يُعد الألم المزمن أحد المتاعب الصحية التي وصلت إلى مستويات وبائية حول العالم. وإلى جانب المعاناة الشخصية للمريض، يرتبط الألم المزمن بالعديد من الأمراض النفسية والجسدية المزمنة، كما يرتبط ارتباطًا ملحوظًا بالإفراط في تناول المواد المخدرة. المؤسف في الأمر -كما تشير الدراسات- هو أن الألم المزمن ليس له علاج أو أدوات تشخيصية أو وسائل يمكنها التنبؤ به أو تقدير حجمه. ما منح دراسة حديثة نُشرت مؤخرًا في دورية الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم "بروسيدنجز أوف ناشيونال أكاديمي" PNAS- أهميةً بالغة، إذ اكتشف فريق من الباحثين حدوث تغيُّر واضح في إحدى مناطق الدماغ، ما يسهم في تفسير استعداد بعض الحالات المرضية لتحول إصاباتهم بالألم من مرحلة الآلام شبه الحادة إلى مزمنة. اكتشف الفريق -الذي يمثل عدة مؤسسات بحثية في الولايات المتحدة ودول أخرى- وجود صلة بين ظهور آلام الظهر المزمنة وتغيُّرات تطرأ على حجم النواة المتكئة في الدماغ.

والألم المزمن -سواءٌ نتج عن إصابةٍ ما أو كان بسبب الشيخوخة أو أي ظروف أخرى- هو مشكلة خطيرة، يعاني منها ملايين البشر حول العالم، وتؤثر على حياتهم.

ولا تزال طبيعة الألم غير مفهومة حتى الآن فهمًا علميًّا جيدًا. كما لا تزال الأدوات المتاحة للأطباء في تشخيصه محدودةً جدًّا. ويعتقد باحثو الدراسة أنهم ربما وجدوا طريقةً دقيقةً علميًّا لتشخيص الألم الذي يصيب منطقة أسفل الظهر اعتمادًا على رصد وتصوير ما يطرأ من تغيُّر في حجم النواة المتكئة في الدماغ.

وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن آلام الظهر يمكن أن تتخذ أشكالًا عديدة، ويمكن أن تستمر لفترات زمنية متفاوتة وفق طبيعة كل شخص وظروف إصابته. فبالنسبة لبعض المرضى يستمر الألم مدةً قصيرة، بينما يُشفى آخر، في حين يدوم طويًلا جدًّا لدى بعضهم، وقد يصبح مزمنًا بالنسبة لبعضٍ آخر.

يقول مينا مكاري، الباحث الرئيسي للدراسة والمتخصص في مجال الهندسة الطبية: إن الدراسة أُجريت على مدار 6 سنوات، وشارك فيها فريق من الأطباء والباحثين في مجالات عديدة مثل العلوم العصبية، والطب النفسي، والأشعة التشخيصية، والهندسة الطبية.

"قام الباحثون بجمع وتحليل صور الرنين المغناطيسي الوظيفي لحالات تعاني من إصابات وآلام حادة وشبه حادة في الفقرات السفلية للظهر، ثم جرى تكرار الأشعة ذاتها بعد عام، لرصد مدى تطور الإصابة والتغيرات التي حدثت في خلايا الدماغ، خاصةً تلك الحالات التي تطورت إصاباتها إلى آلام مزمنة". ويضيف أنه "جرى جمع بيانات لحالات أخرى من جامعتي شيكاجو الأمريكية وكامبريدج البريطانية، مراعاةً لأن يكون هناك تمثيل عادل لسن وجنس الحالات محل الدراسة"، وفق "مكاري".

ويضيف الباحث المصري أنه مع انتقاله إلى جامعة ييل الأمريكية، وانضمامه إلى الفريق البحثي للطبيب النفسي بول جحا، تحمس لدراسة ما إذا كان هناك علامات يمكن رصدها بخلايا الدماغ لدى مصابي الفقرات السفلية بالظهر كمؤشر على الإصابة بالآلام المزمنة.

عبء كبير على الأفراد والمجتمعات

يمثل الألم المزمن عبئًا كبيرًا على الأفراد والمجتمعات. إذ يؤثر على جودة الحياة، مؤديًا في بعض الأحيان إلى الإصابة بالإعاقة، وقد يجلب معه أمراضًا مصاحبة أخرى، كما يسبب خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات كل عام. يقول بول جحا، أستاذ الطب النفسي وعلوم الأعصاب بجامعة روشستر والمشرف على الدراسة: إن آلام الظهر من الإصابات التي تكبِّد الولايات المتحدة وحدها، خسائر سنوية تقدر بالمليارات، وذلك لطول فترات التغيب عن العمل، إما للعلاج أو للتغلب على الآلام المزمنة وتوابعها من أمراض نفسية، كما أن إهمال علاج آلام الظهر يُعد من المسببات الأولى لإعاقة الحركة.

وخلال الأعوام الأخيرة، نُشرت دراستان، من جامعة شيكاجو الأمريكية، نجحتا في رصد وجود تغيرات بالجهاز الطرفي للمخ للحالات التي تتحول فيها مستويات الألم من الحادة إلى المزمنة. ومن المعروف أن تلك المنطقة بالدماغ مسؤولة عن الانفعالات والمشاعر والذاكرة طويلة المدى.

ومن المتعارف عليه، أنه عند إصابة عضو أو جزء من الجسم يبدأ شعور بالألم، وتتغير مستويات الألم الذي قد يبدأ بسيطًا ثم يزداد حدةً أو تقل حدته، وقد يستمر عدةَ ساعات، أو أيامًا أو شهورًا. وفي حالة تضاعُف الألم لعدة أسابيع يسمى ألمًا شبه حاد، وهو ما يستدعي تدخلًا جراحيًّا أو علاجات مسكنة ومضادة للالتهابات. أما إذا استمر الألم شهورًا وسنوات فهذا معناه أنه أصبح ألمًا مزمنًا، وقد يتطور الأمر إلى الإصابة بأمراض مصاحبة، كالقلق والاكتئاب، وإدمان المسكنات والمخدرات؛ هربًا من الألم.

الرنين المغناطيسي يكشف الحقيقة

من أجل فهمٍ أفضل لما يحدث في أدمغة مَن يعانون من آلام الظهر، عمل الباحثون على دراسة 28 متطوعًا لديهم آلام مزمنة في الظهر، و40 يعانون من آلام الظهر الحادة، و30 آخرين لا يعانون من آلام الظهر على الإطلاق. خضع الجميع لمسح التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لمناطق معينة بالدماغ، إذ ركز الباحثون على تحديد الخصائص الوظيفية والتركيبية لمناطق المهاد واللوزة والحصين والنواة المتكئة.

أظهرت صور أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن منطقة النواة المتكئة nucleus accumbens كانت أكثر مناطق الدماغ تغيُّرًا مع تطور الإصابات، إذ تَبين أنه عندما يكون حجم النواة المتكئة أصغر من الطبيعي، فإن ذلك بمنزلة مؤشر لتطور الإصابة من ألم شبه حاد إلى مزمن، في حين تعافت الحالات التي كانت تتمتع بحجم نواة متكئة طبيعي. كما تَبين أنه يمكن اعتماد انخفاض الترددات الكهرومغناطيسية في منطقة النواة المتكئة كمؤشر للإصابة بالآلام المزمنة أيضًا. كما ربطت نتائج الدراسة بين الحجم الصغير للنواة المتكئة وكثافة بعض البروتينات بجدار خلايا النواة المتكئة وما يصدر عنها من إشارات ضعيفة. ما يُتوقع له -وفق النتائج- أن يسهم في التشخيص الدقيق للحالات المصابة بألم مزمن في فقرات الظهر السفلى.

ومن المعروف علميًّا أن النواة المتكئة من المناطق المهمة في الدماغ، وتنشط عند شعور الإنسان بالثناء والتقدير، إذ تصل إلى تلك المنطقة معدلات إضافية من هرمون الدوبامين، وعند الشعور بخيبة الأمل يقل هذا الهرمون، لذلك فإن تلك النتائج بمنزلة قراءة جديدة ومؤشرات مرجعية لتطور مستويات الألم، وفقًا لصور خلايا الدماغ.

يشدد "جحا" على أنه "يجب رصد التغيرات التي تحدث في خلايا الدماغ لدى هؤلاء المرضى، باعتبارها مؤشرًا على مستوى الألم، وعلاجهم مبكرًا قبل تفاقم الإصابة".

من جانب آخر، يشير "مكاري" إلى ضرورة أن تُجري مراكز بحثية أخرى دراسات في هذا المجال، وأن يتم إشراك حالات أكثر، إلى جانب محاولة رصد أي تغيرات تحدث في خلايا الدماغ، إذ ستُسهم هذه البحوث في مراجعة صحة ما توصلنا إليه من نتائج، مما قد يمهد الطريق لعلاجات دوائية جديدة للتغلب على الآلام المزمنة.

الرياضة والعلاج الهرموني

يؤكد زياد يسري -أستاذ جراحة المخ والأعصاب بكلية الطب، جامعة عين شمس المصرية- على أنه من الأمور الملفتة في نتائج الدراسة الكشف عن أن هناك تغيرات تحدث في خلايا الدماغ تشير إلى احتمالات الاصابة بالألم المزمن، وهو ما يُسهم في تطوير وسائل التشخيص والتفكير في مسارات علاجية أكثر جدوى من التدخل الجراحي. ويضيف أنه من المتوقع وفقًا للنتائج أن تظهر في المستقبل علاجات دوائية موجهة إلى النواة المتكئة والدماغ بهدف التغلب على الآلام المزمنة في الظهر، مشددًا على أن هذا التوجه العلاجي جديد نسبيًّا، خاصةً وأن هذه الحالات يتم علاجها الآن بالتدخل الجراحي والأدوية المسكنة.

يؤكد "جحا" أنه وفقًا لاختبارات حديثة أُجريت على فئران تعاني من آلام شبه حادة، تَبيَّن أنها تحسنت بعد منحها جرعات من الأدوية المسكنة للألم وهرمون دوبامين. ويشدد على أنه من المحتمل أن تكون العلاجات الهرمونية ومسكنات الألم علاجاتٍ مستقبليةً لهؤلاء المرضى، إلا أن هذا الأمر يتطلب إجراء دراسات سريرية لسنوات طويلة لإثبات فاعليته، مشيرًا إلى أنه بخلاف العلاج الدوائي فإن الأطباء يوصون مرضاهم الذين يعانون آلامًا في الظهر بممارسة الرياضة كالمشي والسباحة، ليس فقط لتقوية عضلات الظهر، بل لتحفيز الجسم أيضًا على إفراز هرمون دوبامين وتحسين الحالة المزاجية لتقليل الشعور بالألم. ويضيف أنه ثبت أن تناول الأكل الصحي، وتجنُّب التوتر والضغط النفسي، وممارسة الرياضة بانتظام، كلها أمورٌ تسهم في استمرار ضخ الجسم للدوبامين.

الرنين الوظيفي وجراحات الألم

يقول "يسري" إنه خلال السنوات الأخيرة شهد علاج آلام الظهر تطورًا كبيرًا، خاصةً حين لا تُجدي الجراحات التقليدية، إذ يتم أولًا علاج مناطق الالتهاب بالحقن والعلاجات الموضعية. ويضيف: يلي ذلك زرع جهاز بالظهر لتحفيز الموصلات العصبية وتقليل الألم، وفي حالة فشل الحلول السابقة يتم إجراء تحفيز عميق للمخ deep brain stimulation، مشددًا على أن هذا المسار العلاجي يكون لحالات اضطراب الحركة والآلام المزمنة، وذلك بزرع إلكترود في مناطق محددة بالدماغ لتحفيزها وتقليل الإحساس بالألم. كل هذه العلاجات -كما يشير "يسري"- لم نكن نفهم في السابق سبب كفاءتها، إلا أن نتائج الدراسة الحديثة أوضحت الكثير من الأمور.

في السياق ذاته، يوضح عمرو السمان -أستاذ جراحة المخ والأعصاب بكلية طب قصر العيني المصرية- أن من فوائد تلك الدراسة مساعدة جراحي العظام والأعصاب في معرفة الحالات الأَولى بالرعاية والأكثر عرضةً للإصابة بالآلام المزمنة؛ إذ يمكن للعلاج المبكر أن يجنِّبهم المضاعفات الصحية والنفسية ويقلل من نفقات العلاج وطول مدته.

ويتوقع "السمان" أن تزيد الاستعانة بتقنيات الرنين المغناطيسي الوظيفي في تصوير ورصد المناطق المستحثة بالدماغ والمرتبطة بالانفعالات أو الحركة.

ويقول أسامة رفعت، أستاذ الأمراض النفسية والعصبية بكلية الطب، جامعة القاهرة: إن من إيجابيات الدراسة أنها أظهرت جليًّا أنه من الأجدى في علاج العديد من الأمراض التي تكون مصحوبةً بآلام حادة أو مزمنة البحث عن التغيرات الطارئة في خلايا الدماغ وليس فقط في العضو المصاب. ويضيف أنه لا توجد حتى الآن دراسات توضح آليات تجنُّب الإصابة بالآلام المزمنة أو تجنُّب التغيرات بحجم وإشارات النواة المتكئة بالدماغ، وهو ما يتطلب إجراء المزيد من الدراسات في هذا السياق؛ لفهم مسبِّبات الألم المزمن بشكل أفضل.