كتاب "طنين حول النحل" للبروفسور "بروغن تاوتز" والمصورة العلمية "هيلغا هايمان"، الذي تُرجم من الألمانية ونشرته دار النشر الدولية "سبرنجر" بألمانيا عام 2008، وتُرجِم إلى العربية بعد ذلك، يُعَدُّ أحد أهم وأوثق المراجع عن نحل العسل، للقارئ غير المتخصص، كما للباحث المتخصص، لكنه فيما يخص دقائق التزاوج بين ذكور النحل والملكات العذارى، صارح القارئ بحيرته، واعترف بأن الكثير من وقائع هذا الحدث، تخضع للتخمين، لأنه تزاوج يتم بعيدًا وعاليًا، في الهواء.

    وفيما يخص الإجابة عن لماذا وكيف يقع اختيار ذكر بعينه ليحظى بتخصيب الملكة في رحلة طيرانِ تزاوُج بعينها، اكتفى الكتاب بافتراض أن العاملات العقيمات اللائي يشكلن سربًا من الحرس الخاص يتبع الملكة المنطلقة إلى الأعالي وعكس اتجاه الريح، هن اللائي يصطفين ذكرًا معينًا ليُنعَم عليه بنوال شرف الاقتران بصاحبة السمو، علمًا بأنه مقابل هذا الإنعام، يلقى حتفه عند الذروة؛ إذ ينفصل جهازه التناسلي مصحوبًا بفرقعة انفجار جوفه، فيهوي ما تبقَّى منه ليتخطفه الطير في الهواء، أو تلتهمه الحشرات والزواحف والقوارض الصغيرة على التراب، بينما يظل ما انفصل من حميم جسده متصلًا بحميم جسد الأنثى، فيما يسمى "علامة التخصيب" -وهذه وثَّقها الكتاب بأكثر من صورة مدهشة.

وكأنهم ليسوا ذكورًا

     أما ما لم يستطع الكتاب الإفتاء فيه، فهو ما بدا انعدامًا للغيرة والتنافس بين الذكور الملتحقين بركب الملكة طالبة الحب، فهم يَقبلون على أنفسهم مقاربة الملكة "وعلامة التخصيب" من ذكر سابق لاصقة بها، تنزعها لهم العاملات الحارسات لفتح الطريق الملكي أمامهم! أو ينزعها الذكور طالبو القرب بأنفسهم. ويكرر كل منهم مصير انفجار جوفه عند الذروة، ثم التهام ما يتبقى منه في الهواء، أو على الأرض.

     ما بدا غيابًا للغيرة وانعدامًا للتنافس بين ذكور النحل، على فرصة حب يعيشون أعمارهم القصيرة كلها من أجلها، ومن أجلها أيضًا يفقدون حياتهم، لم تكن تتسق مع حقيقة أن التنافس الأهم بين الذكور داخل النوع الواحد، يكون صراعًا على الأنثى من أجل التزاوج، وغالبًا ما يكون تنافسًا يتسم بالعنف، بل يُفضي أحيانًا إلى قتل الغريم، كحالة نادرة من حالات القتل داخل النوع.

     ومع ذلك لم يستطع هذا الكتاب المهم لباحث متخصص في نحل العسل، ومؤلف علمي له عشرات الكتب الناجحة، إلا أن يُرجِّح غياب التنافسية الجنسية بين ذكور النحل على الإناث في موسم التزاوج، وبَرهَن على ذلك بأنه من المألوف رؤية مجموعات من الذكور يحيطون بالملكة التي تكون في وسطهم على الأرض، دون أن تنشأ بينهم أية عروض أو معارك للتنافس عليها. فكأنهم استثناء بين الذكور!

العشاق يصيبون المحبوبات بالعمى

      ظل هذا الانطباع عن ذكور النحل -عديمي التنافسية والغيرة- قائمًا حتى ما قبل العاشر من سبتمبر هذا العام (2019)، ففي هذا التاريخ نشر موقع phys.org ومواقع علمية أخرى، ملخص بحث لجامعة كاليفورنيا عنوانه "يا للإحباط، ذكور نحل العسل تحقن الملكات بسموم تسبب لها العمى في أثناء اللقاء الجنسي"! هكذا، وبضربة واحدة، أطاح هذا البحث بمسلَّمة ظلت طويلًا تستثني ذكور النحل من التنافس الذكوري على الإناث، اللائي يكن ملكات عذراوات مُهيآت لعروش خلايا للمستقبل، ولا يكتمل تتويجهن إلا بعد إخصابهن، ووضعهن للبيض في عيون الخلية سداسية الأضلاع، لتخرج من هذه العيون أفواج من الرعايا الأبناء لملكة-أم، واحدة، وتكون الأغلبية لإناث عقيمات نتجن عن بيضات مخصَّبة، يشكلن قوة العمل في الخلية، وأفراد الحراسة، وطلائع استكشاف مواقع الطعام في الجوار. أما الأقلية فتكون من ذكور أنتجتهم بيضات غير مخصبة، ولا عمل لهم إلا أن يخصبوا الملكات العذارى من خلايا أخرى في موسم التزاوج، ثم يموتون جميعًا، سواء مَن حقق منهم الغاية من حياته، أو مَن لم يحققها. أما الندرة فتكون للملكات العذراوات الناتجات عن بيضات مخصبة غُذيت يرقاتها بغذاء ملكي خاص، وهؤلاء يشكلن النسبة الأصغر من أبناء الخلية، وتُقدَّر بملكة عذراء واحدة مقابل ألف من الذكور! فكيف كان مقبولًا تصوُّر غياب التنافس في ظل نُدرة المطلوب ووفرة الطالب؟!

مزاح في موضع الهول

     المنشور عن بحث جامعة كاليفورنيا بدأ بمزاح يستهول الأمر؛ إذ كتب المُحرِّر: "يقولون إن الحب أعمى، لكن إذا كنتِ ملكة نحل عسل، فإن ذلك الحب يمكن أن يعني فقدًا حقيقيًّا للبصر". فما هذا الحب الذي يُعمي فيه العاشق محبوبته، كيف؟ ولماذا؟ يجيب البحث عن ذلك بما يخفف صدمة هذه الغرابة، مؤكدًا أن ذكور نحل العسل يحقنون الملكات بسم يصيبهن بالعمى، لكنه عمى مؤقت! علمًا بأن النشاط الجنسي لنحل العسل يحدث في السماء، وفي فترات وجيزة مبكرة من حياة المُشاركين في هذا النشاط، تنتهي بموت الذكور، أما الملكات فتستمر في العيش سنوات عديدة.

ألغام بروتينية في سوائلهم

     البروفيسور "بوريس باير" -أستاذ الحشرات والمؤلف الرئيس للبحث- يفسر ما سبق من غرابة خلال تصريحه لمجلة eLife بقوله: "إن ذكور النحل يطورون سُمًّا يكف بصر الإناث ليعظموا الفرصة الوحيدة من العناق التي تجعلهم آباءً لنسل قادم". ويضيف: "ذكور النحل يريدون بذلك التأكد من أن جيناتهم ستُمرَّر لإخصاب الملكة دون منافسة جينات ذكورٍ آخرين غيرهم؛ لأن الملكة لا تقترن بذكر إلا وهي طائرة، وهي لا تستطيع الطيران إذا لم تكن ترى جيدًا"، مما يعني أنها ستكون مضطرةً إلى قطع طيران التزاوج والهبوط على الأرض، حيث تنقطع رغبتها في التزاوج، وتنطفئ رغبات الذكور في الاقتران بها، وهذا راجع إلى تأثير مزدوج عجيب من الرائحة التي تطلقها الملكة من غدد بين فكيها، فهي تشكِّل في الهواء دعوة إلى الحب، أما على الأرض، وداخل الخلية، فهي تحبط أي رغبة في هذا الحب، لديها، ولدى الذكور!

يمكن للملكة أن تتزاوج مع ما يصل إلى 90 من الذكور خلال رحلة تزاوج قصيرة.credit:Markus Imhoff / UCR

     سموم كف بصر الحبيبة، تلك التي حددها فريق "باير" هي بروتينات يتضمنها السائل المنوي لذكور النحل، وهو الوسط الحافِظ لحيوية حيواناتهم المنوية. وقد سبق لذلك الفريق البحثي أن كشف عن أن تلك السموم -التي ينتجها كل ذكور النحل- تُستخدم لقتل الحيوانات المنوية للمنافسين السابقين أو اللاحقين، ويمكن أن يُنتج بعضهم منها كميات أكبر، وأكثر فتكًا، فتكون السيادة لحيواناتهم المنوية في خزانة الملكات المخصصة لذلك، والتي يسحبن منها على امتداد سنوات أعمارهن لتجديد الخلية بالرعايا. وهذا يؤكد أن التنافس الذكوري على الإناث، في عالم النحل، وإن بدا غائبًا على المستوى الظاهراتي المُكبَّر للذكور، فإنه حاضر بشدة على المستوى المُصغَّر لحيواناتهم المنوية، وبإسناد نيراني فتاك من سلاح تلك السموم!

    ويُذكَر أن "باير" بدأ شغفه بدراسة السائل المنوي للنحل منذ سنوات عديدة سابقة، عندما كان طالب دكتوراة، ولاحظ في بواكير بحثه أن ملكات النحل الطنان bumblebee queens اللائي يُحقَنَّ بالسائل المنوي منزوع الحيوانات المنوية في تجارب التخصيب الصناعي، كففن عن التزاوج وصرن أشد عدوانيةً تجاه الذكور، فأراد أن يعرف سبب ذلك. ومنذ ما يقارب عشر سنوات انخرط "باير" وفريقه البحثي في تحليل بروتينات السائل المنوي لذكور النحل، واكتشف أن "هناك ما لا يقل عن 300 بروتين منها تؤدي دور "جيمس بوند"، كعملاء سريين لأداء مهمات مُحدَّدة"، على حد التعبير المازح -الجاد- له.

وفي ذلك الوقت المبكر، لم يسعد فريق البحث كثيرًا باكتشاف البروتين الذي يهاجم الحيوانات المنوية للغير من ذكور النحل؛ لأن ذلك موجود ضمن السلوك الجنسي لحشرات أخرى. لكن سرورهم الحقيقي جاء مع اكتشاف البروتين الذي يقمع جينات الإبصار في عقول ملكات النحل، فيعمين مؤقتًا، ويهبطن مضطرات من سماء الحب، إلى أرض نسيان الحب، فتنعم الحيوانات المنوية لأصحاب سهام السم بموقع السيادة في الخزائن المخصصة لذلك ضمن الجهاز التناسلي للملكات!

وطوبى لهؤلاء الذكور

    للتأكد من أن ذلك البروتين، الاكتشاف، يؤدي تلك الوظيفة التي لم تكن معروفةً من قبل، أي إصابة الملكات بعمى مؤقت يجبرهن على النزول إلى الأرض والكف عن التزاوج مع ذكور جدد، قام فريق البحث بتعريض الملكات بعد إخصابهن لضوء وامض، وقياس رد فعلهن لذلك الوميض عبر أقطاب دقيقة غُرست في أدمغتهن، وثبت ظهور كف البصر خلال ساعات قليلة من حقنهن بذلك السم. ومع المتابعة على المدى الأطول، وضح لـ"باير" وزملائه أن الملكات اللائي تعرضن لذلك العمى، برئن منه عندما شرعن في تأسيس مُستعمرات جديدة، فقد استعدن قدرتهن على الطيران الناجح، والانخراط في حفلات زفافٍ طائرٍ متجددة، للتزاوج مع ذكور جُدد. فطوبى للذكور الذين يقصف أعمارهم القصيرة ذلك الحب المراوغ، مهما أطلقوا في تنافسهم الذكوري من سهام السموم!

مُرتَكَزات:

 

* Buzzkill? Male honeybees inject queens with blinding toxins during sex ـ by University of California - Riverside.  September 10, 2019

https://phys.org/news/2019-09-buzzkill-male-honeybees-queens-toxins.html

* “The Buzz about Bees-Biology of a Superorganism”-Jurgeen Tautz-  imprint of Springer Science -Verlag Berlin Heidelberg 2008