على نغمات الجيتار المطعمة بنفحاتٍ من ألة الدوبرو، يشدو مغني الموسيقى الريفية الأمريكي "آلان جاكسون" بكلمات واحدة من أشهر أغانيه (The older I get – كلما تقدمت في العمر). تتحدث تلك الأغنية عن الحكمة التي يكتسبها الشخص من جَرَّاء التقدُّم في العمر. كتبها كلٌّ من "آدم رايت" و"سارة تورنر" ليغنيها "جاكسون" عن بلوغه أواخر الخمسينيات من عمره. حين سمعها "جاكسون" لأول مرة قال: "إنها تعكس الكثير مما أشعر به هذه الأيام".

تقول الأغنية في مقطع مميز: "كلما تقدمت في العمر.. كان لي أصدقاء أقل.. لكنك لست في حاجة إلى الكثير من الأصدقاء.. حين يكون لديك واحدٌ في ظهرك".

تتفق تلك الكلمات مع نظرية "الانتقائية الاجتماعية والعاطفية"، التي طورتها عالمة النفس الشهيرة بجامعة ستانفورد "لورا كارستنسن". تقول تلك النظرية إن البشر كلما تقدموا في السن يصبحون انتقائيين بشكل متزايد، ويستثمرون مواردهم في الأنشطة ذات المغزى العاطفي. تُفيد تلك الانتقائية في زيادة التجارب العاطفية الإيجابية، وتُسهم في تحسين جودة حياة المُسنين من البشر.

لكن يبدو أننا -نحن البشر- لسنا وحدنا في فعل ذلك الأمر. فأصدقاؤنا القدامى يفعلون ذلك أيضًا.

 ذكر شمبانزي كبير السن credit: John Lower

فوفق ما ورد في دراسة جديدة -استمر العمل عليها 20 عامًا- نُشرت في دورية "ساينس" يبدو أن قرود الشمبانزي -التي تشترك معنا في الأصل ذاته- تنتقي شركاءها في الكبر، وتقلِّص من صداقاتها كلما تقدمت في العمر.

يجتمع الأصدقاء من البشر للاسترخاء ومشاركة الوجبات ودعم بعضهم لبعض. في الكبر، وحين نتقدم في العمر، تحظى تلك الصداقات بتقدير كبير. تُظهر الأبحاث الحديثة أن هذا يحدث للشمبانزي أيضًا.

أوجُه التشابه

تُظهر الصداقات البشرية وصداقات الشمبانزي العديد من أوجُه التشابه، وفقًا لبحث جديد نشره باحثون من جامعات هارفارد وتافتس وميتشيجان ونيومكسيكو.

تمت دراسة الشمبانزي لعقود من قِبَل المشروع العلمي المُسمى "كيبالي شمبانزي". استفاد الباحثون في تلك الدراسة من مجموعة البيانات الاستثنائية المُستقاة من الدراسات السابقة والدراسة الحالية لاختبار نظرية الانتقائية الاجتماعية والعاطفية، والتي تُعد إحدى الأفكار المؤثرة في علم النفس، والهادفة إلى شرح سبب ظهور التغييرات في التفاعلات الاجتماعية في البشر كلما تقدموا في العمر.

تقول تلك النظرية إن البشر يعطون الأولوية للعلاقات الوثيقة والإيجابية في أثناء الشيخوخة. إذ يبتعدون عن كل ما هو سلبي لدعم التفكير بإيجابية. فالروابط الاجتماعية الإيجابية تعزِّز الصحة وتزيد من اللياقة البيولوجية. تتميز الشيخوخة عند البشر بزيادة الانتقائية لعمل تفاعلات اجتماعية إيجابية من شأنها دعم الإشباع من الناحية العاطفية. إذ يركز كبار السن على العلاقات الوثيقة القائمة، بدلًا من بدء علاقات جديدة كما يفعل الشباب الأصغر.

تميل الشمبانزي الأكبر سنًا إلى أن يكون لها أصدقاء أقرب من الشمبانزي الأصغر سنًا، على غرار البشر البالغين. credit: Ronan Donovan

كما يُظهر أيضًا كبار السن تحيزًا للمعلومات العاطفية الإيجابية مقابل السلبية. ويقللون من انخراطهم في التوتر والصراعات. بهدف تعزيز الرفاهية في سن الشيخوخة. إذ ينظر كبار السن إلى الوقت المتبقي من أعمارهم على أنه "قصير" وأكثر محدودية، ما يدفعهم لترسيخ العلاقات الإيجابية.

في تلك الدراسة، حلل الباحثون 78 ألف ساعة من الملحوظات التي اختبرت تفاعلات 21 ذكرًا من ذكور الشمبانزي منذ عام 1995 وحتى عام 2016، بمتوسط 10.6 سنة من البيانات لكل شمبانزي و141.6 يوم مراقبة في السنة.

اختار الباحثون الذكور؛ لكونهم يُظهرون بشكل أقوى الروابط والتفاعلات الاجتماعية مُقارنةً بالإناث. واستخدم الباحثون نماذج علمية توضح التراتبية الذكورية في مجتمع الشمبانزي (هيمنة الفرد وسلطته داخل المجموعة)، ولم يأخذوا في الاعتبار القرابة بين ذكور المجموعة التي تم فحصها.

تقول "ألكسندرا روساتي"، أستاذ مساعد في علم النفس والأنثروبولوجيا بجامعة ميتشجان، وهي المؤلف الأول للدراسة: إن الاختبار أظهر أن "الشمبانزي البري يشترك في نمط الشيخوخة الاجتماعية مع البشر". مشيرةً في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إلى أن تلك الحيوانات "تمنح الأولوية المطلقة للروابط الاجتماعية القوية والمتبادلة، وتتفاعل بطريقة أكثر إيجابيةً مع تقدُّمها في العمر".

على النقيض من ذلك، وجد الباحثون أن البالغين الأصغر سنًّا أكثر عُرضةً لتكوين علاقات غير متوازنة، لا يبادلون فيها شركاءهم بالمثل، ويُظهرون خلالها المزيد من السلوكيات العدوانية.

credit: Ronan Donovan أصدقاء عريس الشمبانزي مجتمعين معًا

نتائج غير مسبوقة

وتُظهر هذه النتائج أن الشمبانزي يشترك في أنماط الشيخوخة الاجتماعية البشرية، على الرغم من أن تلك الحيوانات ليس لديها -على حد ما نعرف نحن عنها- المنظور الزمني الغني نفسه في المستقبل، ولا معرفة حول الوفيات الخاصة بها.

تقول "زارين ماتشاندا"، أستاذ مساعد التطوير الوظيفي الأسري في جامعة تافتس، وهي المؤلفة المشاركة في تلك الدراسة: إن الفريق "كان متحمسًا حين أظهرت البيانات أن الشمبانزي يشترك مع البشر في ذلك السلوك"؛ إذ إن تلك النتائج تُعد "الأولى من نوعها التي تُظهر أن بعض الحيوانات تشترك معنا في هذه التحولات الاجتماعية".

يقترح الباحثون أن يكون نمط الشيخوخة هذا نتيجةً للتغييرات المشتركة في قدراتنا على تنظيم عواطفنا مع تقدم العمر. يمكن أن يمثل هذا النمط المشترك بين الشمبانزي والبشر استجابةً تكيُّفية؛ إذ يركز كبار السن على العلاقات الاجتماعية المهمة التي توفر فوائد، ويتجنبون التفاعلات التي لها عواقب سلبية؛ لأنها تُفقدهم القدرة على العيش في سلام. وتُعد هذه الدراسة مثالًا جيدًا على الكيفية التي يمكن من خلالها استغلال المعلومات والبيانات السلوكية طويلة المدى من الحيوانات البرية مثل الشمبانزي في المساعدة على فهم الشيخوخة الصحية لدى البشر وتعزيزها.

يفضل أفراد الشمبانزي عمل "شراكات" معًا. يميلون إلى السفر في المجموعات نفسها والجلوس على مقربة بعضهم من بعض. لاحظ الباحثون أيضًا أنهم يعتنون بعضهم ببعض، ويتشاركون الطعام بعضهم مع بعض، ويدعم بعضهم بعضًا في الخلافات مع مجموعات الشمبانزي الأخرى. ويمكن أن تستمر الصداقات على مدى سنوات عديدة.

ستاوت، شمبتنزي أكبر سنًا (على اليسار)، يساعد صديقه في تنظيف الحديقة  credit: Ronan Donovan

في الدراسات المختبرية، لاحظ الباحثون أن الشمبانزي يثق بأصدقائه أكثر من الأفراد الآخرين في المواقف الخطرة. كما أظهرت تحاليل الغدد الصماء أن الاستمالة مع الأصدقاء فعالة بشكل خاص في تقليل التوتر.

تقترح نظرية الانتقائية الاجتماعية والعاطفية أن يحول الناس سلوكهم الاجتماعي من التركيز على تكوين أصدقاء جدد في مرحلة الشباب، إلى الحفاظ على شبكة أصغر من العلاقات الوثيقة التي تتسم بالوفاء في سن الشيخوخة.. وهو بالضبط ما يفعله الشمبانزي، على حد قول "ماتشاندا" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

تقول عالِمة النفس بجامعة ستانفورد "لورا كارستنين"، التي وضعت أسس النظرية الانتقائية الاجتماعية والعاطفية عن البشر: إن ملاحظة مثل ذلك السلوك في أقاربنا من الرئيسيات "أمرٌ مُذهل".

ترى "كارستنين" أن الدراسة تسطر "تاريخًا جديدًا"، سيتغير بعده تعاملنا مع أنفسنا ومع باقي الرئيسيات. كما تُشير أيضًا إلى أمرٍ بالغ الأهمية؛ "فمع عدم إدراك الشمبانزي لمعاني الشيخوخة والتقدم في العمر.. يبدو أن سلوكيات الانتقاء الاجتماعي لا ترتبط بشكل عام بفهمنا نحن البشر لطبيعة الشيخوخة"؛ فالعوامل التي تؤثر على الانتقاء وتفضيل الأصدقاء "قد يكون لها دوافع أخرى لا نعرفها نحن.. سواء عند البشر أو عند الشمبانزي".

تقول "كارستنين" إن تلك الدراسة "شكلت لها دافعًا شخصيًّا للبحث عن أسباب أخرى للانتقاء الاجتماعي.. أسباب قد لا يكون لها علاقة بمفهوم الزمن.. والتقدم في العمر".