لا صوت يعلو الآن فوق الأصوات المطالبة بالسعي المستمر نحو إيجاد علاجات تستطيع التغلب على فيروس كورونا المستجد المسبب لمرض (كوفيد- 19)، خاصةً مع تجاوز الأعداد المؤكدة للمصابين حاجز 4 ملايين إصابة حول العالم، واقتراب أعداد الوفيات من 300 ألف (حتى لحظة كتابة هذه السطور). وتعمل مراكز الأبحاث حول العالم الآن، على قدم وساق، لتطوير أدوية ولقاحات فعالة وآمنة لعلاج المرض والوقاية منه، بالإضافة إلى ابتكار وسائل تشخيص تتيح نتائج سريعة ودقيقة لمكافحة انتشار المرض. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة حال التوصل إلى تلك العلاجات المنشودة هو: مَن سيكون له حق الوصول إلى علاجات كوفيد-19، وهل ستكون متاحةً بالفعل للجميع أم أن هناك حسابات أخرى؟

للإجابة عن هذا السؤال والحديث حول الجهود العالمية المبذولة كي يكون الدواء واللقاح ووسائل التشخيص متاحةً للجميع دون عائق أو تمييز، كان لنا حوار مع يوان كيونج هو، كبيرة المستشارين القانونيين والسياسيين لحملة منظمة أطباء بلا حدود لتوفير الأدوية الأساسية.


 

- بدايةً، لماذا يوجد تخوُّف واضح من عدم إتاحة أدوية ولقاحات فيروس كورونا المستجد -حال اكتشافها- للجميع حول العالم؟

لقد أصابت الجائحة العديد من الدول في الوقت نفسه. وبالتالي فإن أي أدوات طبية ستصبح موردًا نادرًا إذا لم يكن هناك تصنيعٌ وإمدادٌ بقدرٍ كافٍ، وضمانٌ لإتاحتها بشكل منصف وبتكلفة معقولة على صعيد عالمي.

وبالنسبة للأدوية واللقاحات، فإن نموذج الأعمال الحالي القائم على الاحتكار والمدفوع بقوى السوق سوف يخذل العالم في مجابهة جائحة كوفيد-19. إذ يعتمد هذا النموذج –إلى حدٍّ كبير- على شركات القطاع الخاص -التي غالبًا ما تمتلك الحقوق الحصرية المحمية ببراءات الاختراع- لتحديد مَن يمكنه الإنتاج وأين يتم الإنتاج والتوريد، بجانب التحكم في التكلفة والسعر.

من دون وجود تدخلات حكومية لتجاوز تلك الحقوق الحصرية، فإن الدول غير المهمة بالنسبة لشركات الأدوية سوف تُحرم من الوصول إلى الأدوات الطبية اللازمة في الوقت المناسب. فعندما تكون هناك حاجة إلى توفير الأدوية واللقاحات نفسها في جميع الدول في الوقت ذاته، يكون الاعتماد على مورد واحد لحل أزمة صحية عالمية أمرًا غير مُجدٍ.

- هل يمكنكم طرح مثال لتوضيح هذا الأمر؟

أحد الأمثلة على ذلك هو العقار التجريبي "ريمديسيفير" Remdesivir، المطور من قِبَل شركة جيلياد الأمريكية، والذي لا يزال قيد الاختبارات السريرية للتحقق من فاعليته. ففي حال ثبوت فاعلية الدواء، سيواجه العالم نقصًا فوريًّا منه؛ إذ إن جيلياد هي الشركة الوحيدة التي يمكنها أن تنتج هذا الدواء الآن.

وهناك مخاوف من أن تتخذ الشركة القرار بالتحكم الكامل في ريمديسيفير -من خلال حقوق الملكية الفكرية والحقوق التجارية الحصرية- مما سيؤدي إلى عدم كفاية القدرة التصنيعية لتلبية الاحتياجات العالمية، كما سيجعل تكلفة شراء الدواء باهظةً على نحوٍ يفوق قدرات الدول ذات الموارد المحدودة.

إن هذا الأمر قد دفع منظمة أطباء بلا حدود -بجانب أكثر من 150 من منظمات المجتمع المدني والأفراد- إلى توجيه رسالة مفتوحة تطالب جيلياد الالتزام بعدم تفعيل نظام براءات الاختراع الخاصة بها على عقار ريمديسيفير، والعمل بدلًا من ذلك على مشاركة التقنيات وإتاحة البيانات بشكل عام للسماح لمنتجي الأدوية المثيلة بتصنيع الدواء.

- ما العقبات الرئيسية التي تواجه إتاحة علاجات فيروس كورونا المستجد لجميع دول العالم، خاصةً للفئات الأكثر ضعفًا بالدول النامية؟ وكيف يمكن تجاوز هذه العقبات؟

أولًا قد تختار الدول الغنية الاستئثار بأي علاجات محتملة وبالمعدات الوقائية والأدوات الطبية الأخرى، وترك البلدان ذات الأنظمة الضعيفة والقدرات المالية المحدودة في مهب الريح. وثانيًا في حال ترك احتكار الشركات وحقوقها الحصرية دون رادع، لن تكون ثمة استفادة من القدرات الإجمالية للإنتاج الكافي والتوزيع العادل حول العالم.

لذا يتحتم أن تكون هناك آلية تعاون دولي واضحة لضمان الإنتاج السريع والواسع للأدوات الطبية بمجرد الموافقة عليها، وتوفيرها على أساس المساواة والحاجة. الأمر الذي يتضمن التزام الشركات بمشاركة البيانات، وتوفير المعرفة التقنية لمصنِّعي الأدوية المثيلة لتيسير الإنتاج وفق الحاجة، وعدم تطبيق قوانين الملكية الفكرية عليها. كما يشمل أيضًا تضامن الحكومات وألا يقتصر عملها على تلبية احتياجاتها المحلية فقط، بل يمتد إلى دعم الدول الأخرى في الحصول على الأدوية واللقاحات واختبارات التشخيص.

- وكيف يمكن ضمان ألا يتم احتكار أدوية أو لقاحات كوفيد-19 من قِبَل حكومات بعض الدول أو شركات الأدوية؟

من المهم تأكيد أن الحكومات والمؤسسات الدولية هي التي تتحمل المسؤوليات الرئيسية لضمان توفير أدوية ولقاحات فيروس كورونا المستجد للجميع؛ إذ لا يمكن للعالم أن يعتمد على الاستعداد الطوعي للشركات الخاصة لمجابهة هذه الأزمة الصحية العالمية.

لذلك يجب على الحكومات أن تكون مستعدةً لاتخاذ أي تدابير قانونية ضرورية لضمان عدم احتكار القطاع الخاص لعلاجات كوفيد-19، ويتضمن ذلك تجاوز الحواجز الناجمة عن براءات الاختراع والحقوق الحصرية الأخرى. بالإضافة إلى ضرورة التعاون الدولي لضمان تنسيق الإجراءات القانونية لتعزيز الإتاحة الكافية والعدالة في التوزيع. وبالفعل تعمل الآن عدة دول -مثل ألمانيا وكندا وشيلي والإكوادور والبرازيل- على تفعيل التشريعات التي تسمح باستخدام المواد الحاصلة على براءات الاختراع دون الحاجة إلى ترخيص من حامل براءة الاختراع، وذلك فيما يتعلق بمرض كوفيد-19.

بجانب ذلك يجب ألا يكون التمويل العام لمجابهة جائحة فيروس كورونا المستجد مجرد شيكات غير مشروطة. إذ يجب أن تكون هناك تعهدات ملزمة ومكتوبة بشكل صريح في الشروط والأحكام الخاصة بجميع اتفاقيات التمويل. وينبغي أن تتضمن تلك الالتزامات إتاحة الشركات أيًّا من التقنيات وحقوق الملكية الفكرية والبيانات والمعرفة بشكل عام لجميع دول العالم، وضمان توافرها للجميع وإمكانية الوصول إليها، واتخاذ تدابير خاصة لحماية توفير الإمدادات العلاجية للدول ذات الأنظمة الصحية الضعيفة والتي لا تمتلك قدرات التصنيع.

- ما الجهود المبذولة حاليًّا من قِبَل الحكومات والمؤسسات الدولية لضمان إتاحة علاجات مرض كوفيد -19 للجميع؟

أعلنت منظمة الصحة العالمية مؤخرًا عن تعاون دولي في هذا الإطار من خلال "مسرع الوصول إلى أدوات كوفيد-19"، كما استضافت المفوضية الأوروبية وعدد من الدول الأخرى مؤتمرًا عالميًّا لإعلان التبرعات؛ بغرض طلب التمويل العام لدعم تطوير الأدوية واللقاحات ووسائل التشخيص وإنتاجها وتوزيعها وتوصيلها. وأعتقد أن هذه خطوات مهمة. ومع ذلك، لا يزال الأمر غير واضح حول كيفية ضمان التوزيع العادل والوصول الشامل للأدوات الطبية الخاصة بالمرض من خلال متطلبات واضحة ومُلزِمة من قِبَل جهات التمويل والحكومات.

- وما هي جهود حملة منظمة أطباء بلا حدود لتوفير الأدوية الأساسية لضمان إتاحة علاجات مرض كوفيد- 19 للفئات الأكثر ضعفًا واحتياجًا حول العالم؟

تنادي منظمة أطباء بلا حدود بعدم تسجيل براءات اختراع للأدوية أو اللقاحات أو الاختبارات التشخيصية المستخدمة لمجابهة جائحة كورونا المستجد، وعدم التربُّح منها؛ وذلك لضمان إتاحة العلاجات بتكلفة يمكن تحمُّلها لإنقاذ المزيد من الأرواح.

لذا نعمل على إشراك المنظمات الدولية والحكومات والمصنِّعين ومنظمات البحث والتطوير؛ لتعزيز المبادئ والتدابير الرئيسية لضمان الوصول والإتاحة. كما نعمل بشكل وثيق مع منظمات المجتمع المدني التي تطالب الجهات المعنية الرئيسية باتباع التدابير المناسبة لضمان الوصول إلى الأدوات الطبية لكوفيد-19. إذ قمنا بدعم "مبادئ الوصول والابتكار والتعاون العالميين" لمجابهة المرض، والتي وقعت عليها أكثر من 500 منظمة وفرد من الدول المتقدمة والدول النامية على السواء.

- أخيرًا، لماذا تجب توعية الأفراد والمجتمعات حول قضية إتاحة علاجات فيروس كورونا المستجد للجميع؟

من المهم بالنسبة للأفراد والمجتمعات المطالبة بإتاحة الوصول عالميًّا إلى أدوية مرض كوفيد-19 ولقاحاته ووسائل تشخيصه للجميع. فلقد كلفنا الوباء عشرات الآلاف من الأرواح، وأثَّر على معيشة كل شخص في هذا العالم. كما يعتبر البحث عن علاجات فعالة لكوفيد-19 جهدًا جماعيًّا عالميًّا يتضمن إسهامات مهمة من الأفراد والمجتمعات. لذا ينبغي ألا يُترك التحكم في الوصول إلى الأدوات الطبية وإتاحتها لمجابهة المرض بين أيدي بضع شركات خاصة. فحصول الجميع على علاجات للمرض يُعَد حاجة أساسية للبشرية جمعاء في الحاضر والمستقبل.