تؤدي اللغات المختلفة دورًا بارزًا في مساعدة الشخص على التفاعل مع بيئات ثقافية متنوعة وتنمية قدراته على تبادل الخبرات والمعارف مع أشخاص من مناطق مختلفة، لكن دراسة كندية حديثة كشفت أن التحدث بأربع لغات أو أكثر قد يكون أيضًا مفتاحًا لتراجُع احتمالات الإصابة بمرض الخرف مع تقدم العمر.

ضمت عينة البحث 325 راهبةً من الروم الكاثوليك في سن الـ75 عامًا أو يزيد يتحدثن أكثر من لغة، وفق نتائج الدراسة. أظهرت الدراسة، التي نشرتها مجلة "جورنال أوف ألزهايمر ديزيز" (JAD)، أن المشارِكات اللاتي كن يتحدثن أربع لغات أو أكثر تراجعت لديهن احتمالات ظهور أعراض الخرف، مقارنةً بمن يتحدثن لغةً واحدةً فقط.

والخرف متلازمة تتسم بحدوث تدهور في الوظيفية المعرفية (أي القدرة على التفكير) بوتيرة تتجاوز وتيرة التدهور المتوقّعة عادةً في مرحلة الشيخوخة العادية. ويشمل هذا التدهور الذاكرة والتفكير والقدرة على التوجّه والفهم والحساب والتعلّم والحديث وتقدير الأمور. ولكنّه لا يشمل الوعي، وذلك وفق ما ورد على موقع منظمة الصحة العالمية على الإنترنت .

تقول سوزان تياس -أستاذ الصحة العامة في جامعة "واترلو" الكندية، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الهدف من الدراسة هو تحديد ما إذا كان الأشخاص الذين يتحدثون لغاتٍ متعددةً أقلَّ عرضةً للإصابة بالخرف، أو على الأقل فيما يتعلق بتطوره في وقت لاحق من الحياة، وذلك مقارنةً بأولئك الذين يتحدثون لغةً واحدةً فقط".

لماذا الراهبات؟

وفى تعليقها على اختيار الراهبات بشكل خاص عينةً للدراسة، تقول "تياس": اعتمدنا على الراهبات لأن هناك خصائص مشتركة بينهن، مثل الدخل، والدعم الاجتماعي، والحالة الاجتماعية، والتاريخ الإنجابي، وتعاطي الكحول والتبغ، والحصول على الخدمات الصحية، موضحةً أنهم كانوا يحتاجون إلى دراسة تأثير تعدُّد اللغات وليس آثار أي خصائص أخرى، ومضيفةً أن تَشارُك عينة البحث في خصائص معينة أعطاهم قدرةً أكبر على التركيز على تعدُّد اللغات دون أن تتأثر بكل هذه العوامل الأخرى التي تختلف عادةً من شخص إلى آخر خلال مرحلة البلوغ، والتي يمكن أن تُضعف الدراسات الأخرى.

وجد الباحثون أن 6% فقط من الراهبات اللاتي يتحدثن أربع لغات أو أكثر يصبن بالخرف، مقارنةً بـ31%  ممن يتحدثن لغةً واحدةً فقط؛ وأن معرفة لغتين أو ثلاث لغات لم تقلل بشكل كبير من حجم مخاطر الإصابة بالخرف التي يتعرض لها الأشخاص مع تقدم العمر.

وأوضحت "تياس" أنه يمكن الاستفادة من الدراسة وتطبيقها على المسنين؛ إذ إن الأمراض المرتبطة بالعمر، مثل الخرف ، آخذةٌ في الازدياد، ومع ذلك يمكن الوقاية من الخرف أكثر مما يدرك الناس، فإن المشارِكات اللاتي يتحدثن أربع لغات أو أكثر كُنَّ أقلَّ عرضةً للإصابة بالمرض بمقدار سبع مرات مقارنةً بمَن يتحدثن لغةً واحدةً فقط، وهذه المعرفة يمكن أن توجه الإستراتيجيات الرامية إلى تعزيز التعددية اللغوية وغيرها من التدريب اللغوي؛ للحد من خطر الإصابة بالخرف، وتشجيع الناس على الحفاظ على نشاطهم الإدراكي كإستراتيجية لمنع الخرف، وتشمل الخيارات الصحية التي تساعد على حمايتنا من الخرف النشاط البدني والعقلي، والمشاركة الاجتماعية، والأكل بشكل جيد، والسيطرة على الظروف الصحية مثل ارتفاع ضغط الدم.

ويحدث الخرف من جَرَّاء الإصابة بالأمراض والإصابات التي تلحق بالدماغ في المقام الأوّل أو الثاني، مثل مرض ألزهايمر أو السكتة الدماغية، ويُعَد من أهمّ الأسباب التي تؤدي إلى إصابة المسنين بالعجز وفقدانهم استقلاليتهم.

تحفيز نشاط الدماغ

كانت دراسة سابقة، أعدها فريق بحثي من "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" قد أظهرت أنه "على الرغم من أن اللغة ترتبط تقليديًّا بنصف الدماغ الأيسر، فإن النصف الأيمن يبدو أنه يُسهم في إدراك طبقات الصوت الخاصة بكل لغة"، في إشارة إلى مدى الديناميكية والنشاط الذي يمارسه الشخص في إطار رحلته لتعلُّم أكثر من لغة، سواء فيما يتعلق بالتدريب المعرفي أو أنشطة تحفيز الدماغ.

وتذهب الدراسة إلى أن "الأشخاص الذين يتمتعون بوجود كمية أكبر من الألياف المتراصَّة بتناسُق في نصف الدماغ الأيمن يكونون أكثر قدرةً على تعلُّم اللغات، إذ تزيد الألياف المتراصة بتناسقٍ عالٍ من سرعة نقل المعلومات داخل الدماغ".

وتشير إحصائيات خاصة بمنظمة الصحة العالمية إلى أن هناك حوالي 50 مليونًا من المصابين بالخرف حول العالم، وأنه من المتوقع أن يتضاعف هذا العدد ثلاث مرات بحلول عام 2050.

وتتفق نتائج الدراسة الحالية مع نتائج بحث أجراه باحثون بجامعة بنسلفانيا، وانتهوا فيه إلى أن "تعلُّم لغة ثانية في أي مرحلة عمرية يزيد كفاءة وظائف الدماغ، مثله مثل التمرينات البدنية".

ورصد الباحثون "وجود تغيُّرات تشريحية إيجابية في الدماغ في كبار السن، إذ بدا الدماغ أكثر مرونةً مما يُعتقد، وأن هذا الأمر مشجع للغاية؛ إذ إن تعلم لغة جديدة يمكن أن يساعد أيضًا في تقليل الأعراض السلبية المصاحبة للتقدم في العمر"، على حد وصفهم.

اللغة والقدرات العقلية

في السياق، أجرى فريق من الباحثين في جامعة لوكسمبورج دراسة على 232 متطوعًا يتحدثون ما بين لغتين إلى 7 لغات، وتبلغ أعمارهم 65 عامًا أو يزيد، تؤكد أهمية الدور الذي يؤديه تعدُّد اللغة فيما يتعلق بالقدرات الإدراكية لكبار السن.

وتشير تلك الدراسة إلى أن "ممارسة التعددية اللغوية منذ الصغر، أو تعلُّمها بوتيرة سريعة، تؤدي إلى تعزيز الاحتياطي المعرفي لدى الشخص، وتحافظ على وظائف المخ في أثناء الشيخوخة، وأنه كلما تحدث الشخص ثلاث لغات أو أكثر، كان لذلك تأثيرٌ وقائي فيما يتعلق باحتمالات إصابته بالخرف أو ألزهايمر، وأن ليونة الدماغ وقابليته للتعلم تستمر مع تقدُّم العمر، وأن التحفيز الدماغي يستمر طوال الحياة، ما يساعد على مواجهة أمراض التنكس العصبي مثل مرض باركنسون.

من جهته، يقول هاشم بحري -أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر- في تصريحات لـ"للعلم": "إن خلايا المخ مثل عضلات الجسم، كلما كان الاهتمام بها في الصغر، حافظت على قوتها في الكبر، والتنقل بين اللغات المختلفة يؤثر إيجابًا على كفاءة شبكة الاتصالات بين الخلايا في الكبر ويحميها من الإصابة بالخرف".

ويضيف أن "الاهتمام العام بصحة الدماغ وأساليب الحفاظ عليها يتوافق مع مدى القدرة على الاستفادة بمرونة الدماغ في استخدامه بطريقة يدوم تحفيزها طوال الحياة، وهو الأمر الذي يحدث من خلال المواظبة على تعلُّم لغات مختلفة، ولعل هذا هو ما عكسته النتائج التي تربط بين زيادة عدد اللغات التي يتم استخدامها إلى أربع لغات أو أكثر وتقليل احتمالات ظهور أعراض الخرف".

بدورها، ترى نهلة السيد -أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم" أن "تعلُّم اللغات يُعد إحدى وسائل تأخير الإصابة بالخرف، لكن الأمر يختلف من شخص يهتم بتنمية عقله من خلال التعلُّم المستمر أو العلاقات الاجتماعية والرياضة والتغذية الصحية، وآخر لا يهتم بذلك إطلاقًا".

تعلق "تياس" قائلة: إن اللغة تُعَد إحدى أكثر مهمات الدماغ البشري إعجازًا، والتبديل بين لغات مختلفة يساعد على تنشيط المرونة المعرفية للشخص، كما يرتبط تعدُّد اللغات بنشاط الوظائف التنفيذية للدماغ، مثل تحفيز الذاكرة العاملة، وتعزيز القدرة على التذكر والتركيز وتنظيم المهمات، وغيرها من الوظائف التي تحافظ على استمرارية تنشيط الدماغ، ومن المنطقي أن تكون أدمغة مَن يتحدثون أربع لغات أو أكثر في وضع أفضل من أحاديي اللغة أو مَن يتحدثون عددًا أقل من اللغات، وكلما حاول الشخص تعلُّم مزيد من اللغات، أدرك ما ينطوي عليه الأمر من تقليل الأعراض السلبية المصاحبة لتقدم العمر.