كل عام وأنتم بخير.

في الأعياد يذهب الناس إلى المتنزهات والحدائق والشواطئ، حيث يمرحون ويلعبون ويسبحون، يبحثون عن متعة الروح والجسد، ولكن في بعض البلاد يذهب الناس إلى قاعة المحاضرات للاستماع إلى محاضرة في العيد!! نعم يذهبون إلى هناك من أجل حضور محاضرةٍ علميةٍ رصينةٍ تداعب العقل والروح، يتلمَّسون فيها جوانب العلم والمعرفة.

دعني أصحبك عزيزي القارئ في رحلة عبر الزمان والمكان، وآخذك في الزمن الماضي إلى واحدة من تلك المحاضرات التي يذهب إليها بعض الناس في الأعياد.

نحن في عام 1825م، إذ تقام في المعهد الملكي في العاصمة البريطانية (لندن) سلسلة من المحاضرات التي أسسها مايكل فاراداي، سُميت بمحاضرة عيد الميلاد (أو محاضرة الكريسماس)، تلك المحاضرات التي كانت مخصصةً للشباب ولكنها اجتذبت الجمهور العام من كل الأعمار، وهي تُعقَد سنويًّا حتى يومنا هذا.

تكالب الناس لحضور محاضرات عيد الميلاد تلك، والتعرُّف على التاريخ الكيميائي للشمعة، فاكتظت العربات التي تجرُّها الجياد في الشوارع المحيطة بالمعهد الملكي في العاصمة البريطانية، وتقاطعت الطرق وتوقفت حركة المرور، وجرت إعادة تنظيم السير، ولأول مرة في التاريخ يتم ابتكار الشوارع أحادية الاتجاه، إذ جرت إعادة تخطيط الاتجاهات في الشوارع المحيطة بالمعهد الملكي لينساب المرور مجددًا في عاصمة الضباب!!

ما زلنا في الزمن القديم، ففي عام 1848 كانت هناك علامةٌ مميزةٌ في تلك السلسلة حين تحدث "فاراداي" عن "التاريخ الكيميائي للشمعة" فألقى ست محاضرات حول كيمياء وفيزياء اللهب كجزء من سلسلة محاضرات عيد الميلاد.

قال المحاضر في مقدمة حديثه: "نستطيع أن نتعلم الكثير من مبادئ الفيزياء والكيمياء حين نتمعن في دراسة احتراق الشمعة"، كانت المحاضرات مثيرةً وممتعة؛ إذ بينت كيف تتحول الأطوار الصلبة والسائلة والغازية بفعل الحرارة، فيتحول الشمع الصلب إلى مصهور الشمع، وكيف يرتفع المصهور في فتيل الشمعة نتيجة الخاصية الشعرية واختلاف الضغط الأسموزي داخل الشعيرات، ثم كيف يتحول المصهور إلى بخار هيدروكربوني يتطاير فوق الفتيل ليقابل أكسجين الهواء الجوي ويتفاعل معه ليحدث الاشتعال.

وصفت المحاضرات مناطق الاحتراق المختلفة في لهب الشمعة، وأظهرت وجود جزيئات الكربون المتوهجة في منطقة الإنارة ليشع اللهب بالضياء، وتضمنت العروض التوضيحية المصاحبة للمحاضرات توصيف نواتج الاحتراق من غاز ثاني أكسيد الكربون والماء وتحليلها، وشرحت خصائص غازات الهيدروجين والأكسجين الناتجة وإعادة اتحادها لتكوين الماء.

بعد ما يزيد عن قرن كامل وبضعة عقود من الزمان، شاء قدَري أن أحضر واحدةً من محاضرات الأعياد في المعهد الملكي بلندن، حيث تحدث المحاضر عن بناء الجسور، وبيَّن كيف تتواصل جسور العلم والمعرفة بين العلوم البحتة والهندسة التطبيقية لتبني جسورًا ماديةً عابرةً للمدن والأنهار.

توصيل العلوم

توصيل العلوم يعني المعرفة والتوعية بالعلوم للعامة، وإثارة الشغف بالعلم، ويسعى إلى تعليم العلوم للصغار بما ينعكس على قدرة المجتمع الإنتاجية والاقتصادية، ومن ثم صار توصيل العلوم قضيةً مهمةً للأفراد والمجتمعات؛ إذ ينعكس التواصل العلمي على تطور المجتمع الاقتصادي وقدرته التنافسية، ولقد أكدت دراسات منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) وجود علاقةٍ طرديةٍ بين فهم العلوم والقدرة الاقتصادية للمجتمع؛ فالعامل المتعلم له إنتاجيةٌ أفضل من العامل الذي يتَّسم بالأمِّيَّة العلمية. 

شغلت قضية توصيل العلوم والإعلام العلمي بالَ العلماء؛ فهي جزءٌ من رسالتهم الإنسانية والمجتمعية، وتطورت أساليب التواصل العلمي ليصبح علمًا رصينًا له أصوله وقواعده، يطلَق عليه "علم توصيل العلوم"، وهو علمٌ متشعبٌ له جوانب متنوعة.


ولعلنا ندرك الآن أن الناس كلهم يحتاجون إلى فهم العلوم للتعامل مع أمور حياتهم بكفاءة في عالمنا الحديث الذي يقوم على التكنولوجيا المتطورة، فنحن نعيش في مجتمعٍ يحتاج فيه الأفراد -وإن اختلفت درجة تحصيلهم العلمي- إلى التواصل معًا، بل إلى التعامل والتواصل مع الآلات أيضًا من خلال التكنولوجيا الحديثة التي تتغير في أفكارها وأساليبها وتحتاج إلى المتابعة والفهم.

بالإضافة إلى ذلك فإن محو الأمية العلمية يمكن أن يفيد الحكومات والمجتمعات، وذلك لأن الناخبين أصحاب المعرفة يؤسسون مجتمعًا أكثر ديمقراطيةً وفاعلية، وعلاوةً على ذلك، فالعلم يؤدي إلى صنع القرار الأفضل، إذ إنه يقوم بحل أسئلة تحيِّر الإنسان العادي، فيعرف مثلًا كيف يؤثر نشاط الإنسان على المناخ، ولماذا يجب أن يتوجه المجتمع نحو الطاقة النظيفة.

فضلًا عن كل ذلك، فإن التواصُل العلمي للعامة يمكن أن يولِّد الدعم للبحث العلمي والدراسات العلمية، ويحفِّز الابتكار الذي يدفع المجتمع، فضلًا عن أن التواصل العلمي يعزِّز صورة العلماء ويبيِّن دورهم في دعم المجتمع، كما يثير الشغف بفهم الأساليب العلمية الحديثة بدلًا من الاعتماد الكلِّي على ما توصَّل إليه العلم القديم.

علم توصيل العلوم

لو تأملنا خريطة التعليم للتواصل العلمي والتدريب للإعلام العلمي وأساليبه لتوصيل العلوم إلى العامة، فسنجد أن "علم توصيل العلوم" علمٌ متقدمٌ يتم تدريسه في جامعات الغرب، وهذا المجال يحتاج إلى دعمٍ كبيرٍ في المنطقة العربية، فعلى الرغم من وجود كلياتٍ للإعلام في الوطن العربي، فإنه لا توجد درجة علمية للإعلام العلمي في الجامعات العربية، في حين توجد درجات علمية جامعية (بكالوريوس) ودرجات عليا (دبلوم وماجستير ودكتوراة) تختص بالإعلام العلمي تقدم خارج العالم العربي (خاصةً أوروبا وأمريكا).

وربما تتنوع أساليب توصيل العلوم؛ فقد يكون التخصص الدقيق في أحد فروع هذا العلم المتنوعة مثل الصحافة، أو الإذاعة، أو معارض ومتاحف العلوم أو الإنتاج الإعلامي وغيرها.

وفي هذا السياق، يدرَّب الطلاب على أساليب التواصل الشخصي واكتساب مهارات التأثير مثل التي يقوم بها الممثلون المحترفون، فقد يستخدم الطالب أساليب فنية، ويلجأ إلى استخدام وسائل الترفيه والإقناع، المتضمنة روح الدعابة ورواية القصص، وقد يلجأ إلى حكاية قصة؛ فهناك تدريب "قل لي قصة"، وكذلك استخدام مختلِف وسائل الرسم والتصوير والتشبيهات والاستدلال والمحاكاة، ويمكن التدرُّب على العديد من هذه الوسائل من أجل تحسين سبُل التواصل العلمي وأساليبه.

وهنا قد يحتاج الطالب أيضًا إلى دراسة تاريخ العلوم إلى جانب دراسة وسائل الإعلام الرئيسية وعلم النفس أو علم الاجتماع لتتبين أهمية العلم وصلته بالمجتمع، وفي هذا الصدد ينبغي تعزيز مبادئ العلم لدى الجمهور وشرحه وفقًا للفهم الجيد للعلوم الاجتماعية، ويجب أن يستخدم العلماء وسائل الإقناع ويعملوا على تفعيلها، وأن يكونوا دقيقين مطَّلعين على أحدث العلوم.

استخدم الأقدمون توصيل العلوم والمعارف بطرق جذابة، وأوصلت الكتب الدينية الحكمة والمعرفة لكل البشر من خلال القصص، (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ) [سورة يوسف].

ويقول عالِم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتين: "معظم الأفكار الأساسية للعلم بسيطة بشكل أساسي، وقد يمكن -كقاعدة عامة- التعبير عنها بلغةٍ مفهومةٍ للجميع".

ولعلني أذكر لأستاذي في الدكتوراة في جامعة لانكستر ببريطانيا "كيث مورجان" قوله: "لو لم تستطع توصيل موضوع رسالتك العلمية إلى طفلٍ عمره 8 سنوات، فأنت لا تفهم الموضوع!!".

الإعلام العلمي

يختلف الإعلام العلمي عن تعليم العلوم في نقطة أساسية؛ ففي تعليم العلوم نبدأ من معارف المعلم وما لديه من معلومات يودُّ توصيلها إلى المتعلم، ولكن حين نقوم على توصيل العلوم في (الإعلام أو غيره) فإن العملية تكون معكوسة، إذ نبدأ من المتلقِّي أو المتعلِّم لنتعرَّف على ما يحتاج إليه من المعرفة، ويتم التخطيط لتوصيل المعارف والعلوم إليه.

ويتكوَّن مخطط تحقيق التواصل والإعلام العلمي من أربع مهمات أساسية:

المهمة الأولى: تحديد العلم الأكثر صلةً بالقرارات التي يواجهها الناس.
المهمة الثانية: تحديد ما يعرفه الناس بالفعل، ثم العمل على التعرف على الفجوة المعرفية.
المهمة الثالثة: تصميم الاتصالات لملء الفجوات الحرجة (بين ما يعرفه الناس وما يحتاجون إلى معرفته).
المهمة الرابعة: تقييم مدى كفاية تلك الاتصالات.


وكما أسلفنا، فإنه يجب تحقيق التواصل العلمي الشامل في ضوء الاستعانة بالعلوم الاجتماعية، ومراعاة الأحوال المجتمعية والخلفية الاقتصادية للمجتمع.

خطوات على الطريق

-  لابد أن ندرك أن المناخ مختلف (ففي الخارج يكون الإقبال على العلم بإقامة محاضرة عيد الميلاد والإقبال عليها لتوصيل العلوم)، وهنا يجدر ابتكار أساليب تقديم العلوم للعامة، والتواصل مع المدارس العلمية العالمية ودعوتها للاستفادة من خبرتها في تعليم الإعلام العلمي (ويمكن الاسترشاد بالتجارب الناجحة في التعاون العلمي الدولي لإدخال العلوم الحديثة بالجامعات المصرية وغيرها).

- يجدر البناء على خارطة الطريق المقدمة من مجلس الثقافة والمعرفة بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجا المصرية، والتي اقترحت فيها العمل على إنشاء درجة علمية في مجال الإعلام العلمي.

- يمكن البدء بإعداد ندوة تدريبية في مجال التواصل والإعلام العلمي، وإعداد دراسة لإنشاء برنامج في إحدى كليات الإعلام حول الإعلام العلمي.

هذه خطوات على طريق العلم، وهو سبيل التقدم، يتطلب جهدًا ومثابرة، وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة.