كشفت دراسة فرنسية عن المزيد من الآثار السلبية الناتجة عن استيطان البشر للغابات الاستوائية في بعض الجزر المدارية، وتأثيره على التنوع البيولوجي في تلك الجزر، استنادًا إلى تجربة طبيعية أتاحها أحد البراكين النشطة.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "جورنال أوف إيكولوجي" (Journal of Ecology) التابعة للجمعية البيئية البريطانية، اليوم "الثلاثاء"، 25 فبراير، فقد أجرى باحثون من جامعة جزيرة ريونيون مسحًا جيولوجيًّا للحمم الناتجة عن ثورات بركان "بيتون دي لا فورنيز"، الذي يُعد أحد أكثر البراكين نشاطًا في العالم، بغرض إجراء دراسة استقصائية للأنواع النباتية التي كانت موجودةً على الجزيرة قبل أكثر من 600 عام.

يقول سيباستيان ألبرت -الباحث الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": هذه السلسلة من تدفقات الحمم البركانية تقدم رؤية واضحة لتطور الحياة النباتية عبر عدة قرون، قبل وبعد وصول البشر، إنها بمنزلة آلة زمن، يمكن من خلالها إلقاء نظرة على الماضي.

اكتشف الباحثون أنه قبل استيطان البشر الجزيرة بصورة دائمة، كانت الغابات تزخر بالعديد من الأنواع النباتية المثمرة، عادةً ما كانت أشجارًا كبيرةً، ولكن في أثناء الغزو البشري للجزيرة -في القرن السابع عشر- وبعده، بدأ بعض الأنواع الحيوانية من آكلات الفاكهة -مثل السلاحف العملاقة، وخفافيش الثعلب الطائر- في الانقراض، وأصبحت هذه النباتات أكثر ندرة، وبحلول عام 1800 كانت قد اختفت تمامًا.

وتؤدي آكلات الفاكهة دورًا مهمًّا في الحفاظ على التنوع البيولوجي في مناطق الغابات الاستوائية، حيث تقوم بالتهام الثمار الكبيرة قبل أن تتخلص من بذورها بعيدًا عن الأشجار الأم، وتشكل هذه العملية أحد العوامل الرئيسية لاستعادة النظام الإيكولوجي بعد حدوث اضطراب كبير، مثل ثورة البركان، ولكن كان من نتيجة فقدان الحيوانات آكلة الفاكهة، أنه لم يمكن للغابات الاستوائية أن تتعافى بصورة كاملة.

يضيف "سيباستيان": من المحتمل بشكل كبير، أن يكون التناقص العالمي لأعداد كبيرة من الأنواع الفقارية ذا عواقب وخيمة على قدرة الغابات الاستوائية في مختلف أنحاء العالم على تجديد ذاتها؛ إذ إن الحفاظ على التفاعلات المتبادلة بين المملكة الحيوانية والنباتية هو أمر حتمي وضروري، وتوفر نتائج دراستنا دعمًا قويًّا لإحياء مشروعات استعادة الأنواع الأصلية من آكلات الفاكهة في موائلها الطبيعية، مثل جزيرة ريونيون؛ إذ لم يعد لها أي وجود فيها.

وتقع جزيرة لارينيون الفرنسية غرب المحيط الهندي، وهي أحد أقاليم فرنسا فيما وراء البحار. وتُعد جزيرة ريونيون جزءًا من "أرخبيل ماسكارين"، الذي يضم أيضًا جزر رودريجيز وموريشيوس، ويعتبر موطن طيور "الدودو المنقرضة"، وهي إحدى آخر الجزر الاستوائية التي استعمرها البشر.

ففي عام 1665، عندما أُقيمت أول مستوطنة بشرية دائمة، كانت جزيرة ريونيون موئلًا للسلاحف العملاقة والببغاوات، وأنواع من الحمام والسحالي وخفافيش الثعلب الطائر، وبعض الطيور المغردة التي كانت تعيش في جميع أرجاء الجزيرة.

وفي غضون 80 عامًا من الاستيطان البشري للجزيرة، تناقصت أعداد الحيوانات الكبيرة من آكلات الفاكهة بصورة متسارعة، وخلال 150 عامًا كانت قد انقرضت تمامًا، وأصبح أكبر كائن أصلي من آكلات الفاكهة يعيش على الجزيرة إلى الآن، طائر "بلبل ريونيون"، وهو أصغر من خفاش الثعلب الطائر بمقدار 9 مرات، كما أنه أصغر من السلحفاة العملاقة بنحو 1000 مرة.

ويرجع الفضل في إجراء تلك الدراسة غير المألوفة إلى النشاط البركاني المرتفع على جبل "بيتون دي لا فورنيز"، الذي نجم عنه تدفقات متلاحقة من الحمم البركانية، وبفضل وجود سجل يوثق جيدًا فقدان الكائنات الحيوانية في أرخبيل ماسكارين، ومن خلال تحليل البيانات التاريخية، وتحديثها بمعلومات حديثة، مثل إحداثيات أجهزة تحديد المواقع GPS، حدد الباحثون 151 نوعًا نباتيًّا لإجراء الدراسة عليها، اعتمادًا على تحديد أعمار الحمم البركانية، وفترة نمو النباتات.

استند الباحثون إلى تصنيف فترة الدراسة إلى 5 فترات زمنية، الأولى بين عامي 1401 و1665، إذ كانت آكلات الفاكهة تعيش بأعداد كبيرة على الجزيرة، قبل استعمارها من قِبَل البشر، والفترة الثانية من 1665 حتى 1800، التي شهدت تدهورًا في أعداد آكلات الفاكهة، أما الفترة الثالثة بين 1800 و1900، فسجلت انقراض الكائنات الكبيرة من آكلات الفاكهة في حين نجت بعض الأنواع الصغيرة، ثم الفترة بين عامي 1900 و1956، حين تناقصت أعداد الكائنات الصغيرة بصورة كبيرة.

وعلى الرغم من أن التراجُع الكبير في أعداد الأشجار المثمرة الكبيرة كان نتيجة فقدان آكلات الفاكهة إلى حدٍّ كبير، فقد نبه الباحثون إلى أن هناك عوامل أخرى محتملة، منها التهام البذور من بعض الأنواع الغازية، أو بسبب ظروف بيئية حالت دون إنبات البذور.

وأوضح "سيباستيان"، في تصريحات لـ"للعلم"، أنه "من المفترض أن تؤدي هذه العوامل دورًا ثانويًّا في دراستنا التي تستند إلى تجربة ميدانية في جزيرة ريونيون، نعمل حاليًّا على مراقبة نشر البذور، وإجراء تجارب بنثرها، ودراسة فرص تَجَدُّد النباتات؛ لرصد فرص بقاء ونمو الأنواع النباتية المرشحة التي تفتقر مراحلها المبكرة طبيعيًّا في غابات الجزيرة".

وعن كيفية دعم نتائج الدراسة لمشروعات استعادة بعض الأنواع النباتية والحيوانية في بيئتها المحلية، يقول "سيباستيان": "إن هذا هو أحد الأهداف التي وضعها الباحثون ضمن دراستهم لإعادة ترميم الجزيرة، ونأمل تعزيز الشعور بأن هناك أملًا في إمكانية الحفاظ على الأنواع واستعادة الغابات، إذا تمكنَّا من استرجاع وسائل نشر البذور في غاباتنا".