ترتبط تجربة الحمل لدى بعض النساء بأفكار سوداوية متشائمة، قد تؤدي إلى رفضهن فكرة الحمل والخوف منه، وربما يتطور هذا الأمر ليصل إلى حد إصابتهن بـ"رُهاب الحمل والولادة"، الذي يُعرف بـ"التوكوفوبيا".

وفي السياق، ذكرت دراسة أجراها باحثون بجامعة "دريسدن" الألمانية أن الخوف من تجربة الحمل قد يكون له علاقة بالسمات الشخصية للحوامل، وأن النساء الأقل استقرارًا من الناحية العاطفية والأقل انفتاحًا على الآخرين يملن إلى اعتقاد أن تجربة ولادتهن ستكون سيئة، خاصةً في الظروف غير المتوقعة مثل الولادة المبكرة، والولادة القيصرية الطارئة، والخضوع للتخدير.

من جهتها، تشير إيفا اسلمان -أستاذ علم النفس بجامعة بوتسدام، والباحث الرئيسي في الدراسة- إلى أن الفريق البحثي "استهدف تحديد ما إذا كانت السمات الشخصية المتباينة بين النساء تؤثر على تجاربهن فيما يتعلق بالحمل والولادة".

تقول "اسلمان" في تصريحات لـ"للعلم": العديد من النساء الحوامل يعانين من الخوف الشديد من الولادة بطرق مختلفة للغاية بسبب سماتهن الشخصية وتجارب حياتهن، وغالبًا ما تسعى النساء اللواتي يعانين من رهاب الولادة إلى تجنُّب الحمل، أو اللجوء إلى الإجهاض، كما أن القلق في أثناء الحمل -بما في ذلك الخوف الشديد من الولادة- قد يزيد أيضًا من خطر حدوث مضاعفات طبية في أثناء الحمل والولادة.

وتتابع: لذلك، كان من المهم تحديد السيدات الأكثر تعرضًا للمعاناة من رهاب الولادة بصورة تساعدهن على تجنب الدخول في حلقة مفرغة من الخوف الشديد عبر التدخلات المبكرة، وتشير الدراسات السابقة إلى أن النساء اللاتي لديهن مستويات متدنية من الاستقرار العاطفي والقبول الاجتماعي والأقل انفتاحًا على تجارب الآخرين قد يعانين بشكل أكبر من رهاب الولادة، لكن هذه الدراسات لم تجب عما إذا كانت السمات والتجارب الشخصية، مثل مرات الحمل السابقة والولادة المبكرة وطريقة الولادة، ترتبط أيضًا بظروف الوضع ذاته أم لا.

شملت عينة البحث 306 من الأمهات الحوامل اللاتي يتلقين الرعاية في العيادات الخارجية لأمراض النساء في مدينة "دريسدن" الألمانية في الفترة ما بين 2009 حتى 2012، وجرت متابعتهن لفترات زمنية منتظمة بدايةً من الأسبوع العاشر للحمل وانتهاءً بالشهر الرابع بعد الولادة.

وتم التعرُّف على السمات الشخصية للنساء المشارِكات من خلال نظرية "عناصر الشخصية الخمسة"، التي تحدد الشكل النهائي لشخصية كلٍّ منهن، وهي "القبول، والانبساطية، والعصابية، والانفتاح على التجارب، ويقظة الضمير أو التفاني".

تقول "اسلمان": افترضنا أن النساء اللاتي لديهن مستويات أقل من تلك العناصر الخمسة يكنَّ أكثر تعرضًا لـ"رهاب الولادة"، وتكون توقعاتهن أسوأ بخصوص التجارب الذاتية للولادة، ووجدنا أن السمات الشخصية يكون لها دورٌ أكبر بالنسبة للنساء اللواتي يعانين من ولادة مبكرة مقارنةً بمَن لا يخضعن للولادة المبكرة، وأن هذه العناصر تؤثر أيضًا على النساء اللاتي يخضعن لعمليات قيصرية مقارنةً بمَن يلدن بصورة طبيعية، وكذلك بالنسبة لمَن يحتجن إلى التخدير في أثناء الولادة مقارنةً بمَن لا يتم تخديرهن.

طلب الباحثون من النساء توقع عملية المخاض والمشاعر التي قد تنتابهن بعد الولادة، ورصد الباحثون المتغيرات الاجتماعية الديموغرافية للمشاركات (مثل العمر والتعليم والحالة الاجتماعية ووقت العمل ودخل الأسرة) من خلال إجراء مقابلات مباشرة معهن، وفحص الباحثون المعلومات المتعلقة بخصائص الولادة لدى المشاركات (مثل عدد مرات الإنجاب، والولادة المبكرة، وطريقة الولادة والتخدير) من خلال سجلاتهن الطبية، وتوصل الفريق البحثي إلى أن السمات الشخصية تؤثر تأثيرًا كبيرًا على التجارب الذاتية للولادة، خاصةً عند النساء اللاتي تعرضن لمُلابسات ولادة غير عادية.

تقول "اسلمان": نسعى مستقبلًا للتعرف على تداعيات تجارب الولادة الذاتية السلبية، سواء على النساء الحوامل أو على أطفالهن، وكذلك دراسة التأثيرات المتوقعة لنتائج البحث على تنظيم الأسرة، وحالات الحمل اللاحقة، وتجارب الولادة المستقبلية، كما نحاول أيضًا تحديد ما إذا كانت برامج التدخل المستهدفة لحماية النساء من تحمُّل العبء النفسي الذي يمثله الخوف الشديد من الولادة يمكن أن تقلل حدة الخوف من الولادة بشكل فعال أم لا، إضافةً إلى تحسين تجارب الولادة في المجموعات عالية الخطورة من خلال استهدافهن بمجموعة من التدخلات النفسية المبكرة.