لطالما حذر الباحثون من أن الأشخاص الذين يعانون من الوحدة والعزلة الاجتماعية يكونون أكثر عرضةً للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والخرف والاكتئاب. لكن دراسة أجراها باحثون من جامعتي "سري" و"برونيل" البريطانيتين ونشرتها دورية "نيوروساينس آند بيوبيهافيور ريفيوز" Neuroscience & Biobehavioral Reviews، أضافت بُعدًا آخر للتداعيات الصحية لهذه التهديدات، مشيرةً إلى أن المعاناة من الوحدة والعزلة الاجتماعية تؤدي إلى الإصابة بالتهابات جسدية طويلة الأمد.

فحص الباحثون العلاقة بين "أثر الشعور بالوحدة وكذلك أثر العزلة الاجتماعية على تزايُد احتمالات الإصابة بالالتهابات الجسدية طويلة الأمد"، وذلك للفئات العمرية التي تزيد أعمارها عن 16 عامًا.

في البداية، تتبَّع الباحثون 7400 ورقة بحثية تناولت العلاقة بين الوحدة والعزلة الاجتماعية على الإصابة بالالتهابات طويلة الأمد، ثم جرى تقليص هذا العدد إلى 14 دراسة فقط تتناول العلاقة بين الوحدة والإصابة بالالتهابات و16 دراسة أخرى بحثت العلاقة بين العزلة الاجتماعية والإصابة بالالتهابات.

وجد الباحثون أن "ارتفاع نسبة ما يُعرف بالبروتين المتفاعل سي C CRP، والذي يمكن قياسه في الدم كمؤشر على وجود التهاب في الجسم، وزيادة مستويات بروتينات الفيبرينوجين، التي تؤدي دورًا مهمًّا في تجلط الدم، ترتبطان بالتعرُّض للعزلة الاجتماعية، أما التعرُّض للوحدة فيؤدي إلى تزايُد بروتين إنترلوكين 6، الذي يُعَد هو الأخر مؤشرًا على وجود التهابات حادة بالجسم".

يقول كيمبرلي سميث، المحاضر في علم النفس بجامعة "سري" البريطانية، والباحث الرئيسي في الدراسة: عملنا على رصد العلاقة بين كلٍّ من العزلة الاجتماعية والوحدة من جانب وحدوث الالتهابات ممتدة الأجل في الجسم من جانب آخر، وذلك من خلال تحليل نتائج 30 دراسة سابقة في هذا المجال أكدت أن العزلة الاجتماعية والوحدة يمكن أن يرتبطا بزيادة الالتهاب في الجسم.

ويُعَد الالتهاب إحدى الوسائل التي قد يستخدمها الجهاز المناعي لمداواة الأنسجة التالفة وإصلاحها، وكذلك للدفاع عن الجسم ضد الفيروسات والبكتيريا، لكن الالتهاب طويل الأمد يرتبط بتداعيات صحية خطيرة، مثل تسبُّبه في إتلاف الخلايا والأنسجة والأعضاء السليمة، وزيادة خطر الإصابة بالأمراض غير المعدية مثل أمراض القلب والأوعية الدموية.

الوباء الصامت

تقدم الأبحاث العلمية في الواقع تعريفًا مختلفًا لكلٍّ من الظاهرتين، فالعزلة الاجتماعية هي البُعد -بشكل مادي- عن الآخرين وعدم وجود قنوات للتواصل، أما الوحدة فتمثل شعورًا بعدم وجود مَن يتفهمك ويشاركك الاهتمامات، وهو ما قد يصيب الشخص حتى وهو داخل غرفة مزدحمة بالآخرين.

وتؤكد دراسات عديدة أن العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة أصبحا يشكلان خطرًا متناميًا على صحة الأفراد، إذ أظهرت دراسة أمريكية أنهما باتا من عوامل الخطر القاتلة والراسخة، مثل السمنة والتدخين ونقص النشاط البدني، كما أصبحا يشكلان عبئًا على كاهل الحكومات.

وكانت "لجنة جو كوكس" البريطانية قد وصفت تزايُد نسب الشعور بالوحدة والعزلة في المجتمع البريطاني بـ"الوباء الصامت"، مشيرةً إلى أن 8 ملايين بريطاني يعانون مشاعر الوحدة والعزلة.

العزلة الاجتماعية والمناعة

وعن العلاقة بين العزلة الاجتماعية والجهاز المناعي لدى البشر ومدى تأثيرها على كفاءته، يوضح "سميث" -في تصريحات لـ"للعلم"- الأمر بقوله: تطورنا كبشر لنصبح نوعًا اجتماعيًّا، لذا فإن العزلة الاجتماعية يمكن أن تكون مصدرًا للضغط النفسي والتوتر، ما يؤثر تأثيرًا مباشرًا على جهاز المناعة.

وتقول ندى أبو المجد -استشاري الطب النفسي- في تصريحات "للعلم": العكس يبدو صحيحًا أيضًا؛ فمن الممكن أن يؤدي الالتهاب بدوره إلى العزلة الاجتماعية؛ إذ إن الإصابة بالالتهابات الجسدية يمكن أن تؤدي إلى مجموعة من الاضطرابات الدماغية بدءًا من الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب، وصولًا إلى التوحد والفصام ومرض ألزهايمر.

ومن المثير للاهتمام أيضًا في نتائج هذا البحث أن العلاقة بين العزلة الاجتماعية والالتهاب الجسدي من المرجح ملاحظتها في الذكور أكثر من الإناث، وهو ما يعلق عليه "سميث" بقوله: لم نُجب عن سبب ذلك، وقد نحتاج إلى دراسات جديدة لتوضيح السبب وراء ذلك، وإن كانت هناك دراسات سابقة تشير إلى أن الذكور والإناث قد يستجيبون للضغوط الاجتماعية على نحوٍ مختلف.

الوحدة والضغط النفسي

أما على صعيد الشعور بالوحدة، فإن البراهين التي ساقها البحث بصدد العلاقة بين الوحدة والالتهاب تبدو أقل إقناعًا. فمن الأدلة التي ساقها البحث أن الشعور بالوحدة مرتبط بارتفاع مستويات بروتين إنترلوكين -6. لكن نتائج الدراسات الـ14 التي جرى فحصها (والمعنية بالعلاقة بين الوحدة والالتهاب) لم تكن متسقة، واستندت هذه العلاقة إلى دراستين فقط من تلك التي كانت خاضعةً للبحث، وفق "أبو المجد".

ويذهب الباحثون إلى أنه من المحتمل أن يؤدي الشعور بالوحدة إلى تغيُّر الطريقة التي يستجيب بها الجسم للتوتر. إذ إن الأفراد الذين يعانون من الوحدة قد تتعزز لديهم الاستجابات الالتهابية من جَرَّاء هذا النوع من الضغوط النفسية.

تبرز إذًا الدراسات المتتالية، التي تؤكد أن الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًّا يحتاج إلى علاقات صحية ومزدهرة بقدر احتياجه إلى أساسيات الحياة مثل الهواء والماء، فالشعور بالعزلة الاجتماعية والوحدة يزيدان خطر الموت المبكر ويقللان من متوسط العمر المتوقع.

وتشير دراسة أُجريت على 308 آلاف و849 شخصًا إلى أن معدلات البقاء على قيد الحياة وتراجُع احتمالات التعرُّض لخطر الموت المبكر تزداد بنحو 50% بالنسبة للأشخاص الذين يتمتعون بقدرٍ كافٍ من العلاقات الاجتماعية، مقارنةً بأولئك الذين تكون علاقاتهم الاجتماعية غير مُرضية، وأن مخاطر عدم التمتع بقدرٍ كافٍ من العلاقات الاجتماعية لا تقل عن مخاطر التدخين وإدمان الكحوليات.

كما أن العلاقات الشخصية الجيدة، سواء كانت داخل الأسرة أو مع الأصدقاء، تنبئ بسلامة الشخص البدنية خلال حياته.

تقول "أبو المجد": ربما يتَّسق ذلك مع شواهد أصبحنا نراها اليوم تؤكد وجود ارتباط وثيق بين كفاءة الجهاز المناعي والصحة النفسية، فهناك طرح علمي قوي بوجود علاقة بين الإصابة بمرض السرطان مثلًا والتعرُّض لأنواع من الضغوط النفسية. ومن ناحية أخرى، هناك شواهد وبراهين تؤكد أن الحالة النفسية وقت العلاج قد تكون عاملًا مساعدًا على التعافي.

وبالرغم من موافقة "أبو المجد" على نتائج الأطروحة الجديدة، إلا أنها تعتقد أن فكرة البحث تبدو شديدة التعقيد، وتتداخل فيها عوامل عدة.

يعلق "سميث" على ملحوظة "أبو المجد" قائلًا: الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية يزيدان من خطر اعتلال الصحة. ويرجع هذا جزئيًّا إلى حقيقة أنهما يؤثران على الاستجابة الالتهابية في الجسم، ولفهم كيفية تأثيرهما على الصحة على نحوٍ أفضل، نحتاج إلى فحص مجموعة من عوامل الخطر البيولوجية والنفسية والاجتماعية، مثل ضغط الدم والصحة العقلية والدخل والدعم الاجتماعي، التي ترتبط جميعها بزيادة الالتهاب. وأضاف أنه رغم ذلك فإننا نعتقد أن الأمر يبدو أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، أي أننا أمام صورة كبيرة متداخلة من العوامل المسبِّبة للالتهاب والمحفِّزة له. ونعتقد أن هذه النتائج هي خطوة أولى في هذه الصورة، لكنها مهمة في مساعدتنا على تكوين فهمٍ أفضل لكيفية ربط عوامل الوحدة والعزلة الاجتماعية بمُخرَجات الصحة البدنية والنفسية لدى الأفراد.