لسنوات طويلة، ساد اعتقاد "شعبي" مفاده أن معيار الحقيقة والكذب في المحتوى الإعلامي مرهونٌ بالرؤية والسمع، لكن التقدم الكبير في مجالات "التزييف العميق" والانتشار الهائل لمواقع التواصل الاجتماعي ضرب بتلك الحقيقة عُرض الحائط، بعدما أصبح أي محتوى إعلامي عُرضةً للتزييف حتى لو كان هذا المحتوى الإعلامي مدعومًا بالصوت والصورة!

من هنا تأتي أهمية الدراسة التي أجراها فريق بحثي بمركز أبحاث الوسائط الرقمية في جامعة "كوينزلاند" الأسترالية ونشرتها دورية "جورناليزم براكتيس" (Journalism Practice) تحت عنوان "التضليل البصري في الصحافة والاتصالات العامة.. ممارسات التحقق الحالية والتحديات والفرص المستقبلية"، مشددةً على أن "التفريق بين المحتوى المصور الدقيق والزائف صار مهمةً صعبةً حتى على المتخصصين، وذلك بسبب برامج تحرير الصور سهلة الاستخدام التي باتت موجودةً في كل مكان في الغالب".

وتحذر الدراسة من أن "الصحفيين الذين تحكمهم مواعيد محددة لتقديم تقاريرهم الصحفية يفتقرون إلى الأدوات اللازمة لمعرفة الفرق بين الصور الحقيقة والمزيفة، خاصةً عندما تأتي الصور من وسائل التواصل الاجتماعي"، مضيفةً أنه "أصبح من السهل تغيير الصور السابقة والحالية، من خلال طرق مثل الاستنساخ والقص واللصق وإعادة التحرير، ما يجعلنا نواجه مخاطر إعادة كتابة تاريخ مزيف، وليس تزييف الواقع فحسب".

والتزييف العميق هو أحد أشكال توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنشاء صور ومقاطع فيديو على غير الحقيقة.

تنقل الدراسة عن هيزل بيكر -الرئيس العالمي لوحدة تقصي الحقيقة في وكالة أنباء "رويترز" الصحفية، والمعنية باستقصاء المصادر والتحقق من المواد الإعلامية التي يقدّمها شهود العيان والمستخدمون، ومن ثمّ الموافقة عليها للتوزيع في الوقت المناسب على عملاء الوكالة- قولها: في أثناء إعصار إيداي الاستوائي الذي ضرب عددًا من الدول الأفريقية في مارس 2019، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زعمت أنه أحد التداعيات المرعبة لحدوث الإعصار، لكن غرفة الأخبار في "رويترز" اكتشفت أن تاريخه يعود إلى وقائع حدثت في ليبيا قبل 5 سنوات من زمن وقوع الإعصار. وفي فبراير من عام 2019، روجت وسائل التواصل الاجتماعي للعديد من المقاطع الكاذبة، والتي منها مقطع مأخوذ من لعبة فيديو شهيرة باعتباره أحد مشاهد الصراع الهندي-الباكستاني.

حقل ألغام

وعلى الرغم من أن جمع الأخبار من مصادر متنوعة– تتضمن وسائل التواصل الاجتماعي- تطور ليصبح جزءًا مهمًّا من عملية جمع الأخبار عمومًا، إلا أن هذا الأمر بات أشبه بحقل ألغام، إذ تنتقل المعلومات المضللة بسرعة هائلة، ما يستوجب تدريب القائمين على غرف الأخبار على استخدام أدوات التحقق الصحفي وتنقية المعلومات الواردة من شهود العيان، والاعتماد على شهود عيان يتمتعون بالمصداقية، بما يضمن عدم تشويه الحقائق، وتجنُّب انتشار المعلومات المرئية الخطأ والمضللة، وعدم التورُّط في تضخيم المعلومات المرئية الواردة من مصادر مجهولة.

وأشارت الدراسة إلى عدد من الأمثلة على تورط وسائل الإعلام في ذلك، ومنها ما حدث عندما اجتاحت الفيضانات المدمرة ولاية "كوينزلاند" الأسترالية في أوائل عام 2019، إذ نشر الناس صورًا لتماسيح مزعومة تتجول في شوارع المناطق المتضررة بالولاية، وبالتحقق، اتضح أن الصور تعود إلى عام 2014 وتصور تمساحًا في ولاية فلوريدا الأمريكية.

وفي الولايات المتحدة ذاتها، جرى نشر مقطع فيديو في سبتمبر 2019، بزعم أنه مشاهد من "إعصار دوريان" في أثناء تهديده لجزر البهاما، وأوضحت أدوات التحقق أنه كان مقطعًا مركبًا من صورتين، إحداهما لعاصفة رعدية تعرَّضت لها ولاية "كانساس"، والأخرى لعاصفة تعرضت لها مدينة "ميامي بيتش"، وتمت عملية "فبركة" المقطع الذي حصل على 4.4 ملايين مشاهدة.

أرقام مرعبة

وبلغة الأرقام، تشير الدراسة إلى أن عدد المرئيات التي يتم إنشاؤها يوميًّا يبلغ أكثر من 3.2 مليارات صورة و720 ألف ساعة من مقاطع الفيديو، مشددةً على أن "المعلومات المضلِّلة لا تسعى -بالضرورة- إلى إقناع الجمهور بأنها تقدم محتوى صحيحًا، وأن الهدف منها ربما يكون الرغبة في التشويش على قضية يعتقد الناس أنها مهمة، أو تعكير المياه المعلوماتية من أجل إضعاف وجهات النظر المعرفية (العقلانية)، أو توجيه الجمهور إلى خيارات محددة كما هو الحال بالنسبة للتصويت في الانتخابات".

ويشدد الباحثون على خطورة النتائج التي توصل إليها استطلاع للرأي أجراه "المركز الدولي للصحفيين" (ICFJ) في عام 2017 بمشاركة أكثر من 2700 صحفي ومدير غرفة أخبار في أكثر من 130 دولة؛ إذ كشفت النتائج أن 11٪ فقط ممن شملهم الاستطلاع استخدموا أدوات التحقق من وسائل التواصل الاجتماعي، وأن العديد من غرف الأخبار اعتبرت التحقق مشكلةً للصحفيين، وأن 46٪ فقط من العاملين في غرف الأخبار التي تم مسحها هي التي توفر التدريب على البحث والتحقق من المعلومات الواردة من وسائل التواصل الاجتماعي، وأن 22% فقط من الصحفيين رأوا أن التدريب على البحث والتحقق من وسائل التواصل الاجتماعي "مفيد".

مكافحة التضليل

الأرقام السابقة دفعت كثيرًا إلى البحث عن وسائل سهلة للتحقق، مثل الاعتماد على موقوع "جوجل صور" أو "داتا إكسيف" (Exifdata) التي تعتمد على نسخ الصور أو تحميل الرابط الخاص بها للتعرف على بياناتها، فضلًا عن تخصيص منظمات دولية مثل "منظمة العفو الدولية" لراوبط يمكن من خلالها التحقق من مصداقية المقاطع المصورة ومكافحة التضليل البصري الذي يعتمد على تقديم محتوى مرئي مزيف، سواء كان صورًا أو مقاطع فيديو.

يوضح الباحثون أن هناك العديد من إستراتيجيات الكشف اليدوي الحالية التي قد تساعد في مكافحة التضليل الذي يتضمن محتوى مرئيًّا، ومنها استخدام البحث العكسي عن الصور، وفحص البيانات الوصفية لها، وفحص الضوء والظلال، واستخدام برامج تحرير الصور.

ولكنهم شددوا على أن هناك حاجة مُلحَّة إلى تصميم أدوات أفضل لتوفير قدر أكبر من الوضوح–من جانب الصحفيين- حول مصادر الصور والوسائط الأخرى وأصالتها، فضلًا عن الحاجة إلى تطوير مزيد من الأدوات، وذلك يتضمن أساليب التعلم الآلي الأكثر تقدمًا، للتحقق من المحتويات المرئية على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصةً أن الصحفيين يواجهون واقعًا صعبًا؛ إذ يتعين عليهم اتخاذ قرارات سريعة بإعادة نشر المحتوى المرئي أو تجاهله أو تضخيمه، حتى مع قلة الأدوات والوقت المتاح لمساعدتهم في مثل هذا التقييم.

وخلصت الدراسة كذلك إلى أن "الجمهور عليه أن يتحمل –أيضًا- مسؤولية ممارسة مهاراته في التفكير النقدي، وألا يتعامل مع المعلومات الموجودة على الإنترنت باعتبارها حقيقة، خاصةً عندما تأتي من مصادر غير مألوفة أو غير موثوقة".

مليارات الصور

يقول تي. جيه. طومسون، الباحث في مركز أبحاث الوسائط الرقمية بجامعة كوينزلاند، والباحث الرئيسي في الدراسة: أصبح اكتشاف الصور الخطأ أكثر صعوبةً بسبب عدد المرئيات التي يتم إنشاؤها يوميًّا إلى جانب سرعة إنتاجها ونشرها ومشاركتها، وهي أرقام آخذة في الزيادة، ما يستوجب تطوير الأدوات والآليات والتكنولوجيا المستخدمة في إنشاء التلاعب بالمحتوى الإعلامي المرئي أو اكتشافه، وبما يضمن تحسين الثقة بالمؤسسات والمنصات الإعلامية.

يضيف "طومسون" في تصريحات لـ"للعلم": الافتقار إلى آليات التدقيق الجنائي، التي تركز على أشياء يمكن ملاحظتها بالعين المجردة، والأمية الرقمية المتمثلة في أمية الحاسوب والإنترنت، من أهم العقبات الرئيسية التي تقف في طريق الذين يسعون إلى مكافحة التضليل الذي يتضمن محتوى مرئيًّا، وقد أجرى فريقنا تحليلًا يعتمد على تطبيق الطرق الإحصائية على نتائج عدة دراسات متوافقة أو متضادة، لأكثر من 50 دراسةً علمية في مجالات الصحافة وعلم البصريات والتعلم الآلي.

وتابع: كان فريقنا على دراية بأن الخيارات المتاحة للأشخاص العاديين لمحاولة التحقق من المحتوى المرئي يدويًّا عبر الإنترنت كانت محدودةً وغير عملية عند النظر في ديناميات منصات الوسائط الاجتماعية ومقدار انتشار المحتوى على هذه المنصات وسرعته، لقد شعرنا أيضًا بالإحباط بسبب النسبة المنخفضة (بين 11 و25%) في جميع أنحاء العالم من الصحفيين الذين يشاركون في أي نوع من التحقق من وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك أجرينا دراستنا من أجل تعزيز المعرفة الإعلامية الرقمية للصحفيين وتصميم أدوات إضافية تساعدهم في إنجاز واجباتهم في التحقق من المعلومات.

التزييف العميق

من جهته، يعلق ياسر عبد العزيز -الخبير الإعلامي ومدير مكتب صحيفة الشرق الأوسط بالقاهرة- على الدراسة قائلًا: هذه الدراسة تُعد إضافةً إلى توجُّه من الدراسات الرصينة التي تدرس ظاهرة تزييف المواد الإعلامية بهدف التصدي لها.

ويضيف في تصريحات لـ"للعلم" أن "الوتيرة التي تتقدم بها آليات التزييف والتزييف العميق صارت ضخمة جدًّا من حيث الكم، ومتطورة جدًّا باستمرار من حيث الكيف إلى ما يمكن وصفه بـ"الحد الهوليوودي" إن جاز التعبير، وهذا يجعل التفريق بين المحتوى الدقيق والمزيف صعبًا حتى على المتخصصين، فما بالنا بالمتلقي العادي".

ويتابع: كثافة المحتوى المضلل وتضاعفه يخلق مسؤولية مفصلية في هذا الوقت على الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية؛ لتكثيف التدريب على التحقق من معلوماتهم وموادهم قبل أن تنتقل إلى المتلقي.

طرق عملية سهلة

من جهته، يقول شادي جبريل، المدرب والباحث المتخصص في تدقيق الوقائع والتحقق من الأخبار المفبركة: "إن هناك أنواعًا مختلفة من الصور وطرقًا مختلفة لتزييفها، وعلى سبيل المثال الصور المستهلكة التي ترتبط بحدث معين، مثل وقوع انفجار في مكان ما، ونسبتها إلى أماكن أخرى، وهناك أيضًا صور المشاهير والزعماء ونسبة تصريحات حديثة إليهم على صور قديمة، وهذا حدث مع زعماء كبار، مثل الرئيسين الأمريكيين باراك أوباما ودونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مناسبات مختلفة".

يضيف "جبريل" في تصريحات لـ"للعلم": بالنسبة لمقاطع الفيديو، تُستخدم تقنية التزوير العميق (Deep Fake)، ويتم فيها استغلال ملامح شخصية قيادية ما، والبناء عليها، وذلك عادةً ما يتم لتحقيق أهداف سياسية تستهدف تغيير الرأي العام تجاه قضية معينة أو خلخلته.

ويتابع: لدينا الآن العديد من التقنيات الحديثة والمجانية التي تستطيع أن تكشف تزوير الصور بسهولة، مثل تقنية البحث العكسي للصور image reverse search التي تتيحها منصات مختلفة ومنها جوجل، وتتعرف تلك التقنيات على تاريخ استخدام الصورة للمرة الأولى على الإنترنت، ومن ثم يمكن منع استخدامها ثانيةً لأغراض غير تلك التى أُخذت لها في المرة الأولى.

ويتابع: هناك العديد من تطبيقات ومواقع كشف الفيديوهات المزيفة أيضًا، مثل برنامج "إنفيديا" الخاص بمعالجة الرسوم وبطاقات العرض المرئي، و"يوتيوب"، وموقع "تن آي" (TinEye) الذي يسمح للمستخدم بإرسال الصورة إلى الموقع لكي يتتبَّع محرك البحث مصدرها، ومن المواقع والتطبيقات ما يستخدم تقنية التزييف العميق، وهي أيضًا سهلة الاستخدام ولا تحتاج سوى إمدادها بـ"لقطة شاشة" من الفيديو المراد التحقق منه لتعطيك كل البيانات عن الفيديو الأصلي ومتى استُخدم والمناسبة التي جرى استخدامه فيها.

يضيف "جبريل": علاوة على ذلك، هناك العديد من الأدوات المجانية المتاحة التي تمنحنا معلومات دقيقة جدًّا عن البيانات الوصفية للصورة، مثل أبعاد الصورة ودرجة جودتها والمكان الذي التُقطت فيه، بل حتى الكاميرا التي التُقطت بها الصور أو الفيديوهات، وهناك أيضًا برامج تعتمد على آليات التدقيق الجنائي، التي تركز على أشياء ممكن ملاحظتها بالعين المجردة لتكشف ما إذا كان هناك تلاعب بالمحتوى المرئي؛ فعلى سبيل المثال، إذا التقطت صورة وكل شيء فيها له ظلال عدا شيء أو اثنين مثلًا مع أن الإضاءة نفسها موزعة على الغرفة أو المكان الذي شهد التقاط الصورة أو الفيديو، فإن هذا يجعلنا نتشكك في صحة الصورة أو الفيديو، ومثال آخر للتحقق يتم عن طريق مراقبة الحركة والانفعالات بالعين المجردة، فقد نكتشف نمطًا حركيًّا متأخرًا أو بطيئًا أو العكس فيما يشبه الحركة في أفلام الرسوم المتحركة.

ويرى "جبريل" أن "الصحفيين والإعلاميين هم المسؤولون بشكل أساسي عن تصدير الصور والفيديوهات المزيفة حين لا يستخدمون مهارات التحقق وآلياته أو حين يسعون إلى تحقيق مجد ما أو سبق صحفي دون الاهتمام بدقة المحتوى"، مشددًا على أن "شركات التواصل الاجتماعي الكبرى لا تبذل ما يجب بذله من جهد للتحقق من الصور والفيديوهات؛ لأن ذلك من شأنه تقليل الإثارة والمتابعين والمكاسب المهولة الناتجة عن تدوير محتويات تلقى رواجًا واسعًا، لذا يجب أن يكون هناك استثمار مستمر في تطوير أدوات مكافحة المعلومات المرئية الخطأ والمضللة، وتدريب الصحفيين بصورة مستمرة على الآليات والتقنيات التي تساعدهم على تجنُّب المحتوى الإعلامي المضلِّل".