تأتي معظم المياه التي يستخدمها المصريون من نهر النيل الذي تغذيه الأمطار الغزيرة التي تهطل على المرتفعات الإثيوبية. إلا أن الوضع يختلف في المناطق البعيدة عن النهر، حيث تشح المياه مع وجود زيادة مطردة في الطلب عليها بسبب ارتفاع معدلات النمو السكاني والأنشطة البشرية. ووفقًا لدراسة أجرتها الجمعية الجيولوجية الأمريكية، فإن هذه العوامل، بالإضافة إلى قرب الانتهاء من عمليات بناء سد النهضة الإثيوبي وتشييده، من شأنها أن تُحدث أزمة في الموارد المائية في مصر بحلول عام 2025.

وعليه، من المتوقع أن تؤدي المياه الجوفية دورًا مهمًّا في تزويد مصر بجزء من احتياجاتها المائية، جنبًا إلى جنب مع عمليات تحلية مياه البحار. لذا فإن معرفة كمية المياه المتوافرة في طبقات المياه الجوفية ومدى سرعة تجدُّدها يُعَدان من الأمور الحيوية لتزويد السكان بالمياه للأغراض المختلفة وبخاصة للشرب والري. ويساعد تحديد عمر مصادر المياه كثيرًا في تلك الحسابات. ووفق دراسة حديثة أعدها باحثون في جامعتي "ديلاوير" و"غرب ميتشجن" الأمريكيتين، فإن تقدير عمر المياه الجوفية وكميتها وسرعة تجدُّدها في الطبقات الصخرية بالصحراء الشرقية في مصر بات ممكنًا باستخدام تقنية جديدة.

نظائر الكلور

استخدم الباحثون في الدراسة التي نُشرت مؤخرًا في مجلة "إيرث أند بلانيتري ساينس ليترز Earth and Planetary Science Letters" نظائر الكلور باعتبارها كواشف كيميائية لعمر المياه الجوفية وأصلها في 29 موقعًا في الصحراء الشرقية في مصر. وتمكَّن الباحثون من معرفة نسب الخلط بين المياه الجوفية المتسربة حديثًا وتلك الموجودة في الخزان الجوفي منذ سنوات طويلة.

ركزت الدراسة على استخدام نظائر الكلور لتقدير العمر النسبي للمياه الجوفية في طبقة الخزان الجوفي النوبي، وطبقات المياه الجوفية الضحلة، بالإضافة إلى طبقات المياه الجوفية في صخور الأساس (التي ترتكز عليها التربة والرواسب وصخور أخرى أقل صلابة)، والتي تتسم بوجود عدد من الشقوق والفوالق الناجمة عن النشاط التكتوني في الصحراء الشرقية.

"قمنا بتحليل نظير الكلور 36 في المياه الجوفية باعتباره أداةً جيدةً لتأريخ المياه الجوفية؛ إذ يتمتع هذا النظير بما يُعرف بفترة "عمر نصف" -أي الفترة التي يحتاجها العنصر حتى تتحلل نصف كميته- طويلة نسبيًّا (حوالي 300000 عام)، بالإضافة إلى خواصه الكيميائية التي تجعله ملائمًا جدًّا لقياس أعمار المياه الجوفية في الطبقات القديمة جدًّا".. يقول محمود شريف- الباحث في جيوكيمياء النظائر في جامعة "ديلاوير" الأمريكية وجامعة طنطا المصرية، والباحث الرئيسي في الدراسة. ويمكن للعلماء تقدير عمر المياه الجوفية من خلال معرفة معدلات تحلل الكلور 36 ومن ثم عمر المياه في الطبقة الجوفية التي يوجد فيها. والكلور 36 هو نظير كوني ينتج في الغلاف الجوي ويدخل أنظمة المياه الجوفية مع هطول الأمطار، حيث يخضع للتحلل الإشعاعي مع مرور الوقت.

نتائج غير متوقعة

وتُعَد الدراسة من أوائل الدراسات المنشورة عن استخدام النظائر في تقدير عمر المياه الجوفية في الخزان النوبي والخزانات الجيرية المتكسرة والخزان السطحي، حيث تم جمع عينات من أربع آبار عميقة في وادي اللقيطة، ووادي قنا، ووادي دارة، بالإضافة الى جمع 19 عينة من الآبار الضحلة التي تخترق طبقات المياه الجوفية الطينية على عمق 8 أمتار إلى 65 مترًا، كما جمع الباحثون 5 عينات من طبقات الخزانات الجيرية المتكسرة على عمق 7 أمتار إلى 30 مترًا، وعينتين من حفرة ضحلة مفتوحة وآبار لإنتاج المياه في الحجر الجيري على عمق 8 أمتار و94 مترًا على التوالي.

لم يكن الباحثون في الدراسة يتوقعون أن يصلوا إلى ما توصلوا إليه من حيث عمر المياه الجوفية، إذ تبين من خلال الدراسات الميدانية والقياسات المعملية أن عمر المياه الجوفية في الآبار العميقة في الخزان النوبي يعود إلى أكثر من 600000 عام، وهو ما كان معلومًا من قبل. لكن، كان العلماء يتوقعون أن يكون عمر المياه الجوفية في الطبقات الضحلة حديثًا نسبيًّا؛ إذ كان الاعتقاد السائد أن مصدرها هو المياه المتسربة في فترات الفيضان والأمطار الغزيرة، لكن كانت المفاجأة أن قُدِّر العمر النسبي للمياه الجوفية في الخزان الرسوبي الضحل بحوالي 200000 عام. وتشير النتائج إلى حدوث امتزاج بين المياه القديمة المختزنة في الطبقات العميقة وتلك الأحدث نسبيًّا التي يعود مصدرها إلى المياه المتسربة في فترات فيضانات نهر النيل.

"تُعَد صحراء مصر الشرقية منطقةً شديدة الجفاف، وبالتالي فإن وجود هذا المورد المائي الواعد يُعَد أمرًا بالغ الأهمية لمواجهة الطلب المتزايد على المياه واستيعاب الخطط التنموية في تلك المنطقة"، يقول "شريف" في تصريح لـ"للعلم".

ويضيف الباحث الرئيسي في الدراسة أن النشاط التكتوني للصحراء الشرقية وما نجم عنه من فوالق عميقة أتاح اتصال المياه الجوفية العميقة في طبقة الخزان النوبي بالأخرى الأحدث نسبيًّا في الطبقات الرسوبية الضحلة.

مورد مائي ثمين

يقول أسامة سلام، الأستاذ المساعد بالمركز القومي للبحوث بمصر، ومدير مشروعات المياه بهيئة البيئة في أبو ظبي، والذي لم يشارك في الدراسة: إن مثل هذه الدراسات التي تتناول النظائر كأدوات لدراسات التقييم الكمي وتحليل المياه الجوفية وإدارتها "مهمة جدًّا". ويرى أنه يمكن تطبيق هذه النوعية من الدراسات والاستفادة من النظائر المشعة في مناطق أخرى، وبخاصة في حواف وادي النيل.

ويضيف "سلام" في تصريح لـ"للعلم": إن الخزان النوبي الممتد من سلسلة جبال البحر الأحمر شرقًا حتى وادي النيل غربًا، يُعَد من أهم المكونات الجيولوجية الحاملة للمياه الجوفية في مصر. ويوضح أنه يتكون من الحجر الرملي الحديدي، ويتراوح السُمك المسجل له في وادي اللقيطة ووادي قنا من 300 إلى 500 متر، ومن 300 إلى 800 متر على التوالي، ويتميز بتدفق المياه من الآبار ذاتيًّا في المناطق ذات المنسوبات المنخفضة بالقرب من وادي النيل.

ووفق الدراسة، يُعَد الخزان الجوفي النوبي أكبر خزان جوفي في العالم؛ إذ يمتد أسفل أربعة بلدان في شمال شرق أفريقيا، هي مصر، وليبيا، وتشاد، والسودان، ويغطي حوالي مليوني كيلومتر مربع. ويمتد أسفل حوالي 80٪ من إجمالي مساحة مصر، بما في ذلك منطقة الصحراء الشرقية.

وفي هذا الصدد، يوضح "شريف" لـ"للعلم" أن نتائج الدراسة تتوقع أن كمية المياه الموجودة في طبقة الخزان الجوفي النوبي في مصر وحدها تكفي لإمدادنا بالمياه لمدة 500 عام. لكن الباحث يشير إلى أن الخزان النوبي عميق جدًّا في الصحراء الغربية، ويتراوح عمقه بين 1000 و1500 متر، ما يجعل الأمر مكلفًا جدًّا لحفر الآبار.

وتؤكد دراسة أعدها الباحث أسامة سلام، ونُشرت في دورية "أمريكان جورنال أوف إنجنيرينج ريسرش" في أغسطس 2018، ما ذهبت إليه الدراسة الجديدة من حيث كون حوض الحجر الرملي النوبي العميق، أكبر حوض مياه جوفية على مستوى العالم، بكمية مخزون مياه في طبقاته في مصر تقدر بحوالي 500 مليار متر مكعب من المياه القديمة غير المتجددة، ذات الجودة العالية والخالية من الملوثات.

ووفق هذه الدراسة فإن الحوض النوبي هو أحد خمسة أحواض رئيسية للمياه الجوفية في مصر، وتشمل حوض نهر النيل الذي يقع تحت وادي النيل والدلتا، وهو خزان جوفي متجدد تجري تغذيته أساسًا من مياه النيل عن طريق الترع والقنوات المائية، وحوض الحجر الجيري الذي يظهر في حوالي 50% من مساحة مصر، ولا يمكن تقدير الكميات المخزنة فيه بصورة دقيقة؛ نظرًا لوجودها في التشققات التي يصعب علميًّا تقديرها بصورة دقيقة. إضافة إلى ذلك، هناك حوض المغرا وحوض الأحجار المتشققة، علاوة على الأحواض الساحلية على ساحلي البحرين الأحمر والمتوسط.

يلفت "سلام" إلى أن مصدر التغذية الرئيسي للخزان النوبي هو مياه الأمطار التي تسقط على سلسلة مرتفعات البحر الأحمر التي تحيط بروافد الواديين (وادي اللقيطة ووادي قنا)، والتي تتجمع فيهما لتأخذ مسارها وتتسرب إلى الخزان الجوفي.

وتوضح التقديرات المبدئية لمعدلات التغذية السنوية للخزان الجوفي النوبي من مياه السيول التي تنتشر في وديان الصحراء الشرقية أنها تبلغ حوالي 300 مليون متر مكعب، وتتراوح درجة ملوحة المياه الجوفية بين 1800 جزء في المليون بالمجرى العلوي للواديين و2500 جزء في المليون في دلتيهما، مع احتواء المياه على نسبة مرتفعة نوعًا ما من الحديد وغاز كبريتيد الهيدروجين.

يقول علي أكاندا، الأستاذ المساعد في الهندسة المدنية والبيئية في جامعة "رود آيلاند" الأمريكية: إن على مصر الاعتماد بشكل أكبر على مواردها من المياه الجوفية لمواجهة تناقص إمدادات المياه من نهر النيل، إضافة إلى آثار تغير المناخ مثل تغيُّر معدلات هطول الأمطار، والتبخر المتزايد من بحيرة ناصر، هذا إلى جانب الخلاف القائم مع إثيوبيا ودول المنبع الأخرى حول حصة مصر من تدفقات نهر النيل.

ومن جانبه، يؤكد "أكاندا" -الذي أجرى عدة دراسات على المياه الجوفية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- في تصريح لـ"للعلم" أنه على مصر الاستفادة من تجارب جيرانها مثل المملكة العربية السعودية وليبيا واليمن في الاستفادة من المياه الجوفية. ويوضح أنه ينبغي على مصر اعتبار مصادر المياه الجوفية لديها بمنزلة محمية إستراتيجية، وتطوير خطة للاستفادة من هذا المورد.

"يجب أن يشمل ذلك تحديد مناطق إعادة التغذية المائية- ومعدلاتها بدقة، وتقييد الاستغلال في المناطق التي تسمح بإدارة مستدامة لهذه الموارد الثمينة. وهذا يتطلب إجراء أبحاث أكاديمية، وكذلك تدخل الحكومة لتحديد مجالات جديدة لتطويرها للتوسع الزراعي، والتنمية الحضرية، والسياحة، وغيرها، إضافةً إلى حماية مناطق التغذية الطبيعية مثل الأراضي الرطبة والنباتات"، يوضح "أكاندا" لـ"للعلم".

وفي حين أن المياه الجوفية لا توفر حاليًّا سوى 7 في المئة من الطلب على المياه في مصر، فقد أولت الحكومة المصرية في الآونة الأخيرة، اهتمامًا كبيرًا لزيادة استغلالها والاستفادة من مواردها، خاصةً في الصحراء الشرقية؛ لتخفيف وطأة الإجهاد المائي المتزايد واستيعاب المشروعات الزراعية الجديدة. ووفق القائمين على الدراسة الأخيرة فإن الصحراء الشرقية مثيرة للاهتمام، فعلى الرغم من أنها صحراء جافة وقاحلة، تَبَيَّن أن معدلات ما يسقط عليها من أمطار يفوق كثيرًا ما يسقط على الصحراء الغربية في مصر. ولهذا السبب، سيطر على باحثي الدراسة فضول كبير لمعرفة معدلات المياه الجوفية في الصحراء الشرقية وما إذا كانت أقل بشكل عام من معدلاتها في الصحراء الغربية، ولكنهم فوجئوا بالنتائج التي توصلوا إليها.