تحتوي الخلايا التي تشكل وحدة بناء الكائنات الحية على العديد من العضيّات التي تختلف في وظيفتها وآلية عملها.

وتشير دراسة نشرتها دورية "بلوس بيولوجي" إلى أن "العضيّات المسؤولة عن إنتاج الطاقة الخلوية -مثل الميتوكوندريا في الخلية الحيوانية والبلاستيدات الخضراء في الخلية النباتية- لها حمض نووي خاص بها يسمى oDNA، وأن الطفرات التي قد تطرأ على هذا الحمض النووي تسبب خللًا في العمليات البيولوجية للخلية، وتؤثر على إنتاج الطاقة".

أراد الباحثون معرفة كيف يمكن للكائنات المختلفة أن تتغلب على هذه الطفرات المُدمرة، لذا قاموا ببناء نموذج وراثي شامل يصف الآليات المختلفة التي تعتمدها الخلايا لتقليل تلف الحمض النووي في حقيقيات النواة، وأوضحوا أن الكائنات التي لديها تكوين ثابت للجسم تفتقر إلى وجود آلية تتعامل مع تغيرات الحمض النووي بشكل مُختلف لعدة أسباب.

يوضح إيان جونستون -الأستاذ المساعد في وحدة علم الأحياء الحاسوبي بجامعة بيرجن، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم" أن "العديد من الحيوانات لديها مخطط ثابت للجسم، أي توجد الأعضاء والأطراف وأجزاء أخرى من الجسم في الوضع نفسه لدى جميع الأفراد، وعلى النقيض من ذلك، فإن موضع بعض الأجزاء مثل الفروع والأوراق غير ثابت في النباتات والفطريات وبعض الحيوانات الأخرى، مثل الشعاب المرجانية الناعمة والإسفنج".

يعتقد "جونستون" أن وجود هذا الهيكل الثابت من عدمه هو أمرٌ يميز الكائنات؛ إذ تكون لديها إستراتيجيات مختلفة يمكن أن نطلق عليها عنق الزجاجة، حيث يقوم الإنسان وبعض الحيوانات بأداء تلك الإستراتيجيات لتقليل توريث الطفرات عبر الأجيال.

ويتابع: تراكُم الطفرات التي تحدث عند انتقال الحمض النووي الخاص بالعضيّات oDNA من الأم إلى النسل قد يسبب انهيارًا طفريًّا ينتج عن زيادة الصفات الضارة المورثة، وتُعد العملية التي نطلق عليها عنق الزجاجة طريقةً لنشر الحمض النووي المُطور عبر النسل، بحيث يمكن لبعض الأبناء أن يرثوا مستوياتٍ أقل من الطفرات.

أراد الباحثون تحديد الطرق المختلفة التي تستطيع الكائنات من خلالها أن تتجنب توريث الطفرات في ظل غياب عملية "عنق الزجاجة" الموجودة لدى الإنسان.

وأفادت الدراسة بأنه من الناحية النظرية، يمكن لعملية "التحويل الجيني" أن تسمح لبعض الأبناء بأن يرثوا الحمض النووي الأقل تحورًا دون الحاجة إلى عنق الزجاجة، وأن هذه الآلية كانت أكثر نشاطًا في أجزاء النباتات التي ستنتهي في نهاية المطاف بإنتاج بذور الجيل التالي، مما يشير إلى دورها في تقليل وراثة الطفرات.

يقول "جونستون": "التحويل الجيني هو عملية يتم فيها استبدال تسلسل DNA بآخر، وقد تعمل كطريقة لنشر oDNA المتحور واستبداله في خلايا مختلفة، مما يؤدي إلى اختلاف مستوياته.

استخدم الباحثون أدوات من علم الرياضيات لرصد تأثير العمليات البيولوجية المختلفة على الـoDNA في الخلايا، ما قادهم إلى معادلة تصف الطرق المختلفة التي يمكن أن تحقق بها الكائنات الحية عملية "عنق الزجاجة".

كما طوروا نظرية جديدة تسمح لهم بمقارنة الاختلافات بين الكائنات فيما يتعلق بتوريث الـoDNA، واستخدموا خوارزميات الحاسب الآلي للبحث عن الجينات المسؤولة عن هذه الاختلافات، ودرسوا الخلايا من خلال الفحص المجهري، خاصةً في النباتات؛ لمعرفة أماكن نشاط الخلية المرتبطة بهذه الآليات، ويعتقد الباحثون أن استنتاجاتهم النظرية قد تكون منعكسةً على الواقع البيولوجي.

يقول "جونستون": يمكن لفرضياتنا أن تفسر العديد من الملحوظات البيولوجية المتنوعة والمحيرة، مثل سبب تشابه الآليات الخلوية بين بعض الشعاب المرجانية والإسفنج مع بعض النباتات والفطريات، ولماذا تبدو بعض العضيّات مختلفة جدًّا في الثدييات عنها في النباتات.

وعن خطواتهم التالية، يؤكد  "جونستون" أنهم يسعون لمعرفة وظيفة الجينات الموجودة ضمن oDNA، والسبب وراء هذا التنوع فيها بين الكائنات، والتوسع في الجمع بين الرياضيات والبيانات لتعلُّم مبادئ العالم البيولوجي.

يُذكر أن الفريق البحثي مهتم بدراسة الميتوكوندريا والبلاستيدات الخضراء وتطورها، وساعدهم التمويل الذي تلقوه من مجلس البحوث الأوروبي في عام 2019 على استكشاف بعض الأسئلة المُحيرة حول هذه العضيّات من خلال مشروع "EvoConBiO"، الذي يستهدف كشف وهندسة المبادئ التي تحكم التطور والتحكم الخلوي في عضيات الطاقة الحيوية.