لفترات طويلة ظلت مقولة أن "الإنسان لا يستخدم سوى 10% فقط من دماغه" قالبًا نمطيًّا لا يجوز الاقتراب من أسواره أو المساس بـ"عتباته المقدسة"، لكن دراسة أعدها باري جوردون -عالِم الأعصاب بكلية الطب جامعة "جونز هوبكنز" الأمريكية- أثبتت زيف تلك المقولة، معتبرةً أنها "مجرد خرافة مثيرة للضحك".

يُرْجِع "جوردون" ذلك إلى أننا لا نفهم سوى 10% فقط من الآلية التي يتحكم بها الدماغ للإتيان بالتصرفات الحياتية والسلوكية، بدايةً من "تبادل الابتسامات" وانتهاءً بـ"تبادل اللكمات".

ففي عشرينيات القرن الماضي، نجح العلماء في قراءة الإشارات الكهربائية التي يموج بها الدماغ من خلال تقنية أُطلِقَ عليها اسم "رسم الدماغ الكهربائي" أو "تخطيط أمواج الدماغ" المعروفة اختصارًا باسم "إي إي جي"، وقتها ساد اعتقاد بأن البشرية باتت قريبة جدًّا من عبور خط النهاية في سباق "فحص الدماغ البشري".

 سرعان ما أثبتت الأيام أن هذا الاعتقاد لم يكن سوى وهم. ففي الفترة الأخيرة، بات العالم على موعد مع كتلة متحركة لا تعرف التوقف بحثًا عن فك مزيد من طلاسم وغموض ذلك الصندوق السحري المعروف بـ"الدماغ"، فالسعادة والكرم "سر دماغي" تتحكم فيه مجموعة وصلات "دماغية"، وتمييز الضحكات الزائفة عن "ضحكات القلب الصادق" تتحكم فيه مجموعة وصلات "دماغية"، والتعامل مع هجمات "الغزاة" تتحكم فيه مجموعة وصلات "دماغية"، وتغلُّب رواد الفضاء على شعور "العزلة"، الذي يصاحبهم في رحلتهم بعيدًا عن الكرة الأرضية، يحتاج إلى صديق لا يزيد عن كونه مجموعة "وصلات دماغية".

في هذه المجموعة الخاصة من التحقيقات، يكشف موقع "للعلم" كيف بات واضحًا أن محاولات كشف أسرار تلك المادة الرمادية القابعة داخل جمجمة كلٍّ منا، ورسم طبيعة العلاقة التي تربط وصلاتها المختلفة، تبقى مجرد محاولات بدائية ساذجة، وأن العلاقة بين "الدماغ" ومَن يريدون فك طلاسمه أشبه باصطدام كرة بحائط، كلما ارتدت منه، قالت هل من مزيد.

بداية، يرصد تحقيق أجرته رحاب عبد المحسن وجود اختلاف تشريحي في مخ مَن يعتدي جنسيًّا على الأطفال، أو حتى مَن لديه رغبة في إقامة علاقات جنسية مع الأطفال دون القيام بذلك، مقارنةً بمن لا يميلون إلى الاعتداء الجنسي على الأطفال أو حتى يفكرون فيه.

كما ترى دراسة فكت طلاسمها "بثينة صلاح" أن "كرم النساء" و"لطفهن" ليس وليد الصدفة، وإنما يتحكم فيه الناقل العصبي (دوبامين) الذي يحث النساء على السخاء، فيما تدفع "النواة المخططية" الرجال نحو التصرُّف بـ"نوع من الأنانية".

أما دعاء عبد الباقي فقد رصدت دراسة توضح وجود علاقة تبادلية بين "الدماغ" ومشاعر فقدان الأب، حيث يكون لفقدان الأب عواقب بدنية وسلوكية سلبية على الأطفال، وبخاصة الذكور؛ إذ يؤدي إلى قصر التيلوميرات، التي تغطي نهايات الكروموسومات بغرض حماية المحتوى الجيني، بنسب تتراوح بين 6 و16%، أما قصر التيلوميرات بدوره فيؤدي إلى الشيخوخة والوفاة المبكرة وارتفاع خطر الإصابة بالسرطانات، مثل سرطان الثدي والعظام والبنكرياس والكبد والرئة وغيرها.

في الوقت ذاته، يكشف بحثٌ عرضه أحمد حسن بلح أن "هناك وصلة عصبية بين مناطق الدماغ التي يجري تفعيلها عندما يمارس أحد الأفراد سلوك الكرم، وتلك المنطقة المسؤولة عن الشعور بالسعادة".

"وظائف الدماغ لا تقتصر على التحكم في الأفكار وفي وظائف الجسم الأساسية، ولكنها تتحكم أيضًا في طريقة استجابة الجسم لخطر الالتهابات البكتيرية الجرثومية"، كما أشار محمد السيد علي في تقرير نشرته "للعلم".

وأبرزَ التقرير الذي أعدته رشا دويدار أن "الدماغ لديه قدرة على التعلم في مراحل معينة في أثناء النوم، وأن الدماغ لا يكون فاقد الاتصال تمامًا بالبيئة المحيطة به في أثناء النوم، ولكن بإمكانه التعامل مع المعلومات الحسية وتشفيرها كي تظل بالذاكرة، ويمكن استخدامها فيما بعد في أثناء اليقظة".

ولم يقتصر الأمر عند حدود الدماغ البشري، إذ اكتشف مجموعة من العلماء أن بذور بعض النباتات تتصرف كما لو أنها تمتلك "أدمغة" تقرر متى ينبغي أن تبدأ عملية الإنبات، وفق ما وضحه محمد السنباطي في تغطيته الصحفية لإحدى الأوراق العلمية.