ستة أشهر مرت ولم يتعافَ "أبو الحسن" تمامًا، يتحرك صاحب الـ44 عامًا بصعوبة ويعتريه الإجهاد طوال الوقت، في حين يبدو ذلك هيّنًا إذا قورن بتضخم عضلة القلب الذي أصابه فجأةً بعد شفائه من فيروس كورونا المستجد، وفق تشخيص الأطباء.

"أبو الحسن"، الذي لم يذكر اسمه صراحة، ليس وحده الذي لا تعود صحته إلى طبيعتها عقب التعافي من "كوفيد-19"، فبينما يُصاب أحدهم بأعراض جسدية واضحة، يعاني آخرون من آثار نفسية، وتختلف الشكوى بين الإجهاد، وفقدان الشم لمدة قد تصل إلى سبعة أشهر، وصعوبة في الرؤية، والجلطات القلبية.

فرغم تنامي أعداد الدراسات العلمية التى تتعلق بأسباب الأعراض طويلة الأمد لفيروس "كورونا المستجد" المسبب لمرض "كوفيد-19"، ما زالت تلك الدراسات في مرحلة البحث، ولم تصل إلى إجابات قاطعة بعد.

55 عرَضًا شائعًا

أسماء مختلفة تم إطلاقها على تلك الأعراض، منها "كورونا طويل الأمد"، و"متلازمة ما بعد التعافي من كورونا"، و"أعراض كورونا المستمرة" وغيرها، ولأنها طور الدراسة فقد تختلف الأعراض من مجموعة أشخاص إلى آخرين، لكن هناك أعراضًا مشتركة رصدتها "منظمة الصحة العالمية" و"المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض واتقائها"، مثل التعب المستمر وضربات القلب المتقطعة والصداع.

في هذا السياق، حاولت دراسات عديدة حصر أهم الأعراض التي قد تصيب المرضى بعد التعافي من كوفيد-19، منها دراسة نشرها موقع medRxiv التابع لجامعة ييل الأمريكية في يناير الماضي، انتهت إلى أن هناك 55 عرَضًا شائعًا يظهر بعد التعافي من كورونا.

تقول ساندرا لوبيز -أستاذة علم الأوبئة الجينية بجامعة "إراسموس روتردام" الهولندية، ومؤلفة الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": حلل الفريق البحثي بيانات 15 دراسة سابقة، ركّزت جميعها على الأعراض التي ظهرت خلال فترات امتدت من 15 يومًا وحتى 110 أيام بعد التعافي.

صنّفت الدراسة التي شملت حالات من أعمار مختلفة تراوحت بين 17 إلى 87 عامًا، عدة أعراض وصفتها بأنها "الأكثر شيوعًا"، وهي التعب ثم الصداع، ثم اضطراب الانتباه ثم تساقط الشعر، وأخيرًا ضيق التنفس.

تضيف "لوبيز": كان مدهشًا رؤية العديد من الأعراض التي تشبه متلازمة الإرهاق المزمن، وهو مرض ما زلنا لا نفهمه تمامًا، وتشمل الأسباب المحتملة له "فيروس إبشتاين بار" ومن أعراضه التهاب الحلق، وتضخُّم العُقَد اللمفية في الرقبة والإبطين، وتورُّم اللوزتين، والصداع، والطفح الجلدي، وكذلك فيروس الهربس وغيرها، لكن من المغري التكهن بإمكانية إضافة فيروس كورونا إلى مسببات تلك المتلازمة.
متابعات هاتفية

امتدت الدراسات التي ركزت على متابعة مصابي كورونا في مرحلة ما بعد التعافي إلى مصر أيضًا، ففي تجربة أجرتها كلية طب قصر العيني، تابع الطبيبان مها حسام الدين، ومحمد ثروت، 400 مريض عبر الهاتف على مدار ستة أشهر بداية من يوليو 2020 وحتى مارس الماضي، لمقارنة مرحلة الإصابة في المنزل بنظيرتها في المستشفى لأصحاب الأعراض الخفيفة، ومعرفة التأثير طويل المدى لـ"كوفيد-19" على الجهاز التنفسي تحديدًا.

تكوَّن الفريق المُتابع للمرضى من 80 طبيبًا وممرضًا، درّبهم "ثروت" -مدرس الطب الباطني والمناعة بجامعة القاهرة- على سحب العينات الخاصة بالفيروس المستجد والمتابعة التليفونية واستمارات الاستبانة والتحاليل الأخرى.

يقول "ثروت" في تصريحات لـ"للعلم": لاحظنا ظهور بعض الأعراض على المتعافين، بعضها كان مفاجئًا، إذ أصيب البعض بجلطات في القدم تحديدًا عقب أكثر من شهر من التعافي ودون مقدمات، وأصيب البعض الآخر بالتهاب عضلة القلب، وذلك رغم أن الحالات لم تكن مُصابةً قبل كورونا بأي أمراض مُزمنة كما تؤكد الفحوصات.

أسرى الأدوية

عانى "أبو الحسن" من حساسية الصدر قبل إصابته بـ"كوفيد-19"، لكن الأمر كان تحت السيطرة، إذ كانت نسبة الإصابة 20%، لكنها ارتفعت إلى 75% عقب تعافيه من الفيروس كما أخبره طبيبه المعالج، وباتت أقل حركة يقوم بها تجعله يلهث.

يقطن الأب الأربعيني في الطابق الخامس، وأصبح صعود السُّلم كابوسًا عليه التعامل معه يوميًّا، وكشفت أشعة القلب إصابته بتضخم في عضلة القلب، بالإضافة إلى حدوث تخبُّط في مقياس ضغط الدم، ما جعله أسيرًا لعشرات الأدوية التي يتوجب عليه تناولها يوميًّا من جَرَّاء تداعيات "كورونا طويل الأمد".

بدورها، تحكي "شريهان" لـ"للعلم" قصتها مع المرض قائلة: أصبت بكوفيد-19، وعانيت من أعراض معتدلة مقارنةً بما كنت أسمعه من مرضى آخرين، وبالتالي لم أضطر إلى الحجز في المستشفى؛ إذ قضيت 20 يومًا في عزلة داخل منزلي برفقة زوجي وابني.

تضيف "شريهان"، صاحبة الـ34 عامًا والتي تتحفظ "للعلم" على نشر اسمها كاملًا، أنها عانت من أعراض عدة بعد ظهور سلبية العينة، مثل ضعف حاستي الشم والتذوق وحدوث تورم في قدمها اليمنى، ما جعلها أسيرةً لتجربة علاجية طافت خلالها على أطباء من تخصصات مختلفة مثل الأوعية الدموية والمخ والأعصاب، وبعضهم لم يجد مسوِّغًا لما عانت منه سوى أن ما أصابها هو أحد مضاعفات كورونا.

لم يستطع الأطباء الجزم بأن التورم سببه فيروس كورونا، خاصةً وأن جميع التحاليل سلبية، اتبعت السيدة نظامًا علاجيًّا، غير أن ورمًا آخر ظهر في الرُّكبة اليُسرى، وأعطاها الطبيب أدويةً أخرى، مؤكدًا أنه لا يعرف سبب التورم.

تقول "شريهان": أثّر الورم على حياتي، قبل الإصابة بفيروس كورونا كنت أمارس الرياضة، أما الآن فأجلس معظم الوقت وأرفع رجلي لأخفف الشعور بالألم، وكل أملي أن ينتهي ما أمر به قريبًا.

تأثيرات سلبية

معاناة "شريهان" ليست بعيدةً عما انتهت إليه دراسة نشرتها مجلة "ذا لانسيت"، اشتملت على المقارنة بين 30 شخصًا لم يُصبوا بالفيروس المستجد و58 شخصًا آخرين أُصيبوا به ودخلوا المستشفى لكنهم تعافوا، وعلى مدار 3 أشهر من المتابعة، وجد الباحثون أن المتعافين من إصابات كورونا تأثرت وظائفهم الحيوية بشكل واضح.

ووجد الباحثون أن 64٪ من عينة البحث يعانون من ضيق في التنفس، و55% يعانون من التعب، وأظهر التصوير بالرنين المغناطيسي وجود تشوهات في الرئتين (60٪) والقلب (26٪) والكبد (10٪) والكلى (29٪)، ولوحظ تعرُّض المرضى لتغيُّرات في المهاد، وضعف في الأداء المعرفي خاصةً في المجالات التنفيذية والبصرية المكانية، فضلًا عن تراجُع قدراتهم على تحمُّل أداء التمارين الرياضية، وعانى المرضى من أعراض الاكتئاب المبلغ عنها ذاتيًّا ومن ضعف كبير في جميع مجالات جودة الحياة، مقارنةً بغير المصابين.

تقول بيتي رامان –المتخصصة في طب القلب والأوعية الدموية في مؤسسة القلب البريطانية ومركز أكسفورد للأبحاث الطبية الحيوية، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": وجدنا أن معظم المتعافين لديهم تشوه في أحد الأنسجة، سواء القلب أو الرئتين أو المخ أو الكبد، إضافةً إلى ما لاحظناه من تعرُّض المتعافين لآثار نفسية، أغلبها متعلق بالتقلبات المزاجية الشديدة أو الاكتئاب والقلق، وبعض المشاركين أخبرونا بأنهم لم يعودوا اجتماعيين مثلما كانوا من قبل.

تضيف "رامان": أكثر أعضاء الجسم تأثرًا لدى المتعافين من الفيروس هي الرئتان ثم الكلى ثم القلب، وأسوأ ما في الأمر هو عدم اهتمام كثير منهم بمتابعة حالته مع الطبيب عقب خروجه من المستشفى اعتقادًا منه بتمام التعافي، لكن للأسف شاهدنا حالات أُصيبت بجلطات عقب خروجها من المستشفى بشهرين، ونعمل خلال الأشهر الستة القادمة على رصد الأعراض الأخرى على مدى أطول.

وفي السياق، قدمت دراسة أخرى نشرتها "نيتشر ميديسين" –في مارس الماضي- مراجعات طبية لأهم الأعراض التي يمر بها المتعافون من الفيروس في أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية والصين.

تشير الدراسة إلى أن "أعراض ما بعد كورونا، هي التي تظهر عقب 4 أسابيع على الأقل من ظهور أعراض الإصابة بالفيروس المستجد، ولها تأثيرات على الأعضاء المختلفة، فمثلًا فيما يتعلق بالرئة، كان ضيق التنفس أمرًا شائعًا، كذلك عدم القدرة على ممارسة الرياضة، في حين لوحظ أن حالة فرط الالتهاب التي يخلِّفها الفيروس لا يُمكن معرفة مدة انتهائها".

كما رصدت الدراسة أن بُراز بعض المتعافين يظل حاملًا للفيروس رغم سلبية عينة البلعوم، وجرى الإبلاغ عن تساقُط الشعر لحوالي 20% من المتعافين في دراسات الدول الثلاث.
تجربة مصرية موثقة

كان لمصر تجربة موثقة في متابعة المصابين بعد تعافيهم؛ ففي أغسطس 2020 أنشأت مستشفى المنيرة بالقاهرة أول عيادة استشفاء تحت رعاية وزارة الصحة المصرية، ورغم أن العيادة تم إغلاقها مع نهاية سبتمبر بسبب ارتفاع أعداد الإصابات وبدء الموجة الثانية، فإن الطبيب فاروق مصطفى، مدير العيادة ومُدرس الحالات الحرجة بقصر العيني، رصد قصصًا عديدة خلال فترة قصيرة.

يقول "مصطفى" في تصريحات لـ"للعلم": عاينت حالات أُصيبت بعد التعافي بـ"متلازمة غيلان باريه"، التي تدفع الجهاز المناعي لمحاربة الجهاز العصبي، كما عاينت بعض حالات الالتهاب في الغدة الدرقية.

و"متلازمة غيلان باريه" هي حالة طبية نادرة يُهاجِم فيها الجهاز المناعي الأعصاب، وعادةً ما تظهر الأعراض الأولى على هيئة نخز وضعف ينتاب الأطراف، وسرعان ما تنتشر هذه الأعراض حتى يُصاب كامل الجسم بالشلل.

يضيف "مصطفى": أذكر حالة لسيدة عمرها 32 عامًا عانت من تسارُع ملحوظ في النفَس عقب شهر من التعافي، وحينما أجرينا لها أشعة مقطعية، اكتشفنا إصابتها بجلطتين في الشريان الرئوي،

ويتابع: حتى الآن، لا يوجد بروتوكول مصري واضح للتعامل مع حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في مرحلة ما بعد التعافي، سوى استكمال إعطاء أدوية السيولة لمدة قد تصل إلى 40 يومًا لمواجهة أي جلطات محتملة.

المجهول أسوأ الاختيارات

من جهتها، تنصح مها حسام الدين -أستاذ طب الباطنة بجامعة القاهرة، والمشرفة على تجربة متابعة المرضى تليفونيًّا بقصر العيني- المتعافين بـ"ضرورة تناول الطعام الصحي دائمًا وشُرب المياه والحصول على التطعيمات التي باتت متاحةً في مصر"، تتبع "سارة" تلك النصائح منذ تعافيها هي شخصيًّا في سبتمبر الماضي، خاصةً بعد فقدانها لحاسة الشم لمدة أربعة أشهر.

تقول "سارة" لـ"للعلم": كان الأمر مُزعجًا، خاصةً داخل المنزل، فلو حدث حريق مثلًا فلن أعرف، لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، فحينما استعدتُ حاسة الشم، كنت أستنشق رائحةً تُشبه الدخان لبضعة أسابيع حتى عادت لي حاسة الشم بشكل كامل، ورغم هذا، أعترف بأنني أوفر حظًّا مقارنةً بغيري، يكفي أن المرض لم يترك لديَّ أيَّ مضاعفات جسدية عقب الشفاء.

ويبدو أن نصيب "سارة" الأوفر حظًّا ما زال حلمًا بالنسبة لـ"أبو الحسن"، الذي بات مطالبًا بمحاولة التأقلم مع أعراض ما بعد التعافي من "كوفيد-19"، يمتلك الأب الأربعيني محلًّا للمأكولات، لكنه لم يعد نشيطًا كما كان قبل الإصابة، ويشعر أحيانًا أنه بلا فائدة، لكنه يرفض الاستسلام، يقول "أبو الحسن": رغم أن الأطباء لا يعرفون متى تنتهي معاناتي، لكنني أريد أن أقنع نفسي بأن الأمور ستتحسن.

أما "شريهان"، فما زالت معلقةً بين واقع مؤلم وأمل ربما بدا مجهولًا -حتى حين- بعدما اضطرتها تداعيات "كورونا طويل الأمد" لترك عملها في إدارة إحدى الشركات، تقول "شريهان": لم أستطع العمل بعد التعافي بسبب ما يحدث لقدمي، وكل ما أتمناه الآن أن أعرف ماذا يحدث لجسدي وما سببه، خاصةً أن المجهول دائمًا ما يكون أسوأ الاختيارات.