عندما نحاول استدعاء معلومةٍ ما من الذاكرة، يتنقل المخ عبر جميع الذكريات المُخزنة بداخله للعثور على المعلومة التي يبحث عنها، ومع تقدم العمر تزداد صعوبة استدعاء الذكريات لدى كثير من الناس.

لذا سعى فريق من الباحثين بجامعتي "تورنتو" الكندية و"كولومبيا" الأمريكية إلى إيجاد تفسير لتلك الظاهرة، وفق دراسة نشرتها دورية "تريندز إن كوجنيتيف ساينسس" (Trends in Cognitive Sciences).

يشير الباحثون إلى أن "مخ كبار السن يخصص مساحة أكبر للمعرفة المتراكمة، ولديه معلومات كثيرة للتنقل بينها عند محاولة البحث عن الذكريات، ورغم أن ثروة المعرفة المتراكمة قد تجعل استدعاء الذكريات نوعًا من التحدي، إلا أن ذاكرة المسنين لها جوانب إيجابية؛ إذ إن خبرات الحياة على مدار السنين تساعدهم في تنمية قدراتهم على الابتكار واتخاذ القرارات".

ووفق الدراسة، التي شاركت فيها "جوردانا وين"، باحثة ما بعد الدكتوراة بقسم علم النفس في جامعة هارفارد، و"لين هاشر"، أستاذ علم النفس بجامعة تورونتو، فإن "مراجعة العديد من الدراسات السلوكية والمتعلقة بتصوير الأعصاب أظهرت أن كبار السن يواجهون صعوبةً في قمع المعلومات التي لم تعد ذات صلة، وأنه عند البحث عن ذكرى معينة، غالبًا ما يستعيدون معها ذكريات أخرى غير ذات صلة".

يقول "طارق عامر" -باحث ما بعد الدكتوراة في قسم علم الأعصاب الإدراكي بجامعتي كولومبيا وهارفارد- في تصريحات لـ"للعلم": تراوحت أعمار المسنين الذين شملتهم الدراسات المُجمعة في هذه الورقة العلمية بين 60 و85 عامًا.

يضيف "عامر": وجدنا أنه كلما كانت الذكرى المراد استعادتها مرتبطةً بمعلومات قليلة، أصبح استدعاؤها أسهل، وهذه الحالة تنطبق على البالغين الأقل عمرًا الذين يستطيعون تركيز انتباههم على المعلومة المستهدفة وتجاهُل المعلومات غير ذات الصلة أو المشتتة للانتباه، ولهذا يسهل عليهم تذكُّر المعلومات دون تشويش، أما كبار السن فيواجهون صعوبةً في تذكُّر الأشياء؛ لازدحام المعلومات في ذاكرتهم.

وبينما ركز الباحثون في المقام الأول على الصعوبات التي تسببها الذكريات المزدحمة والمتشابكة، فإنهم ألقوا الضوء أيضًا على بعض المواقف التي تكون فيها مساحات الذاكرة مفيدة.

ووفق البيان الصحفي المصاحب للدراسة، فإن "الدلائل تشير إلى أن كبار السن يُظهرون إبداعًا كامنًا -ومتطورًا أحيانًا- نتيجة ثراء الذكريات المُخزنة"، ولهذا يفترض الباحثون أن كبار السن يستعينون بالمعرفة السابقة لديهم عند اتخاذ القرار من خلال الحكمة المكتسبة على مدار السنين.

ويأمل الباحثون التوصل إلى طرق لمساعدة المسنين مع استمرار الدراسات وزيادة فهم كيفية عمل الذاكرة في هذه المرحلة العمرية، مؤكدين أنه "يمكن الاستفادة من زيادة تشابُك المعلومات وثراء الرموز لدى كبار السن؛ لتحسين ذاكرتهم وقدرتهم على التعلم".

يقول "عامر": يركز التقرير على كيفية تداخُل الذكريات المتشابكة مع عملية استدعاء المعلومة، مما يزيد من صعوبتها، وعلى صعيد آخر، قد تفيد كثرة الذكريات في تحسين الأداء في مهمات تتطلب الإبداع.

ويتابع: تتأثر عملية تحسين الذاكرة وتقليل التشتت بعوامل عدة، مثل النشاط البدني والذهني، وكذلك المواظبة على اتباع نظام غذائي صحي، وهو ما ينعكس لاحقًا على خفض معدل التدهور المعرفي مع تقدم العمر.