قبل حوالي ٤٠ ألف سنة اختفى الإنسان منتصب القامة "هومو إيركتوس" (Homo erectus) أحد الأسلاف المباشرين للإنسان المعاصر، الذي هاجر من أفريقيا نحو قارة آسيا قبل حوالي مليوني سنة، لكن العلماء عجزوا عن تحديد الحقبة التي عاش فيها الإنسان المنتصب في  منطقة "نجاندونج" بجزيرة "جاوة" الإندونيسية.

لكن دراسة نشرتها مجلة "نيتشر" (Nature) أمس "الأربعاء"، 18 ديسمبر، ذكرت أن فريقا دوليًّا من الباحثين تمكنوا من تحديد الحقبة الزمنية التي شهدت الوجود الأخير للإنسان المنتصب في "نجاندونج" بأنها "امتدت ما بين ١٠٨ آلاف إلى ١١٧ ألف عام".

ويعتقد الباحثون أن آخر مرة شوهد فيها "الإنسان المنتصب" في جاوة سبقت وصول الإنسان الحديث إلى الجزيرة بـ٣٥ ألف سنة على الأقل. 

عثر الباحثون في الموقع على بقايا أحفورية لحيوانات في الطبقة نفسها التي عُثر خلالها على ١٢ جمجمة تعود إلى "هومو إيركتوس"، بالإضافة إلى قطعتين من عظام الساق. بعد ذلك شرع الفريق البحثي في تأريخ أشكال الأرض المحيطة بالموقع من أجل إنشاء سجل دقيق لِما قد يكون آخر مستعمرة للإنسان البدائي على الأرض.

يقدم الفريق البحثي ٥٢ دليلًا على فرضيتهم بتقدير عمر الإنسان البدائي الأخير، شملت هذه الأدلة شظايا متحجرة لحيوانات، ورواسب من الطبقة الأرضية الحفرية التي عُثر خلالها على بقايا "الإنسان المنتصب" لأول مرة من قِبَل المساحين الهولنديين في ثلاثينيات القرن العشرين، وسلسلة من المصاطب النهرية المتعاقبة أسفل وفوق الموقع الأحفوري.

وقدر الباحثون الحقبة الزمنية التي تكوَّنت فيها الجبال جنوب "نجاندونج" من خلال تأريخ الصواعد والهوابط في الكهوف الكارستية "نسبةً إلى مناطق الحجر الجيري" في الجبال الجنوبية للموقع، ومن ثم استطاعوا كذلك تحديد متى بدأ نهر "سولو" في عبور موقع "نجاندونج" وتكوين المصاطب النهرية. 

تقول "كيرا ويستاواي" -الأستاذ المشارك في جامعة "ماكواري" الأسترالية، والباحثة المشاركة في الدراسة- في تصريح لـ"للعلم": لأول مرة حددنا بشكل مقنع التوقيت الدقيق لانقراض الإنسان المنتصب، والذي يُعد أحد أسلافنا الأكثر أهمية".

توضح "ويستاواي" أنها وفريقها نجحوا في هذه المهمة "الشاقة" لأنهم سلكوا نهجًا مختلفًا عما فعله الباحثون السابقون، مضيفةً: "كان مفتاح هذا النهج هو القدرة على تحديد تاريخ الطبقة الرسوبية التي دُفن فيها الإنسان المنتصب، وعلى الظاهرات المورفولوجية لسطح الأرض في الموقع، بدلًا من التركيز فقط على الحفريات نفسها".

طبق الفريق البحثي خمس تقنيات لتأريخ رواسب نهر سولو، والمصاطب، ورواسب الكالسيت -المكون الأساسي للصخور الجيرية- في الكهوف، وتأريخ الحفريات نفسها. وشملت هذه التقنيات نظائر اليورانيوم، والرنين الإلكتروني، والأشعة تحت الحمراء، ونظائر الأرجون الذي تم تطبيقه على طبقة بركانية عند قاعدة رواسب النهر. 

"التطور البشري معقد بشكل لا يصدق، فإذا كنت تريد أن تفهم مَن أنت ومن أين أتيت، فعليك بالنظر إلى أفراد عائلتك، وأجدادك وأبناء عمومتك، والأمر نفسه بالنسبة لشجرة التطور البشرية، التي يساعدنا فهمها على فهم متى انقرضت هذه الأنواع؟ ولماذا؟ وما الأنواع الأخرى التي تفاعلت معها؟"، توضح الباحثة لـ"للعلم". 

وتشير "ويستاواي" إلى احتمالية حدوث اتصال قديم بين الإنسان المنتصب وإنسان "دينيسوفان" الذي عاش في سهول سيبيريا، وهو الرأي الذي تدعمه دراسة نشرتها مجلة "سيل" في مايو الماضي، مشيرةً إلى وقوع نوع من الاتصال بين النوعين، بدليل وجود نسبة ١٪ على الأقل من الصفات الوراثية المشتركة بين الدينيسوفان والإنسان المنتصب.

في أبريل الماضي، كشفت دراسة نشرتها  مجلة "نيتشر" العثور على أقدم حفرية بشرية لإنسان "دينيسوفان" على هضبة التبت بعد العثور على قطعة عظمية غريبة، ويبدو عليها أنها قديمة جدًّا في كهف "بايشيا"؛ إذ تشير الدراسة إلى أن العظمة المكتشفة تُعَد أول دليل على انتقال إنسان دينيسوفان خارج كهف دينيسوفا في سهول سيبيريا وتكيُّفه مع بيئات تنخفض فيها نسبة الأكسجين مثل هضبة التبت في العصر البليستوسيني الأوسط في الحقبة الممتدة من ٧٨١ إلى ١٢٦ ألف سنة مضت، قبل وصول الإنسان العاقل إلى المنطقة واستيطانها.

من جهته، يقول "روسل سيتشون" -أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة "أيوا" الأمريكية، والباحث المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": كان الإنسان المنتصب نوعًا طويل العمر بشكل لا يصدق، مع توزيع جغرافي شاسع، ما يجعله واحدًا من أنجح البشر الذين عاشوا على الإطلاق. وتشير أبحاثنا إلى أن الإنسان المنتصب قد انقرض بسبب تغيُّر المناخ.

لكن "سيتشون" يشدد على أن الدراسة تشير إلى آخر حقبة زمنية شوهد فيها الإنسان المنتصب على الأرض، ولا تحدد وقت انقراضه الذي لا يزال غير معلوم.

ويوضح "سيتشون" في تصريح لـ"للعلم" أن الإنسان المنتصب لم يعش مدةً كافية ليتفاعل مع الإنسان الحديث بعد وصوله إلى الجزيرة.

وعن الطريقة التي وصل بها الإنسان المنتصب إلى جزيرة "جاوة" المفصولة عن اليابس الرئيسي لآسيا، يشرح "سيتشون" أنه "عندما تكون مستويات سطح البحر منخفضةً بسبب الفترات الجليدية، تتصل تلك الجزيرة بالبر الرئيسي لآسيا عن طريق جسر بري، وهو ما سمح للإنسان المنتصب بالسير إلى الجزيرة الحالية"، وفق قوله.