ساد الجفاف الأرض، وعم القحط الوديان، في زمن يسبق زمننا الحالي بنحو 200 ألف سنة. واجه أسلافنا قسوةً غير طبيعية نجمت عن التغيُّرات المناخية الحادة في العصر المعروف باسم الحجري القديم الأوسط. لا يعرف العلماء على وجه الدقة كيف استطاع البشر التكيُّف مع تلك التغيُّرات، إلا أن الثابت أن ثقافة الارتحال التي ابتكرها البشر في العصور القديمة أسهمت إلى حدٍّ كبير في وجود البشر على سطح كوكبنا الأزرق حتى الآن.

لم يكُن الارتحال بشكل أفقي تمامًا؛ فالتوسعات البشرية والانتقال من مكان إلى مكان كان على نحوٍ رأسي أيضًا، فمع تدفُّق الهجرات القديمة من نقطة ارتكاز في شرق القارة الأفريقية، وصولاً إلى باقي مناطق العالم، فضَّل بعض القدماء الصعود إلى أعلى قمم الجبال، للاحتماء بملاجئ صخرية قوية ضد التقلبات المناخية، وفي محاولة للعثور على مواطن غنية بالمواد الغذائية بعد أن فقدوا أراضيهم العشبية في الوديان من جَرَّاء العصور الجليدية المختلفة. ومؤخرًا، اكتشف فريق من العلماء ما يُعد أقدمَ دليلٍ على استقرار الإنسان في ارتفاعات شاهقة، بعد أن عثروا على ملجأ صخري مملوء بالعظام والأدوات على ارتفاع نحو 4000 متر فوق سطح البحر بسلسلة جبال إثيوبية، حيث عاش الإنسان القديم فيها قبل نحو 47 ألف سنة من الآن.

تبدأ الحكاية قبل سنوات، حين ركز الفريق البحثي على مجموعة من الافتراضات التى تقول إن الإنسان القديم استقر على ارتفاعات عالية قبل الزمن المعروف سلفًا في هذا الإطار، ثم بدأ الباحثون في فحص الأماكن التي ربما يكون الإنسان القديم قد استقر فيها، ليجدوا في نهاية المطاف مجموعةً من الحفريات التي تُثبت وجود البشر في تلك الارتفاعات.

أظهرت نتائج الدراسة أن الحياة على ذلك الارتفاع ازدهرت بشدة؛ إذ عاش الإنسان القديم على تناوُل فئران الخلد العملاقة، وصاغ أدوات حجرية من نتوءات صخرية قريبة من الملجأ الصخري، بل تنافس أيضًا مع الضباع والمفترسات الأخرى على الفرائس، وتشير الدراسة إلى أن الحياة استمرت في ذلك المكان مدةً لا تقل عن 16 ألف عام، على نحوٍ متقطع. ويتناقض البحث المنشور في دورية "ساينس" مع الرأي السائد منذ زمنٍ طويل، القائل بأن المرتفعات العالية كانت آخر الأماكن التي استقر فيها البشر.

رحلة شديدة الصعوبة

بدأت قصة ذلك الاكتشاف في عام 2015، حين قرر فريق بحثي دولي كبير مكون من علماء من إثيوبيا وسويسرا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية حَزم أمتعتهم وامتطاء الجياد المؤهلة للسير في الأماكن الوعرة؛ بحثًا عن علامات الحياة المبكرة في مرتفعات جبل "بال" الإثيوبي. سافر الفريق مسافات شاسعة، وصلت إلى أكثر من 900 كيلومتر. وخلال رحلتهم الصعبة، وجد الباحثون 331 ملجأً صخريًّا فيها علامات للاستيطان البشري المبكر، إلا أن ثمة مشكلة ضخمة واجهت الفريق!

فعبر القرون الماضية، زار رعاة الماشية معظم الملاجئ الصخرية، تاركين وراءهم آثارًا جعلت من فحص الحفريات مستحيلًا، لكن -ولحسن الحظ، أو لحسن التخطيط واستمرار الدأب- وجد العلماء ملجأً صخريًّا واحدًا لم يمسه الرعاة. كان ذلك الملجأ منخفض السقف، ما منع رعاة الأغنام والماشية من الدخول. وحين حفر العلماء أرض ذلك المأوى الصخري، سرعان ما اكتشفوا "الكنز". عظامًا لحيوانات وأدوات حجرية، وموقدًا صنعه البشر، أكوام من الأدلة التي تؤكد أن بشريًّا ما عاش في ذلك المكان قبل آلاف السنين.

وبفحص الأدلة، عم الذهول، وتصاعدت دهشة الفريق؛ إذ إن الأدوات الحجرية مُصنَّعة على الطراز المميز للعصر الحجري الأوسط، الذي استمر من حوالي 30 إلى 28 ألف سنة مضت، وهي مدة أكبر بكثير مما توقع الباحثون.

ولتحديد عمر الموقع –المسمى فينكا هابيرا- أجرى الفريق التحليل الأكثر موثوقية، قياس الكربون في الفحم الذي لا يزال في الموقد، لتتصاعد الدهشة أكثر وأكثر، بعد أن أشارت القياسات إلى أن عمر ذلك الفحم حوالي 47 ألف سنة.

CREDIT: Götz Ossendorf

عمل الباحثون بعدها على استكشاف المكان لمعرفة ما كان يتغذى عليه أهل ذلك الكهف قبل عشرات الآلاف من السنين، ليجدوا أن البقايا تخص فئران الخلد العملاقة، وهي نوع من أنواع الحيوانات التي تعيش اليوم في جبال "بال" الإثيوبية بشكل حصري.

تكيُّف سلوكي رائع

يعتقد العلماء أن ذلك المكان الصخري تمتع بعوامل جذب كبيرة، جعلت منه مأوى لعشرات –وربما مئات أو آلاف- البشر خلال العصر الجليدي. إذ كان المكان يموج بالأنهار الجليدية التي تحيط بها الغابات التي ربما كانت موطنًا للحيوانات التي عاش عليها هؤلاء البشر على ذلك الارتفاع الشاهق. ففي الوقت الذى أصبحت فيه الأراضي المنخفضة غير قابلة للحياة بسبب اضمحلال جودة الأراضي العشبية من جَرَّاء الموجات الجليدية والصقيع، استمرت الحياة هنا، على ارتفاع يربو على 4000 متر فوق سطح البحر.

ووفقًا لنتائج تلك الدراسة، فإن ذلك المأوى هو الأقدم -حتى الآن- الذي اتخذه البشر منزلًا للعيش على فترات طويلة في تلك الارتفاعات الشاهقة، وفق قول الباحث بمعهد آثار ما قبل التاريخ بجامعة "كولونيا" الألمانية، "جوتز أوسيندروف"، وهو المؤلف الأول لتلك الدراسة.

وإذا تمكن الباحثون من استخراج الحمض النووي من الحفريات البشرية في "فينكا هابيرا"، فسيتمكنون من إجراء فحص للحمض النووي؛ تمهيدًا لمعرفة التسلسل الجيني وفك الشفرة الوراثية لأسلافنا الذين عاشوا على تلك الارتفاعات، ومقارنتها بأبناء المنطقة الحاليين، الذين ربما يكونون قد ورثوا الطفرة نفسها التي طورها أجدادهم للعيش في تلك الظروف القاسية.

ويُشير "جوتز" في تصريحات خاصة لـ"للعلم" أن الدراسة تكشف "تكيُّفًا سلوكيًّا رائعًا للبشر في تلك الأزمنة السحيقة مع الارتفاعات العالية". مؤكدًا أن الورقة العلمية "تتحدى الاعتقاد السائد منذ مدة طويلة، القائل بأن النظم الإيكولوجية على الارتفاعات العالية مجرد مناظر طبيعية بكر لم يمسسها البشر".

ويقول "جوتز": إن ضمن الحفريات التي عُثر عليها "شظية قشر بيض نعامة"، وهي لم تكن تعيش في هذه الارتفاعات. مشيرًا إلى أن الشظية "كانت بمنزلة المفاجأة الكبرى" التي تؤكد أن البشر لم تنقطع بهم سبل العيش حتى في الأزمنة القاحلة والعصور الجليدية التي كانت "تقضي على الأخضر في الوديان المنخفضة".

توضح الدراسة أن المجموعات السكانية التي عاشت في تلك الحقبة داخل ذلك المأوى الحجري كان لديها شبكة واسعة من الاتصالات المنتظمة بعضها مع بعض، على حد ما يقول عالِم الجيولوجيا بمعهد أنسبروك النمساوي، مايكل ماير -وهو المؤلف غير المشارك في تلك الدراسة- الذي يؤكد أن طبيعة العلاقات بين سُكان ذلك المأوى "قد تكشف عن مفاجآت مدوية"؛ إذ لا ترصد الدراسة وجودًا بشريًّا على ذلك الارتفاع فحسب، بل ترصد أيضًا "مجتمعًا تعاونيًّا" وهو الأمر الذي يصفه "ماير" -في تصريحاته لـ"للعلم"- بـ"النتيجة الأهم على الإطلاق".

أما عالِم الحفريات بجامعة كاليفورنيا "مارك ألدندرفر" –لم يُشارك أيضًا في تلك الدراسة- فيقول: إن الفترة الهائلة التي امتدت في استيطان تلك المنطقة، والبالغة 16 ألف عام -من 47 ألف سنة مضت وحتى 31 ألف سنة- "كبيرة بحق"، مشيرًا -في تصريحات نقلتها وكالات الأنباء العالمية- إلى أن الإنسان العادي الذي لا يتمتع بطفرة جينية خاصة "يُمكن أن يقضي نحو 6 أسابيع على الارتفاعات العالية"، وهو أمر يختلف اختلافًا كليًّا عن العيش "بشكل دائم" وتكوين مجتمع وإنجاب أطفال.

لا يزال أمام ذلك المأوى الصخري مستقبلٌ كبير؛ إذ سيُكتب عنه في القريب عددٌ من الأوراق العلمية، وفق ما يقول "جوتز أوسيندروف"، الذي يؤكد أن الفريق البحثي -المكوَّن من علماء في الجيولوجيا والأنثروبوجيا والتربة والأحياء والجغرافيا- سيعملون على محاولة استخراج الحمض النووي من الشظايا، والبحث عن أحافير أخرى، للكشف عن الطريقة التي تبدلت بها جينات الأسلاف، وتطورت بها أحماضهم النووية، في محاولة لتتبُّع خطى الأسلاف في رحلة التطور المذهلة، التي جعلتنا ما نبدو عليه الآن.

شواهد وأدلة قديمة وحديثة

للبشر قدرة كبيرة على الاستقرار في مجموعة من الموائل. وعلى الرغم من أن أسلافنا وُلدوا في أراضٍ منخفضة، إلا أن البشر تمكَّنوا من الانتقال واستعمار الكوكب بأكمله، فمن الصحاري الحارقة إلى غابات التندرا في القطب الشمالي، تمكن الإنسان من التكيُّف مع الظروف المناخية الصعبة. غير أن العيش على الارتفاعات الكبيرة يُشكل تحديات خاصة. تشمل تلك التحديات انخفاض مستويات الأكسجين، والطقس المتقلب شديد القسوة، علاوةً على عدم وجود نباتات مورقة أو أراضٍ عشبية يُمكن زراعتها على قمم الجبال. ما يعني أن الارتفاعات قد تكون قاتلةً للبشر، خاصةً في ذلك الزمن البعيد.

لكن، وعلى الرغم من تلك التحديات، تمكَّن البشر من الاستقرار في الهضاب والجبال العالية. فاليوم، نشهد نماذج لشعوب بأكملها تعيش في ارتفاعات مذهلة، ففي جبال التبت، تسكن مجموعات هائلة من البشر الجبال، ومثلهم آخرون ضمن سلاسل جبال الأنديز، وحتى في جبال الألب الأوروبية.

وتتميز شعوب الأنديز في الوقت الحالي بطفرات جينية من نوع خاص، تؤهلهم للعيش في ظل انخفاض مستويات الأكسجين عند الارتفاعات الشاهقة، مثلهم مثل شعوب التبت، الذين طوروا أيضًا الطفرة نفسها التي تتيح لهم التعامل مع نقص الأكسجين الحاد دون أن تتأثر قدراتهم العقلية أو البدنية.

وفي خلال السنوات الأخيرة، كشفت الحملات العلمية الجبلية دلائل على استيطان البشر الجبال منذ عشرات آلآلاف من السنين، ففي عام 2018 على سبيل المثال، وجد فريق من الباحثين في التبت أدوات حجرية وقطعًا أثرية يعود تاريخها إلى أكثر من 30 ألف عام، في حين اكتشف فريقٌ آخر عظامًا لفك إنسان دينيسوفان بالغ، يُقدر عمره بنحو 150 ألف عام، على ارتفاعات كبيرة.

وفي أفريقيا، ظهرت أدلة أكثر إثارة، إذ عُثر على أدوات حجرية بسيطة في المرتفعات الإثيوبية، ولكن، كان من الصعب معرفة إذ ما كان البشر قد عاشوا على تلك المرتفعات أو قضوا مدةً صغيرة فقط في أثناء عمليات الصيد أو الجمع والالتقاط.

من هنا، تأتي أهمية تلك الدراسة، التي أكدت أن أسلافنا لم يزوروا تلك المرتفعات فحسب، بل استوطنوها لفترات كبيرة، واستخدموا ملاجئها الصخرية للاحتماء، وصادوا حيوانات بيئتها للتغذي عليها.