إيمانًا بأهمية إسهام المرأة في مجال العلوم للارتقاء بالعالم، منح برنامج "لوريال-يونسكو" هذا العام زمالته لخمس عالِمات أثَّرن في المجالات العلمية التي نبغن فيها في مجالات الفيزياء والرياضيات وعلوم الحاسب.

ودعم البرنامج -الذي يمثل تحالفًا قويًّا بين منظمة اليونسكو ومؤسسة "لوريال للتجميل"- على مدى 21 عامًا أكثر من 3100 عالِمة في 117 دولة، ومنح زمالته لـ107 عالِمات، حصلت ثلاثٌ منهن على جائزة نوبل.

ومنح البرنامج مبلغ 100 ألف يورو لكل واحدة من العالِمات الخمس تقديرًا لمسيرتهن العلمية، بالإضافة الى 15 ألف يورو للباحثات الشابات المتميزات لاستكمال أبحاثهن؛ دعمًا للمرأة في مجال العلوم.

فقد فازت اللبنانية "نجاة عون صليبا" -أستاذ الكيمياء ومديرة مركز حماية الطبيعة بالجامعة الأمريكية في بيروت- بالجائزة عن منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا والدول العربية؛ وذلك تقديرًا لبحوثها الرامية إلى تقييم وفهم تحوُّلات الملوِّثات الجوية في لبنان والشرق الأوسط، وتحديد المواد السُّمِّيَّة والمسرطنة الناتجة عن انبعاثات الأجهزة المشبّعة بالنيكوتين القابلة وغير القابلة للاحتراق، مثل النرجيلة والسجائر الإلكترونيّة.

السقف الزجاجي

تقول "صليبا": "إن اختراق السقف الزجاجي الذي يمنع النساء المؤهلات من التقدم يقتضي أن تتغلب النساء العاملات في مجال البحث العلمي على الحواجز الاجتماعية والثقافية على جميع المستويات الشخصية والمحلية والعالمية".

وتطلب "صليبا" من تلميذاتها دومًا النضال دفاعًا عن حقوقهن والإيمان بقدراتهن على العمل والسعي وراء أحلامهن، مضيفةً أن "النتائج قد لا تظهر بشكل سريع، ولكن إذا أحب الإنسان شيئًا ما، يجب أن يضع أهدافه أمامه، ويجتهد لتحقيقها، ولهذا يجب التحلي بالصبر وطول البال".

أما اليابانية "ماكي كاواي" -المدير العام لمعهد علوم البيولوجيا الجزيئية بجامعة طوكيو وعضو مجلس العلوم في اليابان- فقد فازت بالجائزة عن منطقة آسيا والمحيط الهادىء؛ تكريمًا لبحوثها المتميزة والرائدة في إرساء أسس تكنولوجيا النانو واكتشاف ظواهر كيميائية وفيزيائية جديدة لمعالجة قضايا بيئية مهمة، مثل فاعلية استغلال الطاقة.

تقول "كاواي": "إن تطوير النقاش العلمي لن يتأتى إلا بتعاوُن الرجل والمرأة معًا، ولابد من مضاعفة الجهود لرفع نسبة مشاركة النساء في مجال العلوم لتتساوى مع الرجال، والثقة بالنفس وحدها قادرة على كسر السقف الزجاجي الذي يمنع النساء من التقدم في المجالات العلمية".

وفازت الأرجنتينية "كارين هالبيرج" -مديرة قسم البحوث في مركز "باريلوش" الذري بالأرجنتين- بالجائزة عن أمريكا اللاتينية، تكريمًا لإسهاماتها في تطوير تقنيات مبتكرة لفهم النظم النانومترية وخواص المواد الجديدة.

الآنسة لماذا؟

وتعرب "هالبيرج" عن أسفها لكون الفيزياء من أقل المجالات العلمية التي تعمل بها النساء، مضيفةً أن "الفيزياء لها تطبيقات واسعة، وأحلم باستغلال الفيزياء لفهم الإدراك ونشاط المخ البشري ونشأة الحياة. فالحماس ومتعة اكتشاف أشياء جديدة لم يغيبا عني منذ الطفولة، حتى إن عائلتي أطلقت عليَّ لقب "الآنسة لماذا"؛ لكثرة الأسئلة التي كنت أطرحها".

وتؤكد "هاليبرج" ضرورة دعم النساء في أثناء مسيرتهن العلمية، خاصةً عندما يحاولن عمل توازن بين واجبات الأمومة وإنتاجية البحث العلمي والمشاركة في المحافل الدولية، وهي عوامل مهمة للتطور وللسمعة العلمية.

الرياضيات تتحدث

وتُعدّ الأمريكية "إنجريددوبيشيس" والفرنسية "كليرفوازان" أول عالِمتين تحصدان الجائزة عن مجال الرياضيات، إذ كانت مؤسسة لوريال ومنظمة اليونسكو قد قرّرتا تعزيزجهودهما لتمكين النساء في مجال العلوم من خلال توسيع نطاق الجوائز الدولية المخصصة لعلوم المواد لتشمل مجالين بحثيين جديدين، وهما الرياضيات وعلم الحاسوب.

وحصلت "دوبيشيس" –المتخصصة في مجال الرياضيات وهندسة الكهرباء والحاسوب بجامعة "ديوك"في الولايات المتحدة- على الجائزة عن أمريكا الشمالية؛ تكريمًا لإسهاماتها المتميزة في مجال المعالجة الرقمية للصور ومعالجة الإشارات، الأمر الذي يقدّم خوارزميات مرنة لعملية ضغط البيانات. وقد أسهمت بحوثها الابتكارية في خدمة التكنولوجيا المستخدمة في العديد من التطبيقات، ومنها التصوير الطبي والاتصالات اللاسلكية.

المساواة بين الجنسين

تقول "دوبيشيس": هناك العديد من العوائق أمام اقتحام عدد أكبر من النساء للمجالات العلمية، خاصةً مع قلة النماذج القدوة والنساء في المناصب العلمية الرفيعة. وفضلًا عن أهمية توجيه النساء في البحث العلمي، فلابد من تغيُّر جذري في المفاهيم فيما يتعلق بالمساواة بين الجنسين في مجال الرياضيات وغيره.

وتضيف أن هناك اعتقادًا شائعًا بأن الحياة العلمية جافة وتفتقر إلى الإبداع، وهذا خطأ كبير يؤدي إلى عزوف المرأة –وأحيانًا الرجل- عنها. وتعاوُن الجنسين في المجالات العلمية يُثري الأفكار ويساعد على ابتكار وسائل أفضل لمواجهة التحديات، وهذا أمر حيوي لكل مجالات الإبداع.

أما " فوازان"، وهي عالِمة رياضيات في مؤسسة "كوليج دو فرانس"، فقد فازت بالجائزة عن قارة أوروبا تكريمًا لأعمالها المتميزة في مجال الهندسة الجبرية؛ إذ ساعدت اكتشافاتها الرائدة الباحثين في مجالي الرياضيات والعلوم في التوصل إلى حلول لبعض المسائل الأساسية في مجال الطوبولوجيا (الخصائص الهندسية للمكان).

وتقول "فوازان": نحتاج إلى وضع نظام تعليمي أكثر انفتاحًا لتشجيع الفتيات على الانطلاق وطرح مزيد من الأسئلة، فمعرفة كيفية عمل الأشياء إحساس رائع لمَن لديه فضول مثلي".

وتضيف: أعتقد أن معظم النساء المتميزات في العلوم لم تنل التقدير الكافي، وعادةً ما يُعتبر عملهن أقل من أقرانهن الرجال، وينبغي على المرأة بذل جهد أكبر من الرجل، وخاصةً في بداية مسيرتها العلمية؛ حتى تحظى بالمكانة المناسبة التي تليق بها.