في عام 2050، من المتوقع أن يصل عدد الأشخاص فوق سن الستين في العالم إلى مليارَي نسمة، أي ما يوازي 22% من تعداد السكان. هذا الرقم الكبير مقارنة بـ12% في 2015 يعني الحياة لسنوات أطول تحت عبء الأمراض المزمنة، مثل التهاب المفاصل والسكر من النوع الثاني والسرطان وألزهايمر.

ففي أوروبا مثلًا، متوسط العمر المتوقَّع للنساء اللاتي وُلدن في 2014 زاد بمقدار1.6  سنة عن اللاتي ولدن في 2006 ، أما للرجال فقد زاد بمقدار2.3  سنة.

وتركز الدراسات الخاصة بالمسنين على متوسط العمر بدلًا من نوعية الحياة والتمتع بصحة جيدة، الأمر الذي أثار انتباه عدد من الباحثين من جامعات عالمية رأوا ضرورة البحث عن علاجات تزيد من سهولة تكيُّف هذه الفئة مع تعدد الأمراض المرتبط بالتقدم في العمر.

نهج جديد ومختلف اتبعته دراسة حديثة نشرتها دورية "نيتشر" العلمية، اعتمدت على مراجعة شاملة لأكثر من 400 دراسة أُجريت على الإنسان والحيوان، بمشاركة 13 باحثًا من عدة دول أوروبية، ينتمون إلى تخصصات مختلفة، وهي طب المسنين والأمراض العصبية والكيمياء الحيوية والأحياء والصيدلة والميكانيكا الحيوية وعلوم الجينات.

تشدد "إيلاريا بيلانتونو"، الأستاذ بمركز أبحاث التهاب المفاصل بجامعة شيفلد بإنجلترا، في تصريحات لـ"للعلم" على "ضرورة البحث عن نهج مختلف"، خاصةً مع تزايُد أعداد المسنين حول العالم، إذ يُعالَج حاليًّا كل مرض على حدة، وفق قولها، ويضطر المريض الذي يشكو من عدة أمراض إلى تناوُل كمٍّ كبيرٍ من الأقراص، وقد يتضارب مفعولها بحيث تؤدي إلى مزيد من الأعراض الجانبية، لهذا اقترح الباحثون "استخدام عقار واحد يمثل وقايةً ضد الإصابة بالعديد من الأمراض التي تصيب هذه الفئة".

أدوية وقاية ضد الشيخوخة

ومع التقدُّم الكبير في فهم التغيُّرات الفسيولوجية لدى المسنين خلال العقد الماضي، فإن استعراض هذه الدراسات نبَّه إلى وجود آليات متماثلة وراء حدوث ست مضاعفات، منها تلف جزيء الـ"دي.إن.إيه" الذي ينجم عادةً بسبب الشوارد الحرة وشيخوخة الخلايا، مما يجعلها تتوقف عن الانقسام وتبدأ في إفراز عوامل التهابية، أو يحدث لها التهام ذاتي.

تعلق  بيلانتونو على الأمر بأن "هذا ما يفسِّر كون مَن هم فوق 65 عامًا أكثر عرضةً للإصابة بأكثر من مرض في وقت واحد مقارنة بالأصغر سنًّا".

في هذا الإطار، أشارت الدراسة إلى أن هناك مجموعةً من العقاقير يُطلَق عليها "أدوية وقاية ضد الشيخوخة" (geroprotectors)، يمكنها إبطاء معدل الشيخوخة وتأخير ظهور الأمراض المتزامنة المرتبطة بالتقدم فى العمر، مما يزيد من قدرة المسنين على التكيُّف مع حالاتهم الصحية، ويدخل في نطاقها بعض الأغذية والأدوية والمكملات الغذائية. وفي تجارب على الحيوانات، ثبت أن هذه العقاقير مثلت حمايةً ضد مشكلات القلب والعضلات والجهاز المناعي.

أول تجربة إكلينيكية

في 2014، سجل الباحثون نتائج أول تجربة إكلينيكية لأحد هذه العقاقير على الأشخاص فوق 65 عامًا، بنجاحه في زيادة رد الفعل المناعي لمصل الإنفلونزا. ويوجد حاليًّا أكثر من 200 مركب جرى تصنيفها كأدوية وقاية ضد الشيخوخة، ولكن لعوامل عديدة لا يُسمح بإعطائها للمرضى.

تصنف بيلانتونو ثلاثة أسباب تحول دون وصول هذه الأدوية للمرضى، السبب الأول فني، إذ إن الإطار التنظيمي لاعتماد العقاقير لا يسمح باستخدام المرضى لها في إطار تجربتها إكلينيكيًّا بهدف تحسين أعراض الشيخوخة والضعف وتعدُّد الأمراض.

وتضيف: "الأدوية المستخدمة حاليًّا لمرض بعينه -مثل هشاشة العظام أو التهاب المفاصل- هي الوحيدة المصرح بتجربتها إكلينيكيًّا على المرضى، وهذا بطبيعة الحال يجعل الصناعة تُحجِم عن الاستثمار في أدوية جديدة لن تتمكن من بيعها".

ويرتبط السبب الثاني -وفق بيلانتونو- بالأول؛ لقلة توافر التمويل اللازم لإجراء تجارب على الحيوانات ومعرفة تأثير هذه الأدوية بشكل مقارب لما يحدث للبشر. وتتابع: أما السبب الثالث فيتعلق بتصميم تجارب إكلينيكية للوقاية من العديد من الأمراض؛ إذ يتطلب ذلك عمل تجارب باهظة التكلفة، وقد تستمر لسنوات.

وقالت الباحثة في تصريحات لـ"للعلم": "نحتاج إلى إيجاد وسائل لاختبار هذه الأدوية في ظروف إكلينيكية، بحيث يمكن رصد تأثيرها خلال بضعة شهور في حدود تكلفة يمكن تحمُّلها".

الوضع في مصر

في مصر أدوية للوقاية من الشيخوخة، أو بتعبير أدق تقلل نشاط الأمراض الشائعة التي تسبب الوفاة، وفق تأكيد "تامر فريد"، أستاذ طب المسنين وعلوم التَّعمُّر بجامعة عين شمس، واستشاري طب المسنين في هيئة طب المسنين بدبي، ومنها "الميتفورمين" الذي  يُستخدم لعلاج السكري وإنقاص الوزن وله منافع كثيرة، وهو رخيص وموجود في مصر تحت اسم جلوكوفاج أو سيدوفاج، وفق فريد، وهناك أيضًا التوت الأزرق والكركم وفيتامين "د" و زيت أوميجا 3 (الموجود في السمك والزيتون) والشوكولاتة الداكنة وغيرها. ويصل عدد المسنين في مصر لحوالي 6% (مَن يبلغون ستين عامًا فأكثر).

 وأكد فريد أن أكثر الأمراض انتشارًا هو تدهور القدرات الذهنية، كالإصابة بألزهايمر؛ إذ تتراوح بين 4.5% و21% لدى المسنِّين، كما يعاني 10% من المسنين عجزًا حركيًّا أو وظيفيًّا، وتصيب الجلطات الدماغية من 3 إلى 5% منهم، وتصل نسبة الإصابة بمرض باركنسون (الشلل الرعاش) بين 2% و6%، أما الوقوع كمتلازمة مرضية مشهورة في المسنين فتصل نسبتها إلى 60% في الأسر المعيشية، منها 36% داخل المنزل، وترتفع إلى 63% في دور المسنين، وذلك وفق ما ورد في الفصل الخامس من مجلد الصحة الذي أصدره المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في عام 2016.

استهداف الآليات الأساسية للشيخوخة

تشير الدراسة الجديدة إلى أن أبحاث المسنين ركزت حتى الآن على الأمراض الفردية أو تأجيل الوفاة، وهذا يعني غياب استهداف الآليات الأساسية للشيخوخة لعلاج تعدُّد الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر أو منعها. والأخطر أن المرضى الذين يعانون من عدة أمراض يتناولون كثيرًا من الأدوية، مما قد يؤدي لآثار سلبية.

وعن هذه المشكلة، قالت بيلانتونو إن الأدوية المستخدمة حاليًّا لها آثار جانبية طفيفة مثل "ميتفورمين" لمرضى السكر، على سبيل المثال، مشددةً على أنه من الضروري انتقاء الأدوية بشكل آمن وبأقل آثار جانبية ممكنة.

 وخلال السنوات القليلة الماضية، أدت بعض العقاقير مثل "راباميسين" و"سينوليتكس" إلى تأخُّر تدهور الأنسجة وبداية الإصابة بالمرض لدى الفئران، (وبإزالة الخلايا الهرمة) يحدث إبطاء لعمليات تطور المياه البيضاء (الكتاراكت) والتهاب المفاصل وهشاشة العظام وفقدان كتلة العضلات، كما تتحسن وظيفة القلب.

ولكي تصبح هذه العقاقير ذات فائدة للإنسان، لا بد من تحقيق تقدُّم في ثلاثة اتجاهات، أولًا: التوصل إلى تعريف محدد لتعدُّد الأمراض وأكثرها إنهاكًا مع تقدم السن، ولتكن أكثر 5 أو10 أمراض شائعة وأيها أكثر تزامنًا، كما أنه من الضروري تحديد مسارات التعامل مع نشوء هذه الأمراض.

وكذلك يجب تعريف "الضعف" وكيفية قياسه؛ إذ يتباين وصفه من شعور بالضعف، وبطء الاستجابة، وانخفاض معدل النشاط البدني وحتى الشعور بالإنهاك الشديد وفقدان الوزن لا إراديًّا. ويرى البعض أن ضعف السمع وتراجُع الحالة المزاجية والنسيان هي أيضًا مؤشرات للضعف.

ولا بد أن يتم هذا التعريف تحت مظلة كبرى المؤسسات العلمية، مثل منظمة الصحة العالمية وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية والوكالة الأوروبية للدواء. وفي السنوات الثلاث الماضية عُقدت بالفعل 6 مؤتمرات دولية كبرى للتوافق حول مفهوم الضعف.

والاتجاه الثاني لإفادة الإنسان من العقاقير المضادة للشيخوخة هو تشجيع الباحثين على إمراض فئران مسنة لمعرفة آثار المرض مع الشيخوخة مع توقع حدوث طفرات جينية، ولهذا فإن سلالات أخرى مثل الكلاب والقرود تمثل نماذج أفضل لرصد تعدد الأمراض.

أما الاتجاه الثالث فهو التوافق على معايير محددة فيما يخص تقييم الأدوية المضادة للشيخوخة في حيوانات التجارب والإنسان وتأثيرها على "الضعف"؛ حتى يمكن تصميم تجارب إكلينيكية قصيرة المدى وفعالة من حيث التكلفة. على سبيل المثال، فإن قياس قدرة الشخص على المشي 400 متر أفضل من قياس كتلته العضلية؛ لأن ذلك يحسِّن قدرته على العيش بشكل مستقل.

وتدعم نتائج الدراسة أيضًا تطوير معايير أفضل لقياس الضعف لدى الحيوانات من خلال رصد سلامة أجهزة الجسم المختلفة، إلى جانب اختبار فقدان الوزن والاستجابة للضغوط وقوة التحمل.

من جانبه، يرى فريد أن الدراسة شاملة وواقعية والاستنتاجات الواردة فيها حقيقية، وقد تضمنت التحديات الفعلية ومبادئ عملية لحل العقبات التي تعوق تطوير أدوية للوقاية من العجز المصاحب للتقدم في السن.

 كما أعطت مفهوم الوهن/ الضعف "Frailty" دورًا عمليًّا في تطوير علاجات الوقاية من العجز المصاحب لتقدم السن، الذي يحدث نتيجة تلف على عدة أصعدة، ومن المنطقي البحث عن الوقاية من هذا التلف، ولكن علوم التعمُّر لم تأخذ حقها في البيئة العربية حتى الآن، وفق فريد.

وعن كيفية استخدام علم الجينوم وعلم البروتينات الوراثية في تحديد مؤشرات حيوية لرصد الآثار المبكرة للتدخل، أوضحت الباحثة البريطانية أنه يتم اختيار مجموعات من المرضى المسنين ومتابعتهم على المدى الطويل لمعرفة أي الأمراض يصابون بها، وفي الوقت نفسه يتم تحليل الدم والبول لديهم لمعرفة مدى تغيُّر البروتينات وإمكانية الاعتماد على هذه التحاليل في رصد التغيرات لكل حالة مرضية.

ويحدد علم الجينوم إذا ما كان لدى المرضى طفرات معينة تجعلهم أكثر تعرُّضًا لمجموعة من الأمراض، ومن ثَمَّ يمكن تحديد أي المرضى سيكون أكثر استفادةً بالأدوية الوقائية.

ولأن عوامل كثيرة أوقفت اكتشاف هذه الأدوية لتغيير حياة المرضى، يحتاج الأمر إلى إشراك أصحاب المصلحة من باحثين ورجال صناعة فى العمل معًا لإحراز تقدم على المدى القصير، وهو ما يؤكد ضرورة تبنِّي نهج جديد لمواجهة تزايُد أعداد المسنين فى العالم، كما تقول بيلانتونو.