لم يدرج العلماء كلاًّ من تأثيرات الإضاءة والضوضاء على الطيور في قائمة اهتماماتهم إلا في السنوات الأخيرة فقط، وذلك مقارنةً بمصادر الإزعاج والضغوط البشرية المتنوعة الأخرى. يأتي ذلك في ظل الأرقام المثيرة للقلق التى تؤكد انخفاض أعداد الطيور بأكثر من 30٪ خلال العقود القليلة الماضية، ما يتطلب تطوير إستراتيجيات فعالة للحفاظ على المتبقي منها، وقبل هذا فهم أسباب هذا التراجُع الحاد.

ويتزامن توقيت تكاثر الطيور كل عام مع ذروة توافُر الغذاء حتى يتسنَّى إطعام الصغار. في موسم التكاثر، قد تضطر الطيور وسط الضوضاء العالية إلى تغيير تغريدها بغية إيصال نداء التزاوُج إلى شركائها المحتملين، لكن هذه الاستجابة للملوث الضوضائي "لا تفيدنا كثيرًا في معرفة ما إن كانت الضوضاء تؤثر في النهاية على نجاح عملية الإنجاب لدى الطيور أو على صحتها بشكل عام"، كما يوضح كلينت فرانسيس، عالِم أحياء من جامعة ولاية كاليفورنيا بوليتكنيك، وأحد المؤلفين الرئيسيين لدراسة حديثة نُشرت بدورية نيتشر.

ويضيف "فرانسيس" أن الإضاءة غير الطبيعية ليلًا أيضًا "وإن غيَّرت مستوياتِ الهرمون لدى الطيور، فإنها لا تكشف عما إذا كانت تلك آليةً لتكيُّفِ الطيور لإنجاح التكاثر في الظروف الصعبة أم مؤشرًا لتحديات أكبر من أجل البقاء".

ولم يُغْنِ وجود عدد ضئيل من الدراسات المحلية التي ركزت على نجاح التكاثر في فهم طبيعة هذه العلاقة، بل قدمت -في رأيه- هي الأخرى نتائج متداخلة لِطَيْفٍ محدود من الأنواع.

"هناك حاجة واضحة لفهم إن كانت هناك عواقب صحية للتعرض لهذه المؤثرات الشائعة، وما إن كانت الاستجابات لدى الطيور تختلف باختلاف الأنواع، وإذا صحّ الأمر، فلماذا؟"، وهذا ما سعت الدراسة الأخيرة لمعرفته.

يواصل "فرانسيس" توضيح أثر الفجوة المعرفية القائمة في هذا الجانب، فيقول: "الكثير من الأدبيات البحثية الموجودة لم توضح ما إذا كانت تأثيرات الضوضاء والضوء سلبيةً أم إيجابية، وركزت على استجابات لا تخبرنا ما إن كان لهذين الملوثيْن آثار سلبية على الطيور".

ما كان مطلوبًا -وفق "فرانسيس"- هو دراسة تراعي "مجموع السياقات البيئية من موائل مختلفة ومناطق ريفية وحضرية... إلخ، كما تراعي الأنواع المختلفة من الطيور". وعلى هذا النحو فقط "يمكن تحديد إن كان من الممكن تعميم تأثيرات كلٍّ من الضوضاء والضوء البشريين على نجاح عملية التكاثر لدى الطيور".

نتائج دراسة "فرانسيس" وفريقه البحثي شملت لأول مرة كامل قارة أمريكا الشمالية، حيث انخفضت أعداد الطيور هناك بمقدار ثلاثة مليارات طائر، أي (29%) من إجمالي أعدادها خلال النصف الثاني من القرن الماضي.

وقد ثبت علميًّا أن تأثير الضوضاء أو ما يُعرف علميًّا بـ التلوث الصوتي يمثل البيئات التى يعيش فيها الحيوان ويظهر على سلوكه والوظائف العضوية لديه من خلال إعاقة إدراك الإشارات السمعية ، ويؤثر كذلك على عملية التواصل وسلوكيات اليقظة والبحث عن الطعام.

وبالمثل، يغيّر التلوث الضوئي عبر الإضاءة الليلية الاصطناعية الأنشطةَ والتفاعلاتِ التي تتم بواسطة الرؤية لدى الحيوان، ويُحدِث لديه تشويشًا في النوم واضطرابًا في الساعة البيولوجية المتحكَّمِ فيها طبيعيًّا عبر فترة الضوء، وقد يكون لذلك آثار سلبية على لياقة الطيور.

يقدم كاسر البندق أبيض الصدر التعشيش استجابة للضوء، ويؤخر التعشيش استجابة للضوضاء. كما أنه يعاني معدلات أكبر لفشل التعشيش في الضوضاء. credit:David Keeling

يثني أندريه رين -مدير برنامج مشروع كاواي لاستعادة الطيور البحرية المهددة بالانقراض الذي تُشرف عليه جامعة هاواي- على إنجاز زملائه؛ إذ يؤكد أن الدراسة توفر "نتائجَ شاملة على نطاق جغرافي شاسع، ما يُعَد إضافةً مهمةً إلى مجموع الأدلة المتزايدة على التأثير العميق وبعيد المدى للضوء غير الطبيعي والضوضاء على الانخفاض المتزايد لأعداد الطيور على اختلاف أنواعها".

ثروة من البيانات قابلة للاستثمار

استثمر فريق البحث كمًّا هائلًا من البيانات العلمية الدقيقة المتوافرة حول 142 نوعًا من الطيور في الولايات المتحدة في الفترة ما بين عامي 2000 و2014، شملت أيضًا قاعدة بيانات جرى تجميعها من متطوعي برنامجNestWatch  الخاص بمراقبة حالة التكاثر واتجاهاته لدى الطيور.

وكما يقول سيرجيو أرتورو كابريرا كروز -طالب دكتوراة بقسم علم الحشرات وبيئة الحياة البرية بجامعة ديلاوير الأمريكية- لـ"للعلم": "تقدم هذه الدراسة مثالًا رائعًا للجمع بين المعطيات الحالية ومجموعات البيانات من مصادر متعددة وكيفية الاستفادة منها، وكيفية إسهام برامج "علم الجميع" بشكل كبير في حشد المعطيات التي لن يتمكن الأكاديميون من جمعها بأنفسهم على النطاق ذاته الذي ينتشر فيه هواة ومتطوعون عبر أنحاء بلد بكامله، أو في العالم في بعض الحالات".

قام الفريق البحثي بدمج كل ما جمعه مع بيانات جغرافية مكانية عالية الدقة للضوضاء والإضاءة الليلية البشرية ملتقطة بالأقمارالاصطناعية. ولاستجلاء التغيرات الفينولوجية المؤثرة في نجاح مواسم تكاثر الطيور، أُخضِع أكثر من 58 ألف عش للبحث كلٌّ على حدة، مع الأخذ في الاعتبار توقيت وضع البيض والفقس ومدى نجاحهما، وعدد الكتاكيت التي غادرت العش.

إن التوافق الفينولوجي، الذي يعني مدى التطابق بين توقيت التكاثر وتوافر الموارد، مهم لضبط توقيت تعشيش الطيور؛ إذ تتوافق فترة توافر الطعام مع موعد فقس البيض وإطعام الفراخ الجائعة. لكن التغيرات التي طرأت على البيئات التي تعيش فيها هذه الطيور، تسبّبت فى عدم حدوث هذا التطابق؛ إذ أصبحت الطيور تعشش مبكرًا جدًّا أو متأخرة عن الوقت الذي يكون فيه الطعام أكثر وفرة.

يقوم الطائر الأزرق الجبلي بتقديم التكاثر بشكل أقوى استجابة للضوء. credit:David Keeling

توصل الفريق إلى أن استجابة الطيور لكلٍّ من المؤثرَين الضوضاء والضوء، مرتبطةٌ بالسمات الوظيفية للأنواع وانتماءات موائلها، كما يقول "كلينت": "تشير بياناتنا إلى أن الضوضاء يمكن أن تُسَبّب عدم تزامنٍ فينولوجي لبعض الأنواع، وخاصةً طيور الغابات، مما يترتب عليه تأخير عمليات التعشيش، ويتوافر الطعام قبل أن يحتاج إليه الكتاكيت الصغار".

ويضيف: "وجدنا أيضًا أن التلوث الضوئي يتسبب في تعشيش الطيور في وقت مبكر جدًّا، وتوقعنا أن يؤدي ذلك إلى عدم التزامن الفينولوجي، ومع ذلك، وجدنا أن الطيور التي عششت في وقت مبكر بسبب الضوء الاصطناعي حققت نجاحًا أعلى في التعشيش".

وينوّه سيرجيو بالنظرة الجيدة التي تقدمها الدراسة حول التأثيرات الخاصة للضوء والضوضاء على الأنواع ودورة حياة الطيور، لافتًا إلى أن "إشارة الدراسة إلى أن كون الملوثيْن يؤثران على بعض جوانب التكاثر توحي بمدى انتشار هذه التأثيرات، وأيضًا بأن بعضها قد يكون تأثيره قويًّا حقًّا في بعض المناطق".

اعتمدت الدراسة في جمع البيانات على جهاز VIIRS الموجود على أحد الأقمار الاصطناعية التى تقيس إشعاع الضوء الصادر من سطح الأرض، ولأن كل البيانات حول الضوء والضوضاء لها بعض الارتباط المكاني وتعتمد جزئيًّا على مصدر مشترك فقد تساءل "سيرجيو" عما إذا كان أحد المؤثرَيْن يُخفي إلى حدٍّ ما تأثير الآخر، وما إذا كان من الممكن اكتشاف تأثيرات أقوى لكلٍّ من الملوّثيْن إذا تم استخدام بيانات من مصدر غير مشترك، مقترحًا أن دراسةً أخرى على نطاقٍ أصغرَ قد تحمل الإجابة.

دعوة لمراجعة تأثيرات الاحتباس الحراري

توصلت دراسات تغيُّر المناخ إلى أن النباتات والحشرات باتت تظهر في وقت أبكر من المعتاد في موسم الربيع. وقد وجد مؤلفو الدراسة في هذه النتيجة تفسيرًا لحالة تأثير التلوث الضوئي؛ فهو يجعل الطيور تعشش في وقت مبكر، وبذلك "تُتاح لها استعادة التوافق بين توقيت التعشيش وتوقيت ذروة توافُر الطعام"، كما يوضح "كلينت"، الذي يقول إنه من المثير في هذا التفسير أنه "يطرح أسئلة جديدة حول الاستجابات للملوِّثات الحسية كالضوء والضوضاء، وكيف تتضاد مع الاستجابات للعوامل الأخرى للتغيرات العالمية -مثل الاحتباس الحراري- أو تتسبب في تَفاقُمها".

يؤخر بط الخشب التعشيش استجابة للضوضاء ويعانى من الفشل المرتفع لأعشاشه خلال مرحلة التبييض في الضوء. credit:David Keeling

هناك حاجة إذًا إلى مراجعة بعض آثار تغيُّر المناخ في هذا الصدد؛ فالدراسات المستقبلية -وفق "كلينت"- "بحاجة إلى الأخذ في الاعتبار تأثيرات كلٍّ من التلوث الناتج عن الضوء والضوضاء بشريَّي المنشأ عند دراسة الاستجابات للتغيرات المناخية أيضًا للحصول على صورة أكثر دقة". ذلك أن العديد من البحوث التي ركزت على التغيرات الفينولوجية لتغير المناخ درست هذه الاستجابات في المناطق المعرَّضة لهذين الملوِّثين، لكن "أيًّا منها لم يأخذ في الحسبان تأثيرها، ما يعني أن فهمنا من خلال الدراسات الحالية لأنواع الاستجابة لتغير المناخ فيه إجحاف".

من جانبه، يشدد أندريه رين -الذي عمل في مشاريع حفظ الطيور في مناطق عديدة عبر العالم- على أن نتائج هذه الدراسة بالذات "مقلقة للغاية، وواحدة من أهم رسائل الدراسة التي تأتي كتذكير مهم في الوقت المناسب".

لقد تناقصت أعداد الطيور في العالم بنسبة 40 في المئة، ويهدد الانقراض المزيد من الأنواع، حتى تلك التي كانت تُعَدُّ ذات يوم شائعةً ووفيرة. ويوضح أنه بالإضافة إلى عدة عوامل مهددة، كالقطط والحيوانات المفترسة الأخرى والمبيدات والاصطدام بالمباني والمنشآت، فإن التأثير السلبي للضوء والضوضاء الاصطناعيين يُعَدُّ "عاملًا إضافيًّا مهمًّا، يحتِّم على مسؤولي الحفظ وإدارة الأراضي أن يأخذوه على محمل الجد".

يوضح "رين" أنه يمكن للتلوث الضوئي أن يجعل بعض الأنواع تعشش أبكر بمدة قد تصل إلى شهر، ما يعطل لديها الساعة البيولوجية مؤقتًا، فيتم فقس البيض في وقت غير متوافق مع وجود طعام وفير، وقد يُفشل عملية التكاثر برمتها، أو يؤدي إلى نمو الكتاكيت أبكر مما ينبغي فتصبح مستعدةً للطيران قبل أوان الهجرة إن تأثير الضوء الاصطناعي على توقيت تكاثر الأنواع وإن كان بوجهة نظره "ملموسا بشكل أقل في الوقت الحالي، فإنه ليس أقل أهمية على بقاء الأنواع".