على ما يبدو أن 2500 حريق يلتهم المساحات الحرجية سنويًّا لم يدفع الوزارات والإدارات اللبنانية المعنية إلى أخذ زمام المبادرة ووضع خطة جدية لإدارة الحرائق، على الرغم من ضخامة الأمر وفظاعته، حتى إن الحريق الهائل الذي اجتاح يوم الإثنين بلدة الدبية والمشرف في الشوف- إقليم الخروب، جنوب العاصمة بيروت، وتبعه 200 حريق في مناطق لبنانية مختلفة، لا يزال بعضها مشتعلًا، والخطر لا يزال كبيرًا.

"لم ينتهِ موسم الحرائق بعد"، هذا ما يؤكده جورج متري -مدير برنامج الأراضي والموارد الطبيعية في معهد الدراسات البيئية في جامعة البلمند- في حديث إلى مجلة "للعلم"، مضيفًا أنه "بالرغم من أن مؤشرات اندلاع الحرائق تُظهر أن اليوم الأربعاء وغدًا الخميس سيشهدان انخفاضًا في وتيرة الحرائق التي شهدناها في اليومين الماضيين، إلا أن ذلك لا يعني أن الحرائق ستتوقف، فهذا يعتمد على نسب المتساقطات وتوزيعها على الأراضي اللبنانية".

وفي وقت متأخر من ليل "الثلاثاء"، بدأت الأمطار بالهطول على جميع الأراضي اللبنانية، في ظاهرة علمية يُطلق عليها اسم Flammagenitus، بحيث لفت رئيس ​مصلحة الأرصاد الجوية​ في ​مطار بيروت الدولي،​ مارك وهيبي، في حديث تلفزيوني إلى أن "تلك الأمطار​ أسهَمَت في إخماد جزء من ​الحرائق،​ وما زالت الجهود مستمرةً لإخماد ما تبقى منها"، مشيرًا إلى أن "المعنيين أعلنوا ان نحو 80% من الحرائق قد أُخمدت و​الطقس​ سيتغير نحو تدنٍّ إضافي في ​درجات الحرارة​، ونحن على موعد مع الأمطار؛ نتيجة منخفض جوي كان فوق ​البحر المتوسط​ جنوبًا، وهو يقترب نحونا أكثر فأكثر".

من جانبه، يشير "متري" -الذي نفذ دراسة عن خطر الحرائق بالتعاون مع وزارة البيئة- إلى أن 15% من مساحة لبنان، لا سيما في جبل لبنان وشمال لبنان، حيث ترتفع كثافة الغطاء النباتي، معرضة للاشتعال على نحو "مرتفع جدًّا" وفق وصفه، في حين تتعرض 34% لحرائق يتراوح خطرها بين متوسط ومرتفع، في الوقت الذي فيه لم تغلق الحرارة المرتفعة باب موسم الحرائق، الذي كان سابقًا يبدأ في يوليو ويستمر حتى أكتوبر، ولكن من المرجح -وفق "متري"- أن "يستمر حتى نهاية شهر ديسمبر"، وهي فترة حرجة جدًّا في السنوات الأخيرة.

ووفق متخصصين فإن حجم الحرائق في لبنان هذا العام جاء مفاجئًا ومتعديًا للتوقعات، وارتفاع درجات الحراراة وشدة الرياح زادا من حدتها ومساحة رقعتها. وتصنَّف الحرائق وفق الترتيب العلمي التالي الموضوع من قِبَل جامعة البلمند في لبنان وفق الخريطة المرفقة: خطر عالٍ جدًّا، خطر عالٍ، خطر متوسط، خطر متدنٍّ، ولا خطر.

وقد شهد لبنان اندلاع حرائق كبيرة في كلٍّ من بلدات: المشرف والدبية- الشوف، جعيتا، القرنة الحمرا، بنشعي، مزيارة، وفق بيان صادر عن الجيش اللبناني، الأمر الذي دعاهم إلى استخدام أربع طائرات هليكوبتر تابعة للقوات الجوية، وبمساعدة طائرتين متخصصتين في إطفاء الحرائق استُقدمتا من قبرص، وبالاشتراك مع عناصر من الدفاع المدني لمحاصرة هذه الحرائق التي لا يزال العمل جاريًا على إخمادها، على الرغم من وجود بعض العوائق من الدخان كثيف وخطوط الضغط العالي التي تمنع في بعض الأحيان التدخل السريع والفعال. وقد وضع الجيش عددًا من الطوافات في حالة جاهزية تامة في القواعد العسكرية كافة؛ للتدخل عند حصول أي تطور في مختلِف المناطق اللبنانية.

وقد استُشهد سليم أبو مجاهد، العنصر المتطوع في الدفاع المدني، على إثر نوبة قلبية ألمت به بعدما كان قد ساعد في إطفاء ​الحرائق​ في بتاتر في بلدة عالية، وعلى الفور تم نقله إلى مستشفى سان شارل، ولكنه ما لبث أن توفي.

على الصعيد الطبي، تابع وزير الصحة العامة د. جميل جبق من إيران، نتائج الحرائق التي اجتاحت لبنان، وما تسببت فيه من إصابات بلغ عددها أكثر من مئة بين حالات اختناق وحروق، إضافة إلى حالة وفاة.

وأوعز الوزير "جبق" إلى جميع المستشفيات باستقبال الحالات المتضررة صحيًّا والتغطية على نفقة الوزارة مئة في المئة. كما تم التنسيق بين مكتب وزير الصحة العامة وعدد من شركات المستلزمات الطبية؛ لتقديم مستلزمات تشمل مواد الإغاثة الأولية وتوزيعها على فرق الإسعاف الموجودة على الأرض، ومراكز الدفاع المدني والرعاية الصحية الأولية، والجمعيات الأهلية الصحية.

ما أسباب الحرائق؟ وكم كلفتها؟

يقول "متري" إن "عدد الحرائق الذي بلغ 200 حريق في اليوم نفسه يدفعك لإثارة الشكوك حول افتعال إضرامها، وخصوصًا أنه لا يوجد أي سبب طبيعي لاندلاع الحرائق، والذي عادةً يكون ضرب البرق للمناطق الجافة، وهو أمر لا يحدث بتاتًا في لبنان، والنسبة الأكبر من الحرائق مفتعلة بفعل الإنسان".

ويصنف "متري" أسباب الحرائق في لبنان بين المباشرة وغير المباشرة:

  • الأسباب المباشرة:
  • تنظيف المزارعين للأراضي عبر إضرام النار في الأعشاب اليابسة التي نمت بفعل كمية الهطولات المطرية التي شهدها لبنان الشتاء الماضي.
  • موسم الجفاف الذي يمتد إلى 6 أشهر.
  • إضرام النار في مكبات النفايات العشوائية الموجودة بالقرب من المناطق الحرجية أو داخلها.
  • الأنشطة التي تقام في الغابات من قِبَل المخيمات، والتي تؤدي إلى افتعال الحرائق.

  • الأسباب غير المباشرة:
  • عدم صيانة الغابات.
  • إهمال الغطاء الحرجي والنباتي.

وعلى الصعيد نفسه تدفع الدولة اللبنانية فاتورة الحرائق التي تبلغ كلفتها نحو 125 مليون دولار، وفق ما يوضح شادي عبد الله، الباحث في "المركز الوطني للاستشعار عن بعد"، وهي ناتجة عن حرائق الغابات المنتِجة كالصنوبر البري (صنوبر بروتي) بشكل كبير، والصنوبر المثمر والسنديان الذي يقع معظمه على ارتفاع يتراوح بين 700 و1200 متر فوق سطح البحر، بمساحة 1200 هكتار سنويًّا تقريبًا (12 مليون متر مربع) تتعرض لتدمير جزئي، في حين لم تتجاوز المساحة المدمرة كليًّا بسبب الحرائق مساحة الألف هكتار منذ عام 1992 حتى الآن.

وتشير التقارير التي تنشرها مديرية الدفاع المدني إلى الاستجابة لإطفاء آلاف الحرائق التي يمكن السيطرة عليها، ولكن الحرائق غير المسيطر عليها لا تتجاوز المئة وخمسين حريقًا سنويًّا، وفق ما يقول "متري".

أين أصبحت الإستراتيجية الوطنية لإدارة حرائق الغابات؟

إقرار لبنان "الإستراتيجية الوطنية لإدارة حرائق الغابات" في عام 2009 ساعد على وضع أطر قانونية لإدارة الحرائق، ولكن الإستراتيجية لم تطبق بشكل كامل، وتحتاج إلى تحديث. من جهته، يقول جواد بو غانم، عضو جمعية الثروة الحرجية والتنمية (AFDC) التي أسهمت في إعداد الإستراتيجية، في حديث إلى مجلة "للعلم": "إن الإستراتيجية ركزت على الدور المَنوط بكل الجهات المعنية بالحرائق، لا سيما كُلّ من وزارة الداخلية والدفاع والزراعة، وأعطت دورًا للبلديات والمجتمع المدني، وكيفية التحرُّك في حال اندلاع الحرائق".

ويضيف "بو غانم" أن "بعض البلديات أصبحت مجهزة، وتم إنشاء وحدات متطوعة من أجل مساندة الدفاع المدني، وحصل الدفاع المدني -الذي يقتصر عدد منتسبيه على 400 متطوع- على تجهيزات عدة، ولكنها تبقى غير كافية"، مشيرًا إلى أن "سيارات الإطفاء الكبيرة مخصصة للحرائق التي تندلع في المدن، وليست مجهزةً للتعامل مع حرائق الأحراج"، مع العلم أن الدفاع المدني لديه 7 سيارات إطفاء ذات حجم صغير مخصصة لحرائق الأحراج، لكن ذلك أيضًا يظل غير كافٍ".

ما مدى فاعلية طوافات سيكورسكي؟

شهدت وسائل التواصل الاجتماعي جدلًا حول 3 طوافات من نوع Sikorsky متوقفة في مطار بيروت، وتحتاج إلى صيانة بتكلفة 450 ألف دولار، الأمر الذي دفع وزير الداخلية السابق، زياد بارود، إلى التغريد على حسابه قائلًا: "إن الطوافات الثلاث كانت هبة، ولم تكلف الدولة قرشًا واحدًا، وشملت الهبة الصيانة لثلاث سنوات وتدريب الطيارين"، مضيفًا أن "سلاح الجو في الجيش هو الذي اختار المواصفات مع مؤسسة Veritas، ومن ثم أرسل دفتر الشروط إلى 21 شركة عالمية، ورسا على الأدنى سعرًا".

وأضاف "بارود" أن "الطوافات استُعملت على مدى 3 سنوات، وشاركت حتى 2013 بمكافحة ما يزيد عن 11 حريقًا بفاعلية. هل المسألة تتعلق فعلًا بالصيانة؟ أم ثمة أسباب أخرى مخفية؟

وعلى الرغم من ذلك، يرى "بو غانم" أن "الطوافات التي يتحدث عنها الوزير "بارود" ليست مناسبة لطوبوغرافية لبنان، خصوصًا أن الطائرة مصنوعة لنقل الجنود وليست لإطفاء الحرائق"، مشيرًا إلى أن الطوافات من نوع "Heuy II" التي يملكها الجيش اللبناني هي أفضل بكثير.

وتعتبر طائرات Huey II نسخة مطورة من مروحية Bell UH-1H multimission، التي حصل عليها لبنان كهبة من الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2014، وقد تم تصميمها وتصنيعها بواسطة Bell Helicopter، إحدى الشركات التابعة لـTextron.

ويمكن استخدام الطائرة نفسها في مجموعة من المهمات، من ضمنها الاستجابة للكوارث، ومكافحة الحرائق، والبحث والإنقاذ، ونقل القوات المسلحة، والشحن، والعمليات الخاصة.

ما العمل؟

يستوجب العمل على مكافحة الحرائق تنفيذ إجراءات فورية، أولها تفعيل خطة الطوارئ والتعاون بين الوزارات -لا سيما وزارات البيئة، والداخلية، والزراعة، والدفاع- والبلديات، وكذلك جميع الإدارات المعنية بالتصدي للحرائق، وأيضًا تفعيل عمل هيئة إدارة الكوارث، التي أنشأها مجلس الوزراء قبل سنوات، ووضع آلية للإنذار المبكر، بحيث توجد فقط آلية إنذار مبكر خاصة بالعواصف والسيول والتسونامي، فضلًا عن تحديث قانون الغابات الصادر في عام 1949، وتعديل القانون رقم 85 الصادر في عام 1991، الذي يقضي بتمديد فترة موسم الحرائق، وتقليم الغابات الصنوبرية، ضمن خطة إدارية تشرف عليها وزارة الزراعة.

وكان زاهي شاهين -مدير وحدة إدارة الكوارث في مجلس الوزراء- قد أكد مؤخرًا في حديث صحفي إلى صحيفة "النهار" أن هناك مشروعًا يتمّ تحضيره مع "مجلس الإنماء والإعمار" لتأسيس "المنصة الوطنية للإنذار المبكر"، التي تجمع كل الأطراف على آلية عمل واضحة، مع نهاية عام 2020 في حال تأمَّن التمويل اللازم.

ماذا تفعلون للحد من تأثير الحرائق على صحتكم؟

تسببت الحرائق التي غزت الأحراج اللبنانية في أكثر من مئة إصابة، بين حالات اختناق وحروق وحالة وفاة. ولذلك عمّمت وزارة الصحة العامة اللبنانية التعليمات التالية حول الإجراءات التي يمكن أن يتخذها المواطنون لتفادي مخاطر الدخان المنبعث من الحرائق خلال فترة الحرائق وبعدها:

  • ضرورة البقاء في الداخل، مع إقفال الأبواب والنوافذ جيدًا.
  • تشغيل المكيّف على إعداد "إعادة الدوران"، وتنظيف الفلتر الخاص به أو تغييره في حال الحاجة.
  • تجنُّب مصادر التلوث الداخلي كالتدخين والمواقد والشموع والبخور والقلي والشي- داخل المنزل، واستخدام المكنسة الكهربائية.
  • عدم تشغيل المولدات التي تعمل بالبنزين في المنزل؛ إذ ينبعث منها أول أكسيد الكربون الذي يشكل خطرًا.
  • في السيارة يجب إقفال النوافذ والفتحات، وتشغيل المكيّف على إعداد "إعادة التدوير".
  • في حال الوجود في منطقة تعتبر عرضةً للحريق، يُنصح باقتناء الأقنعة الخاصة التي تحمي من الدخان، إضافةً إلى مستلزمات الطوارئ التي قد تكون ثمة حاجة إلى استخدامها في حال الاضطرار إلى مغادرة المنزل سريعًا.
  • اختيار قناع الوجه من نوع N95 أو N100 الخاص بهذه الحالات؛ بهدف تأمين الحماية من الجزيئات الدقيقة، وهي أقنعة مزودة برباطين، بحيث لا ينصح باعتماد الأقنعة ذات الرباط الواحد؛ لاعتبار أنها لن تحمي الفم والأنف جيدًا. علمًا بأن هذه الأقنعة تتوافر في الصيدليات وفي محال الأجهزة الطبية. ولا بد من الإشارة إلى ضرورة الحرص على الأطفال؛ لعدم توافر هذه الأقنعة لهم، وإبعادهم عن الأماكن التي تشكل خطرًا عليهم.
  • يجب عدم الاعتماد على الأقنعة الجراحية؛ لأنها لا تفيد في هذه الحالة.
  • يجب عدم الاعتماد على الأقنعة والمناشف الرطبة حصرًا؛ لأنها لا تحمي من الجزيئات الدقيقة.
  • ضرورة التقيّد بإشعارات الإخلاء، والانتقال إلى أماكن سكن بعيدة عن أماكن الحرائق والدخان.
  • يجب التوجه إلى المستشفى الأقرب لدى ظهور أيٍّ من الأعراض التالية:
  1. صفير في الصدر عند التنفس.
  2. شعور بالوخز والحرقة في العينين والحلق.
  3. شعور بالحرقة في الغشاء المخاطي.
  4. ضيق وألم في الصدر.
  5. سعال حاد.