق ميهل جميع الكلمات التي تحدث بها المتطوعون، وحلل اللغة التي استخدموها.

اهتم ميهل تحديدًا بما يسميه علماء النفس الكلمات "الوظيفية"، مثل الضمائر والصفات. يقول ميهل: "إن هذه الكلمات في حد ذاتها لا تحمل أي معنى، إلا أنها توضح ما يجري"؛ فرغم أننا نختار بوعي الكلمات ذات "المعنى"، مثل الأسماء والأفعال، يعتقد الباحثون أن الكلمات الوظيفية "يجري التفوُّه بها على نحو أكثر تلقائية، وأنها تفصح بدرجة أوضح عما يمر به المتكلم". وقد اكتشف ميهل وآخرون، على سبيل المثال، أن استخدام الناس للكلمات الوظيفية يتغير عندما يواجهون أزمات شخصية، أو في أعقاب التعرض لهجمات إرهابية.

قارن الباحثون بين اللغة التي استخدمها كل متطوع من المتطوعين والتعبير الجيني لخمسين جينًا، معروف عنها التأثر عند التعرُّض للمِحَن، داخل كريات الدم البيضاء لديهم. ووجدوا أن استخدام المتطوعين للكلمات الوظيفية أنبأ بحالة التعبير الجيني أفضل من الإبلاغ الذاتي الذي قدمه المتطوعون عن شعورهم بالإجهاد، أو الاكتئاب أو القلق.

الأشخاص الذين يزيد لديهم التعبير الجيني المرتبط بتعرضهم للإجهاد نزعوا إلى الإقلال من الكلام بشكل عام، غير أنهم أكثروا من استخدام الأحوال مثل "حقًّا" أو "على نحو مذهل". يقول ميهل إن هذه الكلمات تعمل بمنزلة "مكثِّفات عاطفية"، مما يدل على وجود حالة أكبر من الاستثارة. كما أنهم لم يستخدموا كثيرًا ضمائر الجمع مثل "هم" أو "لهم". يرى ميهل هذا الأمر منطقيًّا أيضًا؛ لأن الناس عندما يشعرون بالتهديد يقل اهتمامهم بالآخرين وبالعالم الخارجي.

ينوه ميهل إلى أنه من الضروري إجراء المزيد من الأبحاث لاختبار هذه الآثار المحددة، وكذلك لتقييم تأثير التعرض للإجهاد على اللغة أو عدمه. بيد أنه يشير إلى أن هذا النهج يمكن أن يساعد في النهاية على تحديد الأشخاص الأكثر عرضةً للإصابة بالأمراض المرتبطة بالتعرُّض للإجهاد. ويقول إن الأطباء ربما احتاجوا إلى "قراءة ما بين السطور" فيما يتفوه به المرضى، والاهتمام "بالأسلوب الذي يعبرون به عما يقولون".

يشير كول إلى أن التقييم اللغوي يمكن الاستعانة به لاختبار فاعليَّة التدخلات الهادفة إلى تخفيف الإجهاد، ويقول: "ربما يصل الأمر إلى الاستغناء عن الإبلاغ الذاتي عن الشعور بالإجهاد"، والتحول إلى الاستماع على نحو غير نشط لأسلوب حديث المشاركين بالتجربة.

يقول جيمس بينيباكر -عالِم النفس بجامعة تكساس في أوستن، الذي أجرى أبحاثًا رائدة حول اللغة والعمليات الاجتماعية (والذي عمل سابقًا مع ميهل)-: "إن اللغة تعكس كيفية تواصل الناس مع عالمهم الخارجي، ولكن مَن كان يتصور وجود ارتباط بين التعبير الجيني واللغة؟ هذا النهج الجديد من التفكير مثير، وأبهرني كثيرًا".

 

أُعيدَ نشر هذه المقالة بعد الحصول على إذن بذلك، وقد نُشرت للمرة الأولى في السادس من نوفمبر عام 2017.