تناول كابتشينو الصباح، والشوكولاته الساخنة مع الأصدقاء، والعصائر والمياه الغازية بين الوجبات، وشاي العصاري وقهوة المساء، مفردات عديدة لنظام غذائي يومي يعكس حجم ما نتناوله من السكر. ويبدو مع هذا الروتين أننا نعيش في عالم من السكر، لعلنا أردنا أن نحلي به مذاق حياتنا؟ ولكن هل انتبهنا إلى حجم ما نستهلكه من السكريات، مقارنةً بالطاقة التي تستهلكها أجسادنا يوميًّا؟ هل نتمتع بالرشاقة والصحة الجيدة أم نحن مثقلون بالسمنة وزيادة الوزن؟

لنا أن نختار أنماط استهلاكنا من الأغذية والمشروبات، ولكن علينا أن نعلم أن كل ما يحتاجه البالغ يوميًّا هو 25 جرامًا فقط من السكر، أي من 5 إلى 6 ملاعق شاي صغيرة. إن علبة واحدة من المشروبات الغازية فيها أكثر من 50 جرامًا من السكر، ناهيك عن العصائر بأنواعها، فأي نمط غذائي سنختار؟

من المعروف أن السكري والقلب والضغط من الأمراض المزمنة غير السارية (غير المعدية) وهي جميعًا ترتبط بالسمنة وزيادة الوزن. ولكن من الواضح أن المسألة تجاوزت الحدود الآمنة، فظاهرة السمنة في تزايُد مستمر، ما دعا منظمة الصحة العالمية إلى إصدار بيان تحذيري، الشهر الماضي، يطالب دول العالم بالبدء الفوري في اتخاذ إجراءات عملية ووضع سياسات لخفض استهلاك السكر على مختلف المستويات، وكذلك خفض نِسَب السكر المستخدمة في العديد من الصناعات الغذائية، ونشر الوعي بخطورة الإسراف في استهلاك السكريات.

ويستند هذا البيان إلى أحدث التقارير العلمية الصادرة من المنظمة تحت عنوان سياسات عملية من أجل نظام غذائي يحمي من الأمراض غير السارية. ويأتي التقرير الأخير استكمالًا لسلسلة أبحاث ودراسات بدأتها المنظمة منذ عام 1989.

ووفق بيانات الصحة العالمية فقد زادت السمنة في العالم بأكثر من الضِّعف منذ عام 1980، وفي عام 2014 كان أكثر من 1.9 مليار بالغ، من سن 18 عامًا فأكثر، ذوي وزن زائد، كما كان أكثر من 600 مليون شخص منهم مصابين بالسمنة.

ويعرَّف الوزن الزائد والسمنة بأنهما تراكم مفرط للدهون قد يضر بالصحة.

لقد أصبح النظام الغذائي من أولويات خطة عمل المنظمة للوقاية من الأمراض غير السارية ومكافحتها في المدة من 2013 إلى 2020. خاصَّة وقد زاد التسويق وبالتالي الاستهلاك العالمي للمشروبات المحلاة بالسكريات بين مختلِف الفئات، خاصة المنخفضة والمتوسطة الدخل؛ إذ ارتفعت في تلك الفئات معدلات السمنة وزيادة الوزن والأمراض المزمنة غير السارية ذات الصلة بالنظام الغذائي.

كما كانت قضية تعزيز النظام الغذائي الصحي هي الموضوع الرئيس للمؤتمر الدولي الثاني للتغذية، والتي شاركت في تنظيمه منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) في نوفمبر 2014، إذ وقعت حينها أكثر من 170 دولة على إعلان روما بشأن التغذية وإطار العمل الذي يبرز الحاجة إلى إجراءات عالمية لإنهاء جميع أشكال سوء التغذية، متضمنة السمنة والأمراض غير السارية المتصلة بالنظام الغذائي.وفي هذا الإطار، يحث البيان الصادر أخيرًا الدول على اتباع نظم غذائية صحية، وخفض استهلاك السكر خاصة للبالغين والأطفال. وفي  الإطار ذاته، التزمت حكومات العالم بالسعي إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، ومنها الهدف الخاص بضمان تمتّع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار.

يقول د.<فرانشيسكو برانزا> Francesco branca  -مدير إدارة التغذية من أجل الصحة والتنمية بمنظمة الصحة العالمية-: إن الناس لا تحتاج السكر الحر للتغذية، وإذا استهلكوه فيجب ألا يشكل أكثر من 10% من احتياجاتهم من الطاقة، والأفضل أن تقل هذه النسبة إلى 5%.

ماذا يجب أن نتجنب؟

وفيما يتعلق بالتقرير الأخير، فقد حذر من العديد من المواد، ومنها الأغذية المحتوية على السكر الحر مثل المشروبات الغازية وعصير الفواكه ومشروبات الطاقة والألبان المحلاة والشاي المثلج والقهوة والشوكولاته الساخنة. فالمقصود بالسكريات التي نحتاج لخفض استهلاكها، السكريات الحرة مثل سكر المائدة وسكر الجلوكوز والفركتوز والسكروز التي تضيفها الشركات المصنعة أو المستهلكون للأغذية والمشروبات. ولا يندرج تحت هذا السكريات الموجودة في الفواكه أو الخضروات الطازجة، أو تلك الموجودة طبيعيًّا في الحليب، فلا توجد بيانات تفيد بأن استهلاكها يخلف آثارًا ضارة.

ويدعو التقرير الدول إلى اتخاذ العديد من الإجراءات، مثل خفض أسعار الفاكهة والخضراوات الطازجة من عشرة إلى ثلاثين في المئة للتشجيع على استهلاكها، في مقابل زيادة الضرائب على الأطعمة والمشروبات التي تحتوي على الدهون والدهون المشبعة والسكريات الحرة والملح من أجل تقليل استهلاكها، وكذلك العمل على نشر الوعي بهذه القضية حتى يتقبل المواطنون فرض هذه الضرائب، على أن تعمل الدول على توفير بدائل أمام المواطنين لممارسة الأنشطة البدنية واتباع طرق غذائية صحية. ويطالب التقرير أيضًا بمراجعة مواصفات إنتاج الأغذية وتقليل نسب السكر المستخدمة في الصناعات الغذائية.

ولقد بدأت بالفعل العديد من الدول في اتخاذ إجراءات لبدء فرض ضرائب على المشروبات السكرية، منها المكسيك والمجر والفلبين وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة وإيرلندا الشمالية.

وللاقتراب أكثر من فحوى هذا الموضوع والتعرُّف على الأوضاع في منطقتنا، التقينا الدكتور أيوب الجوالدة، المستشار الإقليمي للتغذية للمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالقاهرة، والذي أوضح أن "الإجراءات التوعوية على مستوى الأفراد أصبحت الآن غير كافية، ولا بد من إجراءات على مستوى الحكومات لخفض استهلاك السكر. وهو ما دعت إليه المنظمة في تقريرها الأخير؛ إذ طالبت الدول باتخاذ مختلف الإجراءات لتخفيض نسب السكر في عملية تصنيع العصائر والمياه الغازية، خاصة للأطفال.

وتشير إحصاءات صادرة عن المنظمة إلى تسجيل 41 مليون طفل دون الخامسة من بين فئة زائدي الوزن أو مصابي السمنة في عام 2014.

يستطرد الجوالدة: إن العبوة الصغيرة من المياه الغازية تحتوي على 6 إلى 8 ملاعق سكر، وهذه هي الكمية التي يحتاجها البالغ في اليوم بأكمله، والحقيقة أن الشخص في العادة لا يكتفي بهذه العبوة الصغيرة طوال اليوم، بالإضافة إلى النشويات والكربوهيدرات.

العالم كله يعاني من انتشار أمراض السمنة والسكري، والوضع أشد خطورة في منطقتنا التي تشغل المرتبة الثالثة عالميًّا من حيث انتشار السمنة وزيادة الوزن. يعلق الجوالدة: "لقد أعددنا استراتيجية إقليمية لتعزيز التغذية، أوصينا فيها بتخفيض نسبة السكر بالنسبة للبالغين لـ35 جرامًا يوميًّا، وللنساء والأطفال إلى 25 جرامًا".

ويشدد على ضرورة تعديل مواصفات تصنيع الأغذية، خاصة العصائر التي تُباع ويُكتب عليها أنها طبيعية ومعظمها ليس طبيعيًّا، ومخلوطة بالمياه مع إضافة السكر، وفق قوله.

ويوضح أن رخص ثمن هذه المنتجات يشجع على استهلاكها، إلى جانب أن كثيرًا من الدول تدعم أسعار السكر لكونه مكونًا أساسيًّا في غذاء مواطنيها. ويقترح الدكتور الجوالدة أن يحوَّل الدعم الموجه للسكر إلى البقوليات أو القمح، فهذا سيكون أفضل كثيرًا، وفق وصفه، مؤكدًا أهمية الدعم السياسي في هذه القضية.

قصة نجاح

يضرب لنا الدكتور الجوالدة بعض الأمثلة الناجحة في التعامل مع هذه القضية، الأول من بريطانيا، حيث بدأوا خفض السكر في المشروبات الغازية بالتعاون مع الشركات بنسبة تصل إلى 40%.

وعن مثل هذه الإجراءات في منطقتنا، يقول إن دولًا عدة تدرس هذه المقترحات المطروحة، والبعض يدرس رفع الدعم عن السكر وفرض الضرائب وتغيير مواصفات الصناعة، والتقرير الأخير للمنظمة سيشكل دفعة أكبر للإسراع باتخاذ هذه الإجراءات.

ويقدم لنا الجوالدة نصيحة مهمة قائلًا: "كل الفواكه كما هي ولا تعصرها، واستمتع بطعم الشاي والنعناع والقهوة من دون سكر، وتعود على مذاقها، فهذا سيكون أفضل لصحتك".

وفي هذا الإطار، قررت منظمة الصحة العالمية أن تبدأ بنفسها في خفض استهلاك السكر والبداية في إدارتها في مقرها في جنيف، إذ لن تباع المنتجات السكرية لا في المطاعم ولا المقاهي ولا الماكينات الكائنة داخل المقر، وقد بدأت مقرات أخرى في اتخاذ نفس الإجراءات مثل UNAIDS التي بادرت بتطبيق سياسات واستراتيجيات الصحة العالمية لتعزيز الصحة وتقليل تعرض موظفيها لمنتجات غير صحية مثل المشروبات السكرية.

والآن، هل ستبدأ دول المنطقة في اتخاذ ما يلزم من خطوات لخفض استهلاك السكر؟ ومن هذه الخطوات تغيير مواصفات تصنيع وإنتاج المواد الغذائية التي تحتوي على السكر ومشتقاته، ماذا سيتم في مصر مثلاً، توجهنا بالسؤال إلى الدكتور <يسري حسين>، رئيس اللجنة العليا لسلامة الغذاء التابعة لوزارة الصحة، الذي أفاد أن اللجنة تراقب بدقة تطبيق المواصفات القياسية العالمية في الصناعات الغذائية، إذ يجري سحب عينات وتحليلها في معامل متخصصة على درجة عالية من الحرفية والدقة، وفق قوله. ويشدد على أن اللجنة تراقب الأسواق بالتعاون الوثيق مع شرطة التموين، إذ يجري التحقق من البلاغات التي ترد إليها.

ويستطرد: لكن الأمر يحتاج أحيانًا إلى تغيير مواصفات الإنتاج لتحقيق الفوائد المرجوة، فهناك تعاون وثيق مع المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية والمكتب الوطني الموجود داخل مقر وزارة الصحة.

وأوضح حسين أن التقرير الأخير محل اهتمام اللجنة، وأضاف أنها بصدد مخاطبة هيئة المواصفات والجودة لمراجعة المواصفات القياسية الخاصة بنسب السكر في المنتجات الغذائية، كما أشار إلى تعاون لصيق مع جهاز حماية المستهلك من خلال عمل عدة لجان مشتركة بينهما. كما أكد أهمية دور منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في نشر الوعي بهذا الأمر.

السيدة <عنان هلال>، رئيسة جمعية «عين مصر لحماية المستهلك والبيئة»، أكدت بدورها محورية الدور التي يمكن أن تقوم به جمعيات حماية المستهلك في مثل هذه القضايا، وبخاصة الدور التوعوي، وهو ما يتطلب مساندة وسائل الإعلام ومعاونتها، وفق رأيها. وقالت هلال لـ"للعلم" إن جمعيتها تعتزم تنظيم ندوات في النوادي والمدارس ومراكز الشباب للتوعية بضرورة خفض استهلاك السكر واتباع الأساليب الغذائية السليمة لتقليل السمنة.