في عام 2003، حصل العالِم البريطاني السير بيتر مانسفيلد على جائزة نوبل للطب، مناصفةً مع الكيميائي الأمريكي، بول لاوتربر؛ لدورهما في تطوير تقنية التصوير باستخدام الرنين المغناطيسي، وهو الإنجاز الذي كان له الفضل في اقتحام العالم الغامض للدماغ، بل والكشف عن حالات شاذة جديدة تمكنت من التعايُش مع فقدان أجزاء منه. فقد كشفت دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين الأمريكيين، ونشرتها دورية "سيل ريبورتس" Cell Reports، أن المرضى الذين يخضعون لعملية "استئصال نصف الكرة الدماغية" في فترة الطفولة قد يحتفظون بمستويات عالية من القدرات المعرفية والحسية بصورة تثير الدهشة.

أُجريت الدراسة على أشخاص فقدوا نصف أدمغتهم، وكشفت عن قدرة الدماغ البشري الرائعة على التكيُّف، بل وأداء مهمات متعددة حتى عندما تكون أجزاءٌ منه غائبة، وتأتي نتائج هذه الدراسة استكمالًا لدراسات أخرى سابقة كانت (وما زالت) تبحث دهاليز المخ البشري.

في عام 2018، نشرت مجلة "سيل ريبورتس" تقريرًا تناول حالة صبي فقد سُدس دماغه، لكنه تمكَّن رغم ذلك من التكيُّف مع هذا الأمر واستئناف حياته. وكان ذلك الطفل قد خضع -وهو في سن السابعة من عمره- لعملية جراحية لاستئصال فص في الدماغ يحوي مناطق مهمة لمراكز الإبصار ومعالجة الكلمات، إذ جرت إزالة الثلث من نصف الكرة الدماغية الأيمن؛ في محاولة للسيطرة على نوبات الصرع الشديدة التي كانت تنتابه من خلال جراحة نادرة جدًّا تُجرى لأقل من 10% فقط من المرضى الذين يعانون ما يُعرف بالصرع المستعصي طبيًّا.

وبعد إجراء العملية، وجد الباحثون أنه على الرغم من أن الصبي لم يعُد بإمكانه الرؤية على جانبه الأيسر (لأن الجزء الأيمن من الدماغ يتحكم في الجزء الأيسر من الجسم والعكس صحيح)، إلا أن نصف الكرة الأيسر من الدماغ نشط لتنفيذ المهمات البصرية التي كان يمكن أن تؤديها الأجزاء المفقودة من نصف الكرة الأيمن، مثل التعرُّف على الوجوه والأشياء، بينما كان العجز الوحيد هو أن المريض لا يستطيع رؤية المجال البصري بأكمله.

محاولات متواصلة

قبلها بحوالي 11 عامًا، عرضت مجلة "ذا لانسيت" في عام 2007 حالة رجل فرنسي في الرابعة والأربعين من عمره، تآكل 90% من دماغه خلال 30 عامًا، بسبب إصابته وهو في عمر الـ14 عامًا بمرض استسقاء الرأس (مرض يؤدي إلى تراكُم السائل الدماغي وتضخُّم في تجاويف الدماغ، ومن أسبابه وجود ورم في الدماغ، أو التعرُّض لنزيف دماغي أو فتق في النخاع الشوكي)، لكن المريض الفرنسي تمكَّن رغم ذلك من مواصلة الحياة، لم يكن الرجل معاقًا ذهنيًّا، لكن كان لديه معدل ذكاء منخفض، كما كان يعمل موظفًا مدنيًّا، وكان متزوجًا ولديه طفلان ويتمتع بصحة جيدة نسبيًّا.

واليوم تروي الدراسة الجديدة حالة 6 مرضى خضعوا لعملية إزالة أحد نصفي الكرة الدماغية في مرحلة الطفولة؛ لعلاج نوع نادر من الصرع، يُطلق على هذه الجراحة "استئصال نصف الكرة الدماغية"، ولا يلجأ إليها الجراحون إلا عندما تكون النوبات "كارثية"، أو فشلت الأدوية في مداواتها.

تقول دوريت كليمان -أستاذ مساعد في علم الأعصاب الإدراكي بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": يمكنك أن تنسى حالة هؤلاء الأشخاص عندما تقابلهم للمرة الأولى، فعندما أجلس أمام الكمبيوتر وأرى صور أشعة التصوير بالرنين المغناطيسي التي تُظهر نصف أدمغتهم فقط، أتعجب من أن الصور التي أشاهدها قادمة من الشخص نفسه الذي رأيته للتو يتحدث ويمشي، والذي اختار بكامل إرادته الخضوع لهذا البحث.

أخضع الباحثون من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك) بالولايات المتحدة الأفراد الستة -والذين تراوحت أعمارهم عند إجراء هذه الجراحة بين 3 أشهر و11 عامًا- للدراسة لتحديد مدى عمل أدمغة هؤلاء المرضى على نحوٍ مختلف عن نظرائهم الذين يمتلكون أدمغة سليمة ومكتملة.

بعد ذلك، قارن الباحثون صور أشعة الرنين المغناطيسي الملتقطة لأصحاب الحالات الست بأخرى لمجموعة ضابطة من ستة أفراد آخرين لم يخضعوا لأي جراحات في الدماغ. ثم قارنوا صور أدمغة أفراد العينة الذين تم استئصال نصف أدمغتهم بصور أشعة بالرنين المغناطيسي لـ1482 صورة تعود إلى أدمغة جرى فحصها من أجل "مشروع سوبر ستراكت للجينوم الدماغي" (Brain Genomics Superstruct Project)، الذي يستهدف استكشاف الروابط بين وظائف الدماغ والسلوكيات والاختلافات الجينية بين الأفراد.

شبكات دماغية أكثر نشاطًا

وجدت "كليمان" وزملاؤها أن نمط نشاط الدماغ في حالة الراحة لدى المشاركين بنصف أدمغتهم يشبه بشكل ملحوظ نشاطه لدى الأشخاص الذين لديهم أدمغة كاملة لم تخضع لعمليات استئصال أجزاء منها. لكن الفريق اكتشف أيضًا اختلافًا، فقد أظهر المشاركون الذين عانوا من استئصال نصف الكرة الدماغية الأيمن الكثير من الارتباطات بين شبكات الدماغ.

تتحكم هذه الشبكات في أشياء مثل الانتباه والأنشطة الحسية وبعض المهمات الذهنية (العاطفة والذاكرة)، وغالبًا ما تشمل نصفي الدماغ كليهما. وتشير الدراسات السابقة إلى أن نشاط الشبكة الداخلية يرتبط بقدرات مثل التحكم في الحركة، في حين أن الاتصالات بين الشبكات ضرورية للقدرات التنفيذية مثل الذاكرة العاملة.

تقول "كليمان": كان هؤلاء الأشخاص قادرين تمامًا على التفكير والشعور بالعواطف أو المشي، فقد كشفت فحوصات الدماغ أن الشبكات نفسها لا تبدو غير طبيعية لدى هؤلاء المرضى، لكن مستوى الاتصال بين الشبكات يزداد عند المرضى الستة مقارنةً بالأفراد الآخرين. وأضافت أنه يبدو -على سبيل المثال- أن مناطق الدماغ التي تتحكم في وظائف المشي تتواصل أكثر مع المناطق التي تنظم الكلام لدى المرضى الذين قاموا باستئصال نصف الدماغ، كما توصلنا إلى أن أنماط الاتصال بين الشبكات الدماغية كانت تؤدي مزيدًا من النشاط لدى مَن فقدوا نصف أدمغتهم.

تُرجع "كليمان" ذلك إلى أن "الشبكات الدماغية لدى الأفراد الذين فقدوا جزءًا من أدمغتهم تنشط لأداء المهمات التي كان من المفترض أن تؤديها الأجزاء المفقودة، والتي تتضمن الحفاظ على الوظائف المعرفية والإدراكية التي يؤديها الدماغ"، وفق قولها.

مرونة الدماغ

من جهته، يقول عمرو السمان -أستاذ جراحة المخ والأعصاب بكلية الطب بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك حقيقتين مهمتين لا بد من معرفتهما عن المخ: الحقيقة الأولى أن خلايا المخ لا تتجدد بالفقد شأنها كشأن سائر خلايا أعضاء الجسم، وبصيغة أخرى فإن الجهاز العصبي المركزي لا يتمتع بخاصية تجديد الخلايا عند تلفها. لكن، في المقابل تتمتع بعض خلايا الدماغ بخاصية مختلفة عند تلف بعض خلايا المخ؛ إذ إنه من الممكن أن تؤدي هذه الخلايا وظائف زميلاتها التي فُقدت أو أصابها العطب".

يضيف "السمان": ربما تبدو جلطات الدماغ أوضح مثال يبرز هذه الحقيقة، فعند الإصابة بالجلطة يحدث انسدادٌ في شريان مسؤول عن تغذية مجموعة من الخلايا العصبية فتموت هذه الخلايا. يعاني المريض في بداية الإصابة بالجلطة من شلل كامل في قدم أو يد، أو يصاب بعدم القدرة على الكلام، ومع مرور الوقت والحصول على العلاج المناسب قد يسترد المريض قدرته على تحريك هذه الأطراف، وكذلك تتحسن قدرته على الكلام بنسبةٍ ما، وفي بعض الأحيان قد تكون بدرجة كبيرة. يشدد "السمان": على أن هذا يرجع إلى مرونة خلايا الدماغ، التي تساعد الخلايا الباقية على أداء دور الخلايا التي فُقدت، وهو ما يبدو جليًّا أيضًا في حالات إصابات الرأس وبعض الجراحات الخاصة بالدماغ.

عوامل متعددة

لكن خاصية مرونة الدماغ تتحكم فيها عوامل كثيرة، مثل عمر المريض وقت إجراء الجراحة، فكلما كان المريض أصغر عمرًا كانت قدرة خلايا الدماغ على أداء وظائف زميلاتها التي فُقدت أكبر، كما هو الحال في أفراد عينة دراسة معهد "كالتك"، الذين أجروا الجراحة في مرحلة الطفولة، كما تتوقف خاصية المرونة أيضًا على الحالة العامة للمريض، مثل إصابته ببعض الأمراض المزمنة كالسكري مثلًا، أو عاداته اليومية (تناوُل الكحول أو التدخين)، وهذا يفسر لماذا تنشط الخلايا الباقية من الدماغ لملء الفراغ الذي يسببه فقدان أجزاء كبيرة في الدماغ وأداء دور الخلايا المفقودة، وفق "السمان".

في عام 2011، قدم أكسل كليريمان -عالِم النفس الإدراكي من جامعة "ليبر دي بروكسل" البلجيكية- نظريته عن الكيفية التي يحدث بها الوعي داخل الدماغ. وضع "كليريمان" فرضيةً تستند إلى تعلُّم الدماغ الوعي مرارًا وتكرارًا، بدلًا من أن يُولَد بها، ما يعكس المرونة التي تتمتع بها مناطق الدماغ المختلفة وقدرتها على التعلُّم والتكيُّف.

وألقى "كليريمان" محاضرةً حول هذه الفكرة في مؤتمر رابطة الدراسات العلمية للوعي لعام 2016 في العاصمة الأرجنتينية (بوينس آيرس)، يصف فرضيته بـ"أطروحة المرونة الجذرية"، مؤكدًا أنها تتوافق توافُقًا جيدًا مع الأبحاث الحديثة التي تشير إلى أن "الدماغ أكثر قدرةً على التكيف مما كنا نعتقد في السابق، بل وقادر على الاضطلاع بأدوار جديدة في حالة تعرُّضه للإصابة".

كما بحثت دراسة أجراها فريق بحثي من المعهد الوطني للبحوث الصحية والطبية بفرنسا ((INSERM ونشرتها دورية "برين" Brain مرونة الدماغ، إذ أخضع الباحثون 45 مريضًا يعانون من مشكلات في الأوعية الدموية في نصف الكرة الأيمن، وكان التحدي الرئيسي للدراسة هو وضع رؤية أكثر وضوحًا في الآليات المعروفة باسم "المرونة الدماغية"؛ للتوصل إلى إعادة تأهيل ملائمة للمرضى.

وباستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي، قاموا بتقييم حالة ألياف المادة البيضاء بالمخ، التي تسمح لمناطق مختلفة من الدماغ "بالتواصل بعضها مع بعض".

توصل فريق البحث إلى أن جميع المرضى الذين يعانون من تلك المشكلات ومن الاضطرابات الحركية يعانون من عيوب في تلك القنوات المنوط بها الاتصال (المادة البيضاء بالمخ)، وبالتالي يكون نقل المعلومات بين نصفي الكرة الأيمن والأيسر ضعيفًا، مما يدل على أن نصفي الكرة في الدماغ لا يعوض بعضهما بعضًا إلا إذا كانت المادة البيضاء أقل تأثرًا.

كشف الغموض

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول ما يمكن وصفه بـ"التناقض" بين نتائج الدراسة وصعوبة (بل واستحالة) قدرة الإنسان على الحياة بصورة طبيعية في حالة تعرُّضه لإصابة بسيطة أو ورم صغير في الدماغ، تقول "كليمان": نحن نحاول فهم مبادئ إعادة تنظيم الدماغ التي يمكن أن تؤدي إلى تعويض الأجزاء المفقودة. ومن اللافت للنظر أن هناك أشخاصًا يستطيعون العيش بنصف أدمغتهم، لكن أحيانًا يمكن أن تتسبب آفة دماغية صغيرة جدًّا (مثل السكتة الدماغية، أو إصابة الدماغ المؤلمة مثل حادثة دراجة أو ورم) في آثار ربما تكون مدمرة في النهاية، يمكن لهذا العمل أن يرشدنا إلى إستراتيجيات التدخل المستهدفة لتحقيق نتائج مرغوبة تبعًا للسيناريوهات المختلفة وفق حالة المريض، وذلك لمساعدة المزيد من الأشخاص الذين يعانون من تلف في الدماغ، الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات، والنتائج التي توصلنا إليها قد تمهد الطريق لكشف ذلك الغموض.

وتضيف "كليمان": ربما تبدو أبحاث أسرار الدماغ مهمة؛ لأن الغموض ما زال يكتنف أشياء كثيرة عن تلك الكرة الدفينة التي تحدد مسار الأفراد على سطح الكوكب. لذا ففي الأبحاث المستقبلية، يحرص فريق معهد "كالتك" على معرفة كيفية عمل شبكات الدماغ هذه معًا للتعويض عن أجزاء الدماغ التالفة أو المفقودة خلال مهمات محددة -بدلاً من حالات الراحة التي تم اختبارها هنا. بل وتفهُّم كيف يمكن لشبكات الدماغ المختلفة أداء مهمات متعددة من خلال الاتصالات المتزايدة، مما قد يساعد العلماء على الكشف عن علاجات لإصابات أخرى في الدماغ.