ذكرت دراسة علمية حديثة أن الشعور بالوحدة يختلف عن القلق الاجتماعي فيما يتعلق بكلٍّ من السلوك والآليات العصبية الحيوية، وهو ما يعني أن ذلك الشعور حالة فريدة تتطلب تدخلات علاجية وسلوكية خاصة.

وتُظهر دراسات علمية عديدة أن الوحدة يُمكن أن تُسبب مشكلات صحية خطيرة؛ إذ تؤكد أنها حالة مؤلمة لها آثار ضارة على كلٍّ من الصحة العقلية والجسدية، ولكن حتى الآن لا يتوافر سوى تدخلات علاجية وسلوكية قليلة للغاية تستهدف تلك الحالة الخطيرة.

وتوضح الدراسة، التي نشرتها دورية "جورنال أوف نيوروسانس" (Journal of Neuroscience)، أن القلق الاجتماعي يختلف اختلافًا جذريًّا عن الوحدة؛ فالقلق الاجتماعي هو نوع من الاضطرابات التي تتميز بمشاعر الخوف والرغبة في الانعزال عن المجتمع، أي أنه شعور يتولد داخل الشخص ويُرغمه على عدم التواصل مع المجتمع، أما الوحدة الاجتماعية فهي مجموعة من المشاعر السلبية التي يمكن أن تحدث عندما لا تُلبى احتياجات الشخص إلى التواصل الاجتماعي.

ويمثل الشعور بالوحدة مصدر قلق كبيرًا للصحة العامة؛ بسبب آثاره الضارة على الصحة البدنية والعقلية، فعلى سبيل المثال، تُعد الوحدة عامل خطر للوفاة المبكرة أكبر من السمنة أو تعاطي المخدرات، ومع ذلك، لا يُعرف الكثير عن الآليات المعرفية أو البيولوجية العصبية التي تعوق تكوين علاقات جديدة وإيجابية.

وقد يكون تكييف العلاجات المعرفية السلوكية الراسخة التي تستهدف القلق الاجتماعي واعدًا لتقليل الشعور بالوحدة المزمنة؛ إلا أن هناك حاجةً إلى فهم أفضل للعوامل السلوكية والبيولوجية العصبية المرتبطة بالوحدة؛ لتحديد الآليات المحددة للأشخاص الذين يشعرون بالوحدة.

يرى الباحثون أن الأفراد الذين يشعرون بالوحدة يُظهرون نمطًا متميزًا باستمرار من الاستجابة السلوكية والعصبية لاتخاذ القرارات الاجتماعية السلبية مقارنةً بهؤلاء الذين يشعرون بالقلق الاجتماعي، وهذا يعني أن الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة يفضلون التفاعل الاجتماعي -حتى وإن كان سلبيًّا- في الوقت الذي لا يفضل فيه الأشخاص الذين يُعانون من القلق الاجتماعي التفاعل مع محيطهم.

تقول "جانا ليبيرز"، الباحثة بقسم علم الطب النفسي بمستشفى "بون" الجامعي، والمؤلفة الأولى لتلك الدراسة: هناك العديد من التدخلات والعلاجات لتقليل القلق واستهداف الاضطرابات النفسية ذات الصلة، مثل اضطراب القلق الاجتماعي أو اضطراب القلق العام أو حالات الرهاب المحدد، فكثيرًا ما تُستخدم العلاجات المعرفية السلوكية لعلاج ذلك الاضطراب، وفي حين أن العلاجات النفسية الفعالة لاضطرابات القلق موجودة بالفعل، لا يوجد حاليًّا سوى عدد قليل من التدخلات السلوكية التي تستهدف الشعور بالوحدة المزمنة.

ويُعد الفهم الأفضل للآليات العصبية الحيوية الكامنة وراء الشعور بالوحدة المزمنة أمرًا مهمًّا لتكييف التدخلات العلاجية أو الوقائية الراسخة لاستهداف الوحدة على وجه التحديد، ونعلم من الدراسات السابقة أن القلق الاجتماعي مرتبط ببعض العوامل التي تُعَدُّ سماتٍ رئيسيةً للوحدة، مثل قلة الرضا عن العلاقات الاجتماعية، علاوةً على ذلك، وعلى عكس ما قد يتوقعه المرء، أشارت الدراسات السابقة أيضًا إلى أن الأفراد الوحيدين يميلون إلى تجنُّب التفاعلات الاجتماعية، والتي بدورها تُعد سمةً أساسيةً للقلق الاجتماعي.

تضيف "ليبرز" في تصريحات لـ"للعلم": افترضنا أن الآليات العصبية الحيوية التي قد تكون سببًا للقلق الاجتماعي، والتي ترتبط بسلوك التجنُّب هذا، قد تسهم أيضًا في تطوير الشعور بالوحدة المزمنة أو الحفاظ عليه، لكن على نحوٍ غير متوقع تشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أن الوحدة مرتبطة بأنماط استجابة سلوكية وعصبية تختلف بوضوح عن القلق الاجتماعي، ولم نجد دليلًا على سلوك التجنُّب لدى الأفراد الوحيدين.

وتتابع: تشير الدلائل الأولى في تلك الدراسة إلى أن التدخلات السلوكية المعرفية قد تكون واعدةً أيضًا لتقليل الشعور بالوحدة من خلال استهداف الإدراك المتحيز حول البيئة الاجتماعية للفرد، إلا أن النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى أن الشعور بالوحدة والقلق الاجتماعي يعتمدان على آليات بيولوجية عصبية متمايزة، وهناك حاجة إلى مزيد من البحث لتحديد التدخلات الأكثر فاعليةً لتقليل الشعور بالوحدة.

وعلى الرغم من أن الدراسات الحديثة تؤكد أن مشاعر الوحدة تختلف بالفعل عبر العمر، وأن الشعور بالوحدة هو الأكثر شيوعًا في سن الرشد وبين كبار السن، إلا أن العينة في تلك الدراسة تكونت من الشباب الذين يبلغ متوسط ​​أعمارهم حوالي 27 عامًا، وهو الأمر الذي ساعد الباحثين على استكشاف العوامل السلوكية والبيولوجية العصبية المرتبطة بالوحدة في سن مبكرة، تقول "ليبيرز" إنه "لا يمكننا استبعاد أن نتائجنا قد تختلف في مجموعة أكبر سنًّا".

تُعد تلك الدراسة جزءًا من مشروع بحثي أكبر بدأ في 2018، وانتهى الباحثون من جمع البيانات في 2019 قبل حدوث الحالات الأولى لجائحة كورونا المستجد، وبالتالي لم تتأثر نتائج الدراسة بشعور المشاركين في أثناء الجائحة.

وتؤكد الدراسة أن الوحدة تتميز عن الاضطرابات النفسية ذات الصلة، وتسلط الضوء مرةً أخرى على أن الوحدة تتطلب تدخلاتها الخاصة، وقد تسهل النتائج التي توصل إليها الباحثون تحديد العوامل الخاصة بالوحدة، والتي يمكن معالجتها في التدخلات لتقليل الشعور بالوحدة، لكن -وفق "ليبيرز"- "هناك حاجة إلى دراسات مستقبلية لتوسيع معرفتنا بالوحدة وآلياتها البيولوجية العصبية الأساسية إذا ما أردنا علاج مَن يشعر بالوحدة بشكل فعال".