تقف طفرات جينية مُحدَّدة بجانب عدة عوامل بيئية أخرى، وراء حدوث عدد غير قليل من الاضطرابات التنكسية العصبية، وعلى رأسها باركنسون أو الشلل الرعاش.

وتؤدي الاختبارات الجينية -التي تعتمد على فحص الحمض النووي (DNA)- دورًا حيويًّا في تحديد احتمالية الإصابة بباركنسون -اضطراب يصيب الجهاز العصبي ويبدأ بـ"رعشة" إلى أن يتطور ليؤثر على كلٍّ من عمليتي الحركة والكلام- عبر الكشف عن التغييرات (الطفرات) في الجينات التي يمكن أن تتسبب في هذا الاضطراب.

لكن لا تزال تلك الاختبارات تعاني قصورًا، خاصةً للمرضى من ذوي الأصول غير الأوروبية؛ لأن معظم الأبحاث التي أدت إلى تشخيص أو علاج لمرضى باركنسون أُجريت بشكل حصري تقريبًا على الأشخاص من ذوي الأصول الأوروبية، وأغفلت البيانات الجينية المأخوذة من المجموعات السكانية الأفريقية المتنوعة إثنيًّا.

لقد ثبت علميًّا أن الـ(DNA) لدى المجموعات السكانية الأفريقية يزيد بحوالي 10% مقارنةً بالجينوم البشري المرجعي، كما أن لديها ما يقرب من 3 ملايين متغير جيني جديد، لذا من غير المرجح أن يستفيد مرضى باركنسون ذوو الأصول الأفريقية من الاكتشافات الجينية الحالية؛ لأن معظمها اعتمد على دراسة مجموعات من السكان البيض.

ولسد تلك الفجوة، أطلق مجموعة من العلماء اتحادًا دوليًّا لعلم الجينوم لمرض باركنسون في أفريقيا، أو ما يُعرف اختصارًا باللغة الإنجليزية (IPDGC Africa)، كخطوة تدعم جهود التوسع في دراسة علم الوراثة لمرض باركنسون لسكان القارة السمراء، وذلك بعد أكثر من 10 سنوات على تدشين الاتحاد الدولي لعلم الجينوم لمرض باركنسون (IPDGC) الذي انطلق في 2009، ما يوفر لدراسة التنوّع السريري والوراثي لمرض باركنسون في أفريقيا فرص المساواة والإنصاف.

 ووفق الدراسة المنشورة في العدد الأخير من دورية "لانسيت نيورولوجي" (The Lancet Neurology) فإن هذا الاتحاد عبارة عن تعاون بين المؤسسات الأكاديمية في 12 دولة أفريقية هي: مصر والكاميرون وإثيوبيا ونيجيريا وغانا ومالي والسنغال والسودان وزامبيا وتونس وتنزانيا وجنوب أفريقيا، بجانب معهد علم الأعصاب في كلية لندن الجامعية بالمملكة المتحدة، والمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالشراكة مع البرنامج الجيني العالمي لمرض باركنسون.

التداخل بين الجينات والبيئة

من جانبه، قال محمد سلامة، الأستاذ المشارك في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأحد المشاركين في الدراسة: إن الاتحاد لا يهدف فقط إلى دراسة الجينات التي تُسهم في الإصابة بمرض باركنسون، لكنه يستهدف أيضًا العوامل الأخرى المؤثرة في المرض.

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أنه ليس هناك جينٌ محدد يسبب باركنسون بنسبة 100%؛ إذ ينجم هذا المرض عن التداخل بين الجينات والبيئة، ولذلك لا يمكن أن ندرس الجينات فقط دون رصد العوامل البيئية ودراستها.

وتتمثّل مهمة الاتحاد -الذي يضُم أكثر من 100 طبيب وعالِم في الدول المشاركة- في تحسين الفهم العلمي لمرض باركنسون والاضطرابات التنكسية العصبية الأخرى لدى الأفارقة، من خلال البحوث السريرية والوراثية والتعليم والتدريب والمشاركة المجتمعية، وهذا يعتمد على 3 مرتكزات أساسية هي: التعليم والتدريب، والتشخيص والبحوث الجينية، بالإضافة إلى المشاركة العامة (PI) وهي مصطلح يطلق على المبادرات العالمية التي تمنح الجمهور دورًا فعالًا في أبحاث الصحة والرعاية.

وأشار "سلامة" إلى أن الدراسة تعتمد على أكثر من اتجاه، الأول البيانات الإكلينيكية؛ لأن باركنسون له أنماط ظاهرية متعددة تختلف عن الأنماط الجينية، موضحًا أن 90% من حالات باركنسون تأتي نتيجة التداخل بين العوامل البيئية والجينية.

وأوضح أن الهدف الرئيسي من الاتحاد ليس فقط تجميع الجينات وتحليلها، بل بناء قدرات جميع الأطباء المشاركين في جميع البلدان الأفريقية بالاتحاد، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية في عدد من المختبرات بالدول المشاركة؛ للمساهمة في إجراء الدراسات الجينية، عبر الحصول على تمويل من الجهات الداعمة للاتحاد.

وأضاف أن هناك مسؤولًا عن الإشراف على تنفيذ خطة الدراسة وإجراء التدريبات اللازمة للأطباء في كل بلد مشارك؛ حتى يتمكن باقي الفريق في نهاية المشروع من اكتساب المهارات والخبرات اللازمة لإجراء مثل هذه الأبحاث في بلدانهم، ومن هنا تبرز أهمية البرنامج في أنه ليس فقط لتجميع العينات من المرضى، بل لتنمية القدرات البحثية في قارة أفريقيا أيضًا.

وعن مدة المشروع، أوضح "سلامة" أن التمويل الذي حصل عليه الاتحاد من مؤسسة مايكل جي فوكس لأبحاث باركنسون (MJFF) لتنفيذ المشروع مدته 5 سنوات، لكن القائمين على الاتحاد يتطلعون إلى استمرار المشروع لأبعد من ذلك، عبر السعي إلى الحصول على تمويل من هيئات أخرى تدعم أبحاث مرض الشلل الرعاش، كما يهدفون إلى التوسع في عدد الدول المشاركة ليشمل دولًا أفريقيةً أخرى.

تعاون دولي

حول أهمية التعاون الدولي في بحوث باركنسون، أكد "سلامة" أن التعاون الدولي في البحث العلمي شيءٌ لا مفر منه، لكن المهم أن يكون هذا التعاون مبنيًّا على الاستفادة المتبادلة علميًّا، وأن الجميع لا بد أن يعمل وفقًا للقوانين والقواعد الحاكمة لكل بلد مشارك في هذا التعاون.

وتابع: "حتى الآن معظم الأمراض لم تحظَ بالقدر الكافي من الدراسة في مناطق معينة من العالم ومنها الشرق الأوسط وأفريقيا، ولا يُعرف بعدُ ما هي ملامح تلك الأمراض والعوامل التي تتحكم في الإصابة بها، ومنها باركنسون.

وواصل حديثه: "من هنا بدأت الجهات الدولية التي تدعم أبحاث أمراض مثل باركنسون، في التركيز على دعم هذه المنطقة من العالم، ليس فقط لدعم تلك الشعوب وحسب؛ بل للبشرية جمعاء، لأننا لن نفهم المرض بصورة كاملة، إلا بدراسة العوامل المؤثرة في الإصابة به بين المجموعات السكانية المختلفة من شعوب العالم، لذلك فإن فهم العلماء للجينات والعوامل الوراثية التي تُسهم في الإصابة بالشلل الرعاش لا يزال منقوصًا، ولن يكمل إلا بدراسة مجموعات عرقية مختلفة لكي تكتمل الصورة.

سجل أفريقي

ويهدف الاتحاد إلى بناء شبكة تعاونية داخل أفريقيا تستهدف إنشاء سجل أفريقي يضم 4 آلاف مريض بباركنسون و4 آلاف شخص آخر سليم كمجموعة ضابطة، لإنشاء إطار عمل للدراسات التعاونية المستقبلية التي ستركز بشكل أساسي على تحديد عوامل الخطر الجينية لمرض باركنسون واستكشاف العلاقة بين هذه العوامل والأنماط الظاهرية للمرض، على سبيل المثال: الأنواع الفرعية للمرض، والعمر عند بداية الإصابة، بالإضافة إلى الأعراض الحركية وغير الحركية؛ للتحقق في نهاية المطاف من جدوى التدخلات التشخيصية والعلاجية الجديدة للمرض.

وكشف عن أن الفريق البحثي سيُجري فحوصًا متقدمة لجميع المشاركين في الدراسة، بالإضافة إلى إجراء استبانة تتعلق بالمعلومات البيئية، سيجيب فيها المشاركون عن أسئلة واستفسارات تتعلق بمناطق وجودهم وأماكن عملهم وطبيعة وظيفتهم؛ لرصد حجم المخاطر المهنية والبيئية التي يتعرضون لها، ويمكن أن تسهم في إصابتهم بالشلل الرعاش، كعلاقة المزارعين المستخدمين للمبيدات الحشرية دون وقاية كافية بالإصابة بالمرض؛ لأن المبيدات الحشرية تأتي حاليًّا على رأس قائمة عوامل الخطر المسببة للشلل الرعاش، وفق قوله.

وستتم مقارنة النتائج التي سيتوصل إليها الفريق في أفريقيا، مع نتائج السكان الأوروبيين، بالإضافة إلى أنه سيتم تجميع البيانات مع مجموعات من خلفيات عرقية أخرى ضمن البرنامج الوراثي العالمي لمرض باركنسون (GP2) للمساعدة في رسم خرائط مواقع مرض باركنسون في مجموعات سكانية أخرى والتخطيط للدراسات المستقبلية، وحتى الآن استطاع القائمون تحديد أكثر من ثلث العدد المستهدف من المرضى والعناصر الضابطة، ويتطلعون إلى عمل الاتحاد على تعزيز إنتاجية البحوث وتحسين حياة المرضى.

ووفقًا للدراسة، سيتمكن الاتحاد من العمل بنشاط مع المجتمعات المحلية ومنظمات المرضى؛ لتحسين الوعي بمرض باركنسون في المنطقة، من خلال التعاون مع منظمتين دوليتين للدفاع عن المرضى هما باركنسون أفريقيا وتحالف PD Avengers.

لماذا أفريقيا؟

وفقًا لموقع الاتحاد، فإن القارة الأفريقية تتكوّن من 58 دولة، وكانت تشكل مجتمعةً 17٪ من سكان العالم في 2016، وبحلول 2050، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 26٪، ويترافق هذا النمو السكاني المتسارع مع ارتفاع متزامن في حالات الإصابة بمرض باركنسون.

ويوجد في أفريقيا سكان متنوعون مع أكثر من 2000 مجموعة عرقية لغوية متميزة، يتمتعون بتبايُن ظاهري وجيني أعلى من غيرهم من سكان العالم، ورغم ذلك لا يوجد حاليًّا سوى القليل جدًّا من الدراسات الجينية التي أُجريت على السكان الأفارقة.

سدّة الفجوة

أحمد مصطفى -أستاذ المعلوماتية الحيوية وعلم الجينوم في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- أكد أن أهمية هذا الاتحاد لن تقتصر على باركنسون فقط، بل ستفيد في تشخيص وعلاج جميع الأمراض ذات الأصل الوراثي، وفي مقدمتها الأمراض العقلية.

وأضاف لـ"للعلم" أن هذه الخطوة يمكن أن تسد الفجوة الموجودة منذ 10 سنوات فأكثر، منذ بدء الدراسات الوراثية للبحث عن العوامل الوراثية التي تؤدي دورًا في الإصابة بأمراض معينة، إذ كان أكثر من 70% منها يعتمد على أشخاص من أصول أوروبية، و20% من آسيا، وبنسبة محدودة وتكاد تكون معدومة لأشخاص من أفريقيا، وبالتالي فإن العلماء يجدون معاناة كبيرة حاليًّا في عملية نقل نتائج الدراسات الوراثية التي أُجريت على أوروبيين وآسيويين وتطبيق ما تم الوصول إليه على الأفارقة.

وأوضح أن صعوبة ذلك تكمن في وجود اختلافات كثيرة بين جينات الأفارقة وجينات غيرهم من الأوروبيين والآسيويين، تتعلق باختلاف التاريخ السكاني لكل شعب على حدة، لأن سكان أفريقيا أقدم من غيرهم وفقًا للتاريخ التطوري للإنسان، وهذا أدى إلى كون معدّل الاختلافات الوراثية أعلى بكثير لدى الأفارقة، مقارنةً بالأوروبيين والآسيويين.

وتابع "مصطفى" أنه وفقًا لنتائج الدراسة، فإنه عند مقارنة جينات الأفارقة بالاختلافات الموجودة في الجينوم المرجعي العالمي، نجد أن سكان أفريقيا لا يحظون فقط باختلافات وراثية أكبر، بل لديهم أجزاء أو كتل من الحمض النووي (DNA) ينفردون بها عن غيرهم من الشعوب، وبالتالي إذا أردت أن تبحث عن علامات وراثية لأمراض معينة، فإنك تحتاج إلى إجراء دراسات جينية على الشعوب الأفريقية، ولا تعتمد على ما تم استنتاجه من دراسات أُجريت على شعوب أخرى.

وأوضح أنه إذا اعتمدنا فقط على نتائج الدراسات الجينية التي أُجريت على أوروبيين وآسيويين، فسيكون هناك قصورٌ شديدٌ في نتائج الاختبارات الجينية التي تُسهم في اكتشاف الأمراض، بالإضافة إلى ضعف الارتباط بين العناصر الوراثية الموجودة لدى الأوروبيين والشعوب الأخرى، مشيرًا إلى أنه من حيث ترتيب معامل الارتباط بين الأوروبيين والشعوب الأخرى فيما يتعلق بالبيانات الجينية، يأتي في المرتبة الأولى الشعوب من أصل إسباني أو لاتيني، وبصورة أقل شعوب شرق آسيا كالصين واليابان، يليهم شعوب جنوب آسيا مثل الهند وأفغانستان وبنغلاديش، ثم يأتي في المرتبة الأخيرة الشعوب الأفريقية، وهم أقل الشعوب ارتباطًا بالأوروبيين وراثيًّا.

وعن أهمية الاتحاد بالنسبة للدول المشاركة، نوه "مصطفى" بأن إنشاء سجل أفريقي لمرضى باركنسون يجعل علماء الوراثة يحصلون على نتائج أكثر دقةً فيما يتعلق بالتنبؤ بالمخاطر الوراثية لدى الدول المشاركة، وبالتالي سيرفع معدلات التشخيص الدقيق للمرض، ومن ثم يؤدي إلى تحسين علاجات المرض؛ لأن البيانات الوراثية الدقيقة تساوي دقةً في التشخيص وتخصصيةً أعلى في العلاج، كما أن البيانات الجديدة ستحسِّن من محتوى الجينوم المرجعي العالمي، الذي يعتمد بشكل كبير على الأوروبيين، وستكمل الصورة، وستجعله مرجعًا لأفريقيا والعالم فيما بعد.

باب كبير للأبحاث

ووافقه الرأي حسام الجردي، الأستاذ بقسم الأحياء بجامعة البلمند في لبنان، مؤكدًا أن هذا الاتحاد يفتح بابًا كبيرًا أمام الأبحاث في أفريقيا ورصد الموروثات التي تُسهم في الإصابة بمرض باركنسون، بالإضافة إلى دوره الإيجابي في التوعية والمشاركة المجتمعية والتدريب.

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أن هذه المجموعة وضعت أيديها على مشكلة كبيرة، وهي الاعتماد على الأشخاص البيض من أوروبا وشمال أمريكا في البحوث والدراسات الوراثية، في ظل محدودية توافر معلومات وراثية للأمراض في أماكن أخرى من العالم، بسبب ضعف البنية التحتية والمؤسسات البحثية التي يمكن أن تنجز تلك الأبحاث، ومن هنا تكمن أهمية التوسع نحو أفريقيا.