طور فريق من المهندسين من جامعتي "كاليفورنيا سان دييجو" و"كاليفورينا ريفرسايد" الأمريكيتين تقنية حديثة يُمكن استخدامها للحام السيراميك.

ويُعد لحام السيراميك أمرًا في غاية الصعوبة؛ إذ تستلزم تلك العملية صهر القطع المراد لحام بعضها مع بعض، في تكنيك يُعرف باسم "اللحام الانصهاري"، وفيه تذوب المواد معًا، متحدةً بعضها مع بعض على طول خط اللحام.

ولذا يُمثل لحام السيراميك تحديًا كبيرًا؛ إذ يستلزم درجات حرارة عالية جدًّا للذوبان، وهو أمر يُعرضه لتدرجات كبيرة في درجات الحرارة، ويؤدي حدوث إجهاد داخلي إلى تشقق السيراميك، ومن ثم تفقد تلك المادة ميزتها الرئيسية، ألا وهي الصلادة والقدرة على تحمل إجهادات القص (مقاومة المادة للضغوط الأفقية الموازية لها).

غير أن الباحثين في تلك الدراسة التي نشرتها دورية ساينس (Science) تمكنوا من ابتكار طريقة تعتمد على الليزر لإذابة السيراميك ولحامه بسرعة، دون التسبُّب في حدوث إجهادات داخلية، مما يجعل تلك العملية أفضل من عمليات اللحام التقليدية، التي تتطلب تسخين السيراميك في أفران ذات درجات حرارة مرتفعة.

وستؤدي تلك الطريقة إلى تطبيقات محتملة للسيراميك، من ضمنها إدخاله في صناعة هواتف ذكية لا تُخدش ولا تتحطم، أو أجهزة لقياس نبضات القلب خالية من المعادن، أو حتى صناعة مواد صلدة تعمل في بيئات قاسية.

تعتمد الطريقة الجديدة على استخدام نبضات ليزرية فائقة السرعة بقدرة 50 واط. يقوم الباحثون بتسليطها على حواف العينات المراد لحام بعضها مع بعض؛ بحيث تذوب تلك الحواف بسرعة، ويلحم السيراميك بعضه مع بعض بطريقة انصهارية.

ووفق البيان الصحفي الخاص بالدراسة -تلقت "للعلم" نسخة منه- تُعد المواد الخزفية ذات أهمية كبيرة في الصناعات المختلفة، إذ إنها متوافقة حيويًّا مع خلايا جسم الإنسان، مما يجعلها مثاليةً لعمليات الزراعة الطبية الحيوية، كما أنها مُقاوِمة للإجهادات المختلفة، ومقاوِمة للتحطم، ما يكسبها صفاتٍ جيدة في صناعة أجزاء من الآلات الصناعية. إلا أن صعوبة لحام المواد الخزفية بعضها مع بعض تؤدي إلى عرقلة استخدامها في صناعة الأجهزة المختلفة.

كما أن دمج السيراميك في الأجهزة الالكترونية أمرٌ في غاية الصعوبة، إذ يتطلب تجميع تلك الأجهزة وضعها بالكامل داخل الأفران عالية الحرارة، الأمر الذي ينتهي بإفساد المكونات الإلكترونية وحرق الدوائر الكهربية الموجودة داخل الجهاز.

ونجح الباحثون في تلك الدراسة في استخدام نبضات الليزر للحام السيراميك، عبر توجيهه إلى الحواف فقط، وهو ما يعني عدم وصول درجات الحرارة العالية إلى المكونات الإلكترونية الموجودة داخل الأجهزة التي يُستخدم السيراميك غطاءً لها.

لإنجاز ذلك الأمر، قام الباحثون بإنتاج سيراميك خالٍ من الشوائب. ثم صمموا برنامجًا لحساب الزمن اللازم للحام، وعدد النبضات الليزرية، ومدة كل نبضة. وبتلك الطريقة نجح العلماء في صنع اللحامات باستخدام طاقة ليزر منخفضة في درجة حرارة الغرفة العادية.

ووفق الدراسة، سلط الباحثون طاقةً ليزرية قدرها 50 واط، بفارق زمني بين النبضات يُقدر بـ"بيكو ثانية" (1 على تريليون من الثانية) وبتردد قدره 1 ميجا هرتز. ويقول الباحثون إن "تركيز الطاقة على الحواف صهرها دون التأثير على المكونات الإلكترونية الأخرى".

ولإثبات الأمر، وضع الباحثون أسطوانة شفافة داخل أنبوب من السيراميك، ثم قاموا بإجراء عملية لحام للأنبوب، وحسبوا المسافة بين الأسطوانة الشفافة وجدران أنبوب السيراميك، ليجدوا أن تلك المسافة لم تتغير مقارنةً بما قبل إتمام عملية اللحام وما بعدها.

وجرى استخدام تلك العملية في لحام الأجزاء الخزفية الصغيرة التي يقل طولها عن سنتيمترين. ويقول الباحثون إن الخطط المستقبلية ستتضمن محاولة استخدام تلك الطريقة في لحام أجزاء أكبر، وكذلك في لحام أنواع مختلفة من المواد العصية على اللحام.

ووفق الباحث في برنامج العلوم وهندسة المواد بجامعة كاليفورنيا سان دييجو "خافيير جاراي" -وهو أحد مؤلفي تلك الدراسة- فإن الطريقة الجديدة قادرة على توسيع نطاق الصناعات الإلكترونية المعتمدة على الخزف إلى حدٍّ كبير.

ويُشير "خافيير" -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- إلى أن العمل على تلك الدراسة استغرق نحو 3 سنوات كاملة، مؤكدًا أن نتائجها ستعطي دفعة قوية لاستخدام السيراميك في حماية أجهزة المركبات الفضائية من البيئات القاسية. وهذا يعني أن المستقبل قد يشهد مركبات فضاء تحوي أجهزة إلكترونية في حاويات من السيراميك، وهو ما يصفه "خافيير" بـ"الانتصار الكبير".