تمكن فريق من الباحثين بجامعة "إمبريال كوليدج لندن" من توظيف تقنية "محرّكاتِ الجينات" للقضاء على تجمعات البعوض الناقل لمرض الملاريا في صحاري أفريقيا؛ إذ نجحوا في القضاء على مجموعة من بعوض "الأنوفيلة الجامبية" بمرور سبعة أجيال إلى أحد عشر جيلًا منها.

وتُعَدُّ هذه المرَّة الأولى التي ينجح فيها العلماء في كبح القدرة التناسلية لدى كائنات حية معقّدة مخبريًّا من خلال مقاربة على المستوى الجزيئي. وأشارت الدراسة، التي نشرتها دورية "نيتشر بيوتكنولوجيNature Biotechnology"، إلى عدم حدوث طفرات جينية تحول دون نشر هذه التقنية في التجارب المعملية على البعوض الحبيس، ما يرجح قدرة "محرّكاتِ الجينات" المستخدمة على العمل بشكل فعال في البرية.

و"محرّكاتِ الجينات" إحدى تقنيات الهندسة الوراثية التي تسمح بنقل جين معين بطريقة فعالة على نحوٍ تفضيلي إلى الأجيال التالية من خلال عملية التكاثر. ويمكن تطبيق هذه التقنية في مجالات مختلفة، مثل منع انتشار الحشرات التي تنقل الأمراض، أو إضافة أو تعطيل أو تعديل جينات ساكنة بأكملها بغرض إحداث انخفاض جذري في تعداد السلالة عن طريق الحد من قدرتها الإنجابية.

يقول "أندريا كريسانتي" -أستاذ علم الطفيليات بجامعة إمبريال كولدج، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "نستهدف إطلاق أنواع البعوض المستهدفة بتقنية محرّكاتِ الجينات في المستقبل لنشر العقم الجنسي بين إناث البعوض وإحداث خلل في نموّ هذه الحشرات وتكاثرها؛ فعلى الرغم من الجهود والموارد المبذولة سنويًّا، إلا أن عدد حالات الإصابة بالملاريا لم ينخفض في عام 2016 على سبيل المثال، ما يعني أننا في حاجة إلى أدوات جديدة لحل هذه المشكلة الصحّية،التي بلغ عدد حالات الإصابة بها 216 مليون حالة أدَّت إلى نحو 445 ألف وفاة في عام 2016، معظمها بين الأطفال دون الخامسة".

وصمم الفريق نموذج "محرّك جينات" مخصّصًا لتعديل جين يُعرف باسم "دبلسكس"، يؤدي دورًا في تحديد جنس البعوض إما ذكرًا أو أنثى، تتعلَّق بنمو البعوضة الأنثى. ولم تُظهر ذكور البعوض الحاملة لهذا الجين المعدل أي تغييرات ملحوظة، وكذلك إناث البعوض الحاملة لنسخة واحدة منه. إلَّا أن إناث البعوض الحاملة لنسختين من الجين أظهرت صفات ذكرية وأنثوية في الوقت ذاته، ما أدى إلى عجزها عن اللدغ ووضع البيض. كما نجحت تقنية "محرّكاتِ الجينات" في تعديل الجينات بنسبة 100%. وبعد إنماء ثمانية أجيال من البعوض، انخفض عدد الإناث بصورة تعوق تكاثر البعوض، ما أدى إلى موت كامل السرب.

يضيف "كريسانتي": "استخدمنا تقنية كريسبر-كاس9 لنقل جينات محددة إلى 99% من النسل مقارنة بـ50% كمعدل طبيعي لانتقال الجينات العادية من جيل لآخر، وقد تم اللجوء إلى "محركات الجينات" لتقليل خصوبة أنثى البعوض الحبيس في المعمل وخفض عدد هذه السلالة. واكتشفنا أن محرك الجينات ينتشر بسرعة في البعوض الحبيس دون مقاومة منه، ما أسفر عن انهيار تام للسلالة، وهو إنجاز لم يتحقق من قبل. وانتهينا إلى أن الانتشار السريع والكامل لمحركات الجينات، من دون مقاومة (لدى 7 إلى11 جيلًا) في بيئة مغلقة تحاكى الظروف الطبيعية، يبشر بنتائج جيدة في التجارب الميدانية في أماكن تجمعات البعوض، وهو ما يعتبر إنجازًا كبيرًا في مجال مكافحة سلالات البعوض الناقلة للملاريا"، مؤكدًا أنه "بالرغم من أن البحث يمنحنا أملًا جديدًا لمكافحة مرض وبائي منتشر في العالم منذ قرون، فما زلنا بحاجة إلى العمل والتنسيق مع الدول الموبوءة واختبار التقنية في مختبرات كبيرة، وربما يستغرق الأمر 5 –10 أعوام قبل إطلاق أي بعوضة تحمل محرّكاتِ الجينات في الطبيعة، لكننا نضع أيدينا على أدلة مشجعة تخبرنا أننا في الطريق الصحيحة. ستتمتع تقنية المحرّك الجيني بما يلزم للقضاء على الملاريا، وستستطيع التغلُّب على عوائق علاج الملاريا في الدول النامية".

وللتأكد من مدى نجاح محرّك الجينات الذيتم تصميمه في النفاذ للأجيال التالية من السلالة دون مقاومة، يقول "كريسانتي": "إنه لابد من إجراء مزيد من الدراسات في أقفاص كبيرة نسبيًّا لاختبار أعداد أكبر من البعوض في ظروف أكثر شبهًا بالبيئة الطبيعية التي يعيش فيها".