من أصعب اللحظات التي يمر بها الإنسان لحظة فقدانه شريك العمر، ويؤدي الحزن الناتج عن تلك التجربة إلى أن الشريك يصبح أكثر عرضةً للإصابة بأمراض الضغط والأوعية الدموية والاكتئاب، ما قد ينجم عنه تطور الأمر إلى الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية.

دراسة حديثة نشرتها دورية "جاما نت وورك أوبن" (JAMA Network Open)، أظهرت نتائجها أن الآثار السلبية لفقدان شريك الحياة لا تتوقف عند ذلك الحد؛ إذ أكدت أن فقدان الشريك -الزوج أو الزوجة- لا يقتصر تأثيره على احتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية فقط، ولكنه يؤدي إلى تراجُع كفاءة المخ والقدرات العقلية لديه، وقد يُسهم ذلك في تعزيز احتمالات الإصابة بمرض ألزهايمر. ويعاني من ألزهايمر قرابة 50 مليون شخص حول العالم، وهو العدد الذي يُتوقع أن يزيد بنحو ثلاث مرات بحلول عام 2050، وفق الباحثين.

اعتمد الباحثون في دراستهم على ما يُعرف بـ"دراسة التعرض" أو "دراسة الأتراب" (Cohort Study)، التي تقوم على تقسيم عينة البحث إلى مجموعات معرضة لخطرٍ ما وأخرى غير معرضة لذلك الخطر، بحيث تجري مراقبة تلك المجموعات مدةً زمنية محددة، ومقارنة النتائج فيما بينها. عمل الباحثون على عزل العوامل الأخرى -التي قد تتداخل مع فرضية الدراسة- مثل العوامل الديموجرافية (السن، والنوع...)، ومخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والاكتئاب والسلوكيات المتعلقة بالصحة والمستوى الاجتماعي.

فحص الباحثون بيانات 257 شخصًا من كبار السن يعانون من التدهور الإدراكي، يتوزعون بين أرامل وآخرين متزوجين وآخرين غير متزوجين (لم يسبق لهم الزواج مطلقًا، أو منفصلون)، وجرى جمع بيانات المشاركين في الدراسة في الفترة من 2010 وحتى 2017، وامتدت عملية تحليل البيانات من يوليو 2018 إلى يوليو 2019؛ إذ خضع المشاركون لفحص قشرة المخ عن طريق الرنين المغناطيسي.

ضمت عينة البحث 153 سيدة (59.5% من عينة البحث) بمتوسط أعمار 73.5 عامًا، وبلغ عدد المتزوجين 145 شخصًا (56.4%) بينهم 66 سيدة بنسبة 45.5% من إجمالي عدد المتزوجين، وبلغ عدد الأرامل 35 شخصًا (13.6% من عينة البحث) بينهم 31 سيدة شكلن 88.6% من إجمالي عدد الأرامل التي اشتملت عليهم عينة البحث.

التدهور المعرفي والإدراكي

خلصت الدراسة إلى أن الأرامل كانوا أكثر عُرضةً للتدهور المعرفي والإدراكي بمقدار ثلاثة أضعاف مقارنةً بغير المتزوجين؛ بسبب ارتفاع نسبة بروتين "أميلويد بيتا" في المخ.

ويُعد بروتين "أميلويد بيتا" إحدى علامات الإصابة بألزهايمر، وكان يُظَن سابقًا أنه يجري التخلُّص منه في الظروف الطبيعية بالتحلُّل أو بعمليات إعادة التدوير التي تُجرى في كل خلايا المخ، لكن العلماء وجدوا أنه يتراكم مكوِّنًا لويحات الأميلويد بين خلايا المخ التي تُسهم في الإصابة بالمرض، ولا تجري إزالتها كما هو الحال في المخ السليم.

أوضح الباحثون أن الزواج قد تكون له آثار مفيدة من خلال توفير الدعم العاطفي اليومي، وتحفيز الرفقة، واتباع سلوكيات صحية أفضل، فضلًا عن تزايُد شبكات العلاقات الاجتماعية، وأن وجود أبناء أو أشقاء أحياء من شأنه أن يخفف من الآثار النفسية والصحية للأرامل.

تقول نانسي دانوفان -أستاذ الطب النفسي والأعصاب بمستشفى بريجهام للنساء بالولايات المتحدة الأمريكية، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": اقتصرت الدراسة على معرفة تأثير الترمل على كبار السن في مجال التدهور المعرفي والإدراكي، لذا ليس لدينا معلومات حول ما إذا كان الترمل له التأثير نفسه فيما يتعلق بخفض نسبة الوعي والإدراك لدى مَن هم أقل سنًّا أو لا، كانت عينتنا مكونةً من مشاركات كن من كبار السن، ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه النتائج متشابهة في الأرامل الأصغر سنًّا.

الآثار السلبية للترمل

تضيف "دانوفان": يزداد تراكم الأميلويد مع تقدم العمر من منتصف مرحلة البلوغ إلى أواخرها، وكان تأثير الترمل على الإدراك أكثر ما يلفت الانتباه لدى الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع نسبة الأميلويد. ومن المرجح أن فقدان شريك الحياة يضر القدرات المعرفية والإدراكية بشكل متزايد مع تقدم العمر.

وعما اذا كانت نتائج هذه الدراسة تنطبق على كل المجتمعات، تقول "دونوفان": رصدت العديد من الدراسات -وليس كلها- انخفاضًا إدراكيًّا أكبر بين أولئك الذين يعانون من الترمل، ولكن من المحتمل أيضًا أن تكون هناك بعض الاختلافات والفروق الدقيقة بين المجتمعات. علاوةً على ذلك، فإن تجربة الأرامل ليست موحدة. وكان هناك العديد من العوامل المعتدلة المحتملة التي لم نتمكن من أخذها في الاعتبار في دراستنا، مثل جودة الزواج، وظروف وفاة شريك الحياة.

تتفق هالة منصور -أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها- إلى حدٍّ كبير مع نتائج هذه الدراسة، مضيفةً أن "الترمل -وتحديدًا لدى كبار السن- له آثار سلبية للغاية على الصحة العامة والصحة النفسية والقلب، وعلى وظائف المخ بطبيعة الحال، ولكن هذا الأمر ينطبق بصورة كبيرة على المجتمعات الغربية، حيث يعيش الأزواج كبار السن بمفردهم، وإن كان هذا الأمر يحدث لدينا في المجتمعات الشرقية ولكن بدرجة أقل بكثير من الغرب؛ بسبب تشعُّب العلاقات الاجتماعية".

تضيف "منصور" في تصريحات لـ"للعلم" أن "كبار السن عامةً -سواء أرمل أو لا- يكونون أكثر عرضةً للإصابة بحالة التدهور الإدراكي والمعرفي بدرجات متفاوتة، ومنهم من يُصاب بألزهايمر، ويزداد الأمر سوءًا في حالة الترمل، الذي يترك آثارًا سلبية كبيرة عليهم، خاصةً أن الإحساس بالوحدة له تأثيرات نفسية مدمرة على المخ والقلب، ما يتطلب مزيدًا من الاهتمام والمراقبة والرعاية للمترملين من كبار السن".

ولفتت إلى أن وجود أطفال وأحفاد حول الأشخاص الذين فقدوا شريك الحياة يقوي مناعتهم ضد أمراض المخ والقلب.

من جهته، يقول يسري عبد المحسن، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة: "إن الضغوط النفسية والعصبية تؤثر على المخ، وزيادة هذه الضغوط وتراكمها يؤدي بمرور الوقت إلى ضعف الإدراك، وقد يصل الأمر في كثير من الأحيان إلى الإصابة بألزهايمر، فإذا أضفنا إلى كل ذلك عاملَي كبر السن والترمل، تصبح نتائج هذه الدراسة متسقةً مع المنطق والواقع".

وبالنسبة لتأثير الترمل على المخ، يقول "عبد المحسن" في تصريحات لـ"للعلم": يؤدي الترمل إلى مزيد من التوتر والشعور بالوحدة وضعف الوعي والإدراك، وهو ما يقود إلى ألزهايمر.

وتتفق نتائج الدراسة مع ورقة بحثية اعتمدت على "تحليل تلوي" لبيانات 15 دراسة ضمت 812.047 شخصًا، وانتهت إلى أن الأرامل من الرجال والنساء لديهم خطر أكبر بنسبة 20٪ للإصابة بالخرف، مقارنةً بالأشخاص المتزوجين خلال 3 أعوام إلى 15 عامًا من المتابعة.

وكانت دراسات كثيرة سابقة قد تناولت تأثير الترمل على كبار السن، ومنها دراسة أمريكية اعتمدت على فحص بيانات 373.189 ألف زوج وزوجة من كبار السن، وانتهت إلى أن "فقدان الزوج أو الزوجة يؤدي إلى الإصابة بأمراض كثيرة، ومنها أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان، وأن كبار السن ممن فقدوا شريك الحياة أكثر عرضةً للوفاة من نظرائهم من المتزوجين أو المنفصلين".