تعتقد الدول الغنية أن دفن نفاياتها أو حرقها في دول أقل نموًّا يعني أنها تخلصت من مشكلة الملوثات البلاستيكية. لكن دراسة جديدة كشفت أن التلوث باللدائن البلاستيكية الدقيقة "المايكروبلاستيك" يمكن أن ينتشر على مستوى العالم من مصادره إلى المناطق النائية عنه، وأن هذه الجسيمات قد تنتقل عبر البحار والقارات على مسافة تقدر بنحو 4500 كيلومتر من مصدرها، كما هو الحال على قمة جبال البرانس الفرنسية، التي عُثر فوقها على لدائن بلاستيكية تعود إلى مصادر من الجنوب العالمي.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر كومينيكيشنز" (Nature Communications)، فإن المناطق ذات الاستخدام المحلي القليل للبلاستيك يمكن أن تتأثر بمصادر البلاستيك الدقيقة الموجودة في أماكن بعيدة جدًّا عنها، عن طريق انتقال هذه الجسيمات من خلال حركة المياه أو الهواء في الطبقة الدنيا من الغلاف الجوي "التروبوسفير"، حيث يحدث الاحتكاك بين الهواء وسطح الأرض وتكون سرعة الرياح منخفضةً نسبيًّا.

يقل قُطر اللدائن البلاستيكية الدقيقة عن 5 ملليمترات، ويمكن أن تتولد من مصادر متعددة، أبرزها المصادر المباشرة من الصناعة مثل عبوات مستحضرات التجميل، أو بشكل غير مباشر من التفتُّت الفيزيائي والكيميائي والبيولوجي للمخلفات البلاستيكية الكبيرة (أطول من 5 ملليمترات). 

وأوضح "ستيف ألين" -الباحث في مجال اللدائن الدقيقة بجامعة "ستراثكلايد" في جلاسكو بالمملكة المتحدة، وعضو فريق البحث- أن الاكتشاف الرئيسي في الدراسة هو العثور على دليل قوي على أن التلوث البلاستيكي ينتقل عبر الغيوم في طبقة التروبوسفير، وأنه يمكن إرجاع مصدر بعض العينات إلى حركة أمواج المحيطات، أما العينات الأخرى فكانت محمولةً عبر الهواء أكثر من أسبوع قبل جمعها. 

يقول "ألين" في تصريحات لـ"للعلم": جزء كبير من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة لا يسقط على الأرض في أثناء الأمطار، بسبب سرعة الرياح فضلًا عن قلة الأمطار في كثير من مناطق عبور السحب المشحونة بهذه الملوثات.

ويتابع: التروبوسفير هو الطريق السريع الفائق للتلوث؛ إذ يحتوي على رياح أعلى وأمطار أقل، مما يسهِّل على الجزيئات السفر مسافاتٍ أبعد وأسرع.

جمع الباحثون 15 عينةً من جزيئات البلاستيك الدقيقة على مدى عدة أشهر في مرصد "بيك دو ميدي" في جبال البرانس في جنوب غرب فرنسا، الذي يقع على ارتفاع 3000 متر تقريبًا فوق مستوى سطح البحر، ومن ثم يوفر وصولًا أسهل إلى طبقة التروبوسفير، التُقطت العينات من الهواء باستخدام مضخة كبيرة لتجميع الجزيئات على مرشح، ثم عمل الفريق على تحليلها باستخدام ليزر رامان (التحليل الطيفي الاهتزازي) لتحديد أنواع البلاستيك. 

يقول "ألين": نقل التلوث البلاستيكي عبر مسافات عبر القارات وعبر المحيط يعني أنه لا يهم المدى الذي تُلقَى فيه النفايات البلاستيكية، فمن المحتمل أن تصل تلك النفايات إلى كل ركن من أركان العالم، وما يرسله الشخص بعيدًا اليوم، قد يعود في الهواء الذي يتنفسه في وقت قصير جدًّا.

كشف الفريق أن أكثر أنواع البلاستيك وفرةً هو البولي إيثيلين، الذي يشيع استخدامه في العبوات البلاستيكية، وكان قُطر معظم الجسيمات التي التقطها الباحثون يتراوح ما بين 5 ميكرومترات و20 ميكرومترًا، وهو حجم يجعلها مادةً سهلة الاستنشاق بالنسبة للبشر والحيوانات، وقد ينتج عنها مشكلات في التنفس وتسبب أمراض الجهاز التنفسي على المدى الطويل مثل الربو.