التخلص من الهاتف الذكي القديم وشراء آخر جديد كل بضع سنوات أصبح أحد طقوس الإسراف التي لا مفر منها بالنسبة للكثيرين. ووفقًا لمركز بيو للأبحاث، فإن ما يقرب من ثلثي البالغين في الولايات المتحدة الأمريكية يمتلكون هواتف ذكية، ونتخلص من حوالي 130 مليون منها كل عام. ويتمثل أحد الحلول المقترحة لهذه المشكلة في استخدام هواتف ذكية تركيبية تسمح لصاحب الهاتف بالاستبدال بالأجزاء التي توقفت عن العمل، أو زيادة كفاءة الجهاز واستخدام مكوّنات أفضل، أو حتى تخصيص الجهاز حسب الطلب وفقًا لتفضيلاته الشخصية، مثلاً، كاميرا أفضل أو مساحة أكبر للتخزين الرقمي.

ظهرت هذه الفكرة في عام 2013، عندما قام ديف هاكينز -وهو طالب في أكاديمية آيندهوفن للتصميم في هولندا- بتحميل مقطع فيديو على موقع "يوتيوب" يشرح فكرته التي أطلق عليها اسم "هاتف المكعبات" Phonebloks. تنبهت شركة جوجل للأمر ودخلت في شراكة مع هاكينز لتطوير هاتف ذكي تركيبي -أُطلق على المشروع مؤقتًا "مشروع آرا"– بالاعتماد على فريق التكنولوجيا والمشروعات المتقدمة (ATAP) لديها، والذي نشأ مع استحواذ جوجل على شركة موتورولا موبيليتي. ومنذ ذلك الحين، تعكف كبرى شركات تصنيع الهواتف الذكية، وكذلك الشركات الناشئة، على العمل لطرح أجهزة الهواتف التركيبية في الأسواق.

غير أن المحللين يرون أن الهواتف الذكية التركيبية تواجه تحديًا صعبًا في كسب ثقة وإقناع مستهلكي الأجهزة التقليدية الذين اعتادوا على أجهزة أبل وأندرويد الملساء التي تتضمن كل ما يحتاجون إليه. وهناك أيضًا خطر أن تتخلف الأهداف الصديقة للبيئة وراء الاعتبارات التجارية إذا اتضح أن المستهلكين يفضلون الأجهزة ذات الحد الأدنى من المميزات التركيبية. فقد ركزت أولى محاولات الشركات المصنعة الكبرى مثل إل جي إلكترونيكس وموتورولا موبيليتي -والتي تملكها الآن شركة لينوفو الصينية، رغم بقاء فريقATAP  في جوجل- بشكل عام على أن تكون الوحدات التركيبية هي الوحدات المُلحَقة البسيطة، مثل كاميرات أفضل أو سماعات أفضل. ولكن هذا يعني أنه لا يزال من الممكن أن يصبح جهاز الهاتف الذكي نفسه قديمًا وغير محدث في غضون بضع سنوات.

كما يبدو أيضًا أن "مشروع آرا" الذي أطلقته جوجل قد ابتعد عن الفكرة الأصلية؛ فكرة الهاتف التركيبي بصورة كاملة أو "هاتف المكعبات". ففي مؤتمر جوجل "آي/أو" الذي عُقد في مايو 2016، أعلنت جوجل أن النسخة الأولى من الهاتف الذكي التركيبي سيكون لها إطار أساسي يتضمن وحدة المعالجة المركزية CPU، ووحدة معالجة الرسومات GPU، والهوائيات، وأجهزة الاستشعار، والبطارية، والشاشة –وهي بنية أقل طموحًا ومرونة من التصور الذي وضعه هاكينز. ومع ذلك، فإن نسخة "المطوِّرين" الحالية من هاتف جوجل الذكي التركيبي تعلن عن خيارات للمستخدم في التصميم تجعله يشبه كتلاً ملونة جرى تركيبها معًا. وتتميز نسخة المطورين بأن لها ست فتحات تناسب توصيل أي وحدة تركيبية، وتثبتها في مكانها عن طريق قبضة مغناطيسية. يقول رافا كامارجو -كبير المهندسين في "مشروع آرا"-: إن القرار بجعل تقنيات الهاتف الأساسية غير قابلة للتغيير تم اتخاذه بناءً على مفاضلة تُمكّن من التركيز على الوحدات التركيبية "التي تتيح الابتكار بشكل يفوق الوظائف التي تحصل عليها من الهاتف الذكي الذي نستخدمه اليوم".

ويقول كامارجو: "في الوقت الحاضر، معظم الأشخاص لا يختارون ترقية هواتفهم للحصول على المعالج الأحدث، إنهم لا يعرفون حتى ما هو ذلك المعالج، لكنهم يفعلون ذلك للحصول على أفضل كاميرا أو أداة استشعار البصمة، أو سماعة. كل هذا في جهاز واحد".

كانت هذه التغييرات التي اقترحتها جوجل بمنزلة مفاجأة لستيفان هانكامر، الباحث المشارك في "مجموعة إدارة التكنولوجيا والابتكار" في الجامعة التقنية الراينية الفستفالية بآخن في ألمانيا، حيث استخدم هانكامر وزملاؤه "مشروع آرا" كدراسة حالة حول كيف يمكن لفكرة "التخصيص الشامل حسب الطلب" في الهواتف الذكية التركيبية أن تساعد في الحد من النفايات الإلكترونية. وستُنشر ورقتهم البحثية حول هذا الموضوع في دورية "بروسيديا سي آي آر بي" Procedia CIRP هذا الصيف. وعلى الرغم من خيبة الأمل إزاء تقليص جوجل لرؤيتها "لمشروع آرا"، فإن هانكامر يقول إن ذلك قد يكون خطوة ضرورية للتغلب على بعض التحديات الهندسية والتجارية -مثل ضمان أن كافة وظائف الهاتف الأساسية تعمل معًا بسهولة وانسجام- كي يتسنى لها طرح هاتف ذكي تركيبي في الأسواق بحلول عام 2017.

وبالمثل، فقد اهتمت الشركات الناشئة بتعزيز الطبيعة التركيبية للهواتف الذكية، فأحدث أجهزة شركة فيرفون الهولندية الناشئة يتميز بالمزيد من القطع التركيبية بحيث يتماشى مع مفهوم "هاتف المكعبات". وتقول داريا كورنيوشكينا -مديرة المشاركة المجتمعية بالشركة-: إن الشركة قد باعت منذ يوليو عام 2015 أكثر من 40 ألف جهاز من الهاتف الذكي فيرفون 2 Fairphone 2 ، والذي يشبه الهاتف العادي من الخارج ولكن به وحدات قابلة للإزالة بسهولة تحمل بعض المكونات -مثل الشاشة، والبطارية، والكاميرا، والسماعات، والميكروفونات- لتسهيل عملية الإصلاح. غير أن ذلك التصميم التركيبي كان لا بد أن يصاحبه بعض التنازلات؛ فعلى الرغم من أن الهاتف لا يباع في الولايات المتحدة، فإن تكلفته حوالي 500 دولار أمريكي، وهذا يتوقف على سعر صرف العملة وضريبة القيمة المضافة، وهي تقريبًا نفس تكلفة هاتف آي فون جديد من دون دعم الناقل اللاسلكي. ولكن ليتناسب تصميمه مع المزيد من المرونة فإن سُمك جهاز فيرفون 2 حوالي 11 ملم من الظهر حتى أعلى الشاشة، في حين يبلغ سُمك هاتف آي فون 6 التي تنتجه شركة أبل حوالي سبعة ملليمترات فقط.

هاتف بازلفون من شركة سيركيولار ديفايسيز. الصورة منشورة بإذن من الشركة

وتهدف شركة سيركيولار ديفايسز -وهي شركة فنلندية ناشئة- إلى بدء الإنتاج المنتظم لهاتفها بازلفون PuzzlePhone في عام 2017. ويتضمن التصميم الحالي للجهاز ثلاث وحدات: الوحدة الأساسية العلوية (الدماغ) التي تؤدي الوظائف الحرجة للحوسبة والذاكرة والكاميرا؛ والوحدة الوسطى (العمود الفقري) التي تضم الشاشة ووحدة المعالجة المركزية؛ والوحدة السفلية (القلب) التي تتضمن البطارية وبعض السمات الثانوية التي يختارها المستخدمون. يقول أليخاندرو سانتاكرو -الرئيس التنفيذي للشركة-: "لقد أجرينا أبحاثًا مكثفة حول رغبات المستخدمين، وتوصلنا إلى أن نموذج الوحدات الثلاث هو الأقرب إلى المنطق لتحقيق الاستدامة وسهولة الاستخدام، ولإتاحة الفرص لشركات أخرى في العمل على تطوير تلك الوحدات".

ويشير ويليام ستوفيجا -مدير برنامج تكنولوجيا وتوجهات أجهزة الهاتف المحمول بشركة أبحاث السوق "آي دي سي"- إلى أنه حتى تتمكن إحدى الشركات من طرح هاتف ذكي تركيبي ناجح في الأسواق، سيظل المحللون يشككون في مدى قبول الجماهير لتلك التكنولوجيا. ومن بين أبرز الأسئلة المطروحة هنا هو هل سيرغب العملاء في استبدال أجهزتهم الحالية بهواتف ذكية تركيبية أضخم حجمًا؟ قد تروق هذه الأجهزة لمجموعة صغيرة من العملاء الذين لديهم احتياجات متخصصة تتعلق بعملهم، أو المغرَمين بتبني التقنيات الجديدة الذين تعجبهم فكرة إمكانية "التخصيص حسب الطلب".

يقول توان نوين -خبير الهواتف الذكية بشركة جارتنر للأبحاث-: إنه بالإضافة إلى المخاوف المتعلقة بسُمك الجهاز، فإنه من غير الواضح إمكانية أن تصبح أسعار الهواتف الذكية التركيبية في متناول العملاء في الأسواق المتخصصة دون تحقيق مبيعات في السوق الجماهيرية من أجل خفض تكاليف إنتاجها. فيقول: "فكرة الهواتف الذكية التركيبية مطروحة منذ فترة، ولكنها لم تدخل حيز التنفيذ بعد. ونظرًا لبعض التباطؤ  الذي يشهده سوق الهواتف الذكية حاليًّا، فإن هذا الحل بمنزلة أحد الخيارات التي يمكن اللجوء إليها، ولكنه أبعد ما يكون عن وصفه بالدواء الشافي الذي تنتظره هذه الصناعة".

ويرى جيمس ساكلنج -زميل الأبحاث في مركز الاستراتيجية البيئية بجامعة سَرِي في إنجلترا- أنه حتى لو أمكن للهواتف الذكية التركيبية منافسة أجهزة آي فون وأندرويد، فإن قدرتها على الحد من النفايات الإلكترونية ستعتمد على مدى تمكُّن أصحاب الهواتف الذكية من تغيير عاداتهم القديمة. موضحًا أن الهواتف الذكية التركيبية يمكن أن تشجع الناس على التفكير أكثر في إعادة بيع الأجهزة الإلكترونية أو إعادة استخدامها، ولكن إذا اشترى المستهلكون أعدادًا كبيرة من الوحدات الإضافية لتبديل الوحدات في أجهزتهم فإن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة.