كان "عبد الرحمن" لا يزال في سنوات الدراسة النهائية في كلية الطب، بجامعة عين شمس المصرية، حين التحق بإحدى القوافل الطبية المتجهة إلى محافظة الفيوم (جنوب القاهرة). خُصصت تلك القافلة لفحص مجموعات كبيرة من طلبة المدارس، في قرية تقع بالقرب من بحيرة قارون الشهيرة، والتي تقول الأساطير الشعبية إنها المكان ذاته الذي يحوي في قاعه كنوز قارون بعد أن خسف الله بداره الأرض. وعلى النقيض من ثراء سكان ذلك المكان في الماضي البعيد، يعاني سكانه الحاليون في القُرى المتاخمة للبحيرة شظف العيش، في بيوتٍ غير مسقوفة، تتوسطها برك من الماء الآسن، وبالكاد تحوي ما يُمكن أن يعين الشخص على الحياة ليومٍ واحد.

لم يكن "عبد الرحمن" ليتصور أن تلك الأماكن شديدة الفقر موجودة بالفعل في أنحاء المحروسة. غير أنه على كل حال فضَّل إكمال مهمته الأساسية -فحص الأطفال واكتشاف عللهم المدفونة- على التأمل في حال أهلها. لاحظ الطبيب الشاب ارتفاع مستويات البدانة لدى بعض هؤلاء الأطفال، كما لاحظ أن البعض الآخر يميل إلى البدانة أكثر في منطقة الخصر، في حين تظهر علامات الإصابة بالهزال في أطرافهم. وكأن تلك الأطراف الرفيعة ليست ذات صلة بتلك الأجساد البدينة. كانت أجسادهم -رغم بدانتها الظاهرة- ضعيفة، وبنيتهم الجسمانية  -رغم تراكُم بعض من شحوم عليها- تبدو متداعية.

مرت السنوات، وجاءت الفرصة للطبيب الذي أمسى باحثًا في جامعة هارفارد العريقة "عبد الرحمن أبو شوك" للاشتراك في دراسة علمية إحصائية ضخمة، نفذها قرابة ألف باحث، ونُشرت نتائجها في دورية "نيتشر ميديسن". قدمت تلك الورقة أرقامًا شديدة الدقة، ومعلومات بالغة التعقيد، وتفاصيل غير مسبوقة عن العبء المزدوج للسمنة والهزال في البلدان النامية والمنخفضة الدخل، والناجم عن سوء التغذية عند الأطفال في عمر ما قبل خمس سنوات.

عرضت تلك الدراسة تقديرات جغرافية عن زيادة الوزن وانتشار الهزال بين الأطفال دون سن الخامسة في 105 من البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. تقول الدراسة إن مستويات الهزال انخفضت بصورة إجمالية في تلك البلدان بين عامي 2000 إلى 2017 من 8.4٪ إلى 6.4٪ بفرق يشكل حوالي 14 مليون شخص. وفي المقابل، زادت مستويات الوزن الزائد بين الفئة نفسها في الفترة ذاتها من 5.2٪ إلى 6٪. تكشف الدراسة عن أن الدول الأكثر تضررًا من عبء سوء التغذية المزدوج -المتمثل في الهزال والسمنة- هي إندونيسيا وتايلند وجنوب شرق الصين وبوتسوانا والكاميرون ووسط نيجيريا.

التعايش بين نقص التغذية والسمنة

تاريخيًّا، يُعتقد أن نقص التغذية لدى الأطفال -والذي يتجلى في الهزال والتقزم- هو الشكل الأكثر شيوعًا لسوء التغذية في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل. ومع ذلك، أدى النمو الاقتصادي والتحضر إلى زيادة الوزن عند الأطفال حتى مع سوء التغذية. يُطلق على تلك العملية التعايش بين نقص التغذية والسمنة، حسبما تقول المؤلفة الأولى للدراسة "داماريس كينيوكي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم". توضح "كينيوكي" أن الأمر يمثل عبئًا مزدوجًا لسوء التغذية، مشيرةً إلى أن الهدف من تلك الدراسة تقديم تقديرات تفصيلية في مواقع جغرافية محددة لمقارنة اتجاهات الهزال والوزن الزائد في البلدان محل الدراسة.

تشير التقديرات إلى أن الاتجاه العالمي فيما يتعلق بإصابة الأطفال بالهزال في مرحلة الطفولة المبكرة آخذٌ في الانخفاض، ولكن في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة مثل منطقة ساحل جنوب آسيا تستمر تلك النسب في الارتفاع. وفي الوقت نفسه، ارتفع معدل الزيادة في أوزان الأطفال، خاصةً في أمريكا الجنوبية وبعض دول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا. وتؤكد "كينيوكي" أن المقادير المختلفة التي تغيرت بها هذه الاتجاهات أدت إلى ظهور عبء مزدوج لسوء التغذية في العديد من البلدان.

تُعرف منظمة الصحة العالمية سوء التغذية بشكل مختلف تمامًا عن نقص التغذية. فالأول هو النقص أو الزيادة أو عدم التوازن في نسب المغذيات، وهو أمرٌ ينجم عنه "عدم كفاية المدخول من الفيتامينات والمعادن، التي يُطلق عليها مسمى المغذيات الدقيقة. وتمكّن المغذيات الدقيقة الجسم من إنتاج الإنزيمات والهرمونات وغيرها من المواد اللازمة للنمو والنماء على نحو ملائم"، أما الثاني -نقص التغذية- فهو عدم وجود مُدخلات كافية من الطاقة. ينجم عن نقص التغذية حصرًا الهُزال والتقزم ونقص الوزن وعوز الفيتامينات والمعادن. أما سوء التغذية فقد ينجم عنه تلك الأمراض جميعها، علاوةً على السمنة وفرط الوزن.

في عام 2016، وضعت الأمم المتحدة برنامجها الطموح لتقليل مستويات الهزال إلى أقل من 5٪ في العالم بحلول عام 2025، بعدما اعتبرت "القضاء على الجوع وعلى جميع أشكال سوء التغذية من التحديات الإنمائية الأكثر إلحاحًا وانتشارًا"؛ إذ إن الأمراض المرتبطة بسوء التغذية والتي تشمل أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وأنواع السرطان والسمنة "تُشكل عبئًا على جميع الدول والمجتمعات".

يقول المؤلف المشارك في تلك الدراسة، عبد الرحمن أبو شوك، في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن ذلك البرنامج الطموح يُحقق أهدافه على الأرض، لكنه "سلاحٌ ذو حدين". فعلى الرغم من أن البرنامج تمكَّن بالفعل من تقليل مستويات الهزال، إلا أنه يعتقد أنه تَسبَّب في المقابل -مع عدة عوامل أخرى- في زيادة كميات السعرات الحرارية في مدخولات الغذاء، إذ إن المواد الغذائية التي يُساعد بها ذلك البرنامج الأسر الأكثر احتياجًا لا تُستخدم الاستخدام الأمثل في بعض الأحيان. فبعض الأسر تبيع تلك المواد وتستخدم النقود لشراء أطعمة أرخص لتوفير بعض الأموال وإنفاقها على أمور أخرى غير متعلقة بالتغذية.

ويقول "أبو شوك" إن كلًّا من الهزال والسمنة يُسببان خطرًا كبيرًا على صحة الأطفال. ففي الوقت الذي يُسبب فيه الهزال خطرًا على المستوى القريب، يتمثل في خلل الجهاز المناعي وجعل الأطفال أكثر عرضةً لمجموعة متنوعة من الأمراض تشمل الملاريا والسل والإسهال، تتسبب السمنة في مخاطر جمة على المستوى البعيد، تشمل زيادة احتمالية الإصابة بالسكري، وأمراض القلب الوعائية، وحتى السرطان.

لكن، ما العوامل التي تؤدي إلى سوء التغذية في الأساس؟ وما الفئات الأكثر عرضةً للأمراض المصاحبة لها؟

يقول "أبو شوك" إن الدراسة لم تتطرق إلى ذلك الأمر، "لكن من واقع خبرتي كطبيب شارك في العديد من القوافل الطبية، يُمكنني القول إن سوء التغذية ينتشر بين جميع الطبقات".

خلال عمله في محافظة الفيوم، لاحظ "أبو شوك" أن الأمهات في القرى الفقيرة يقمن بطهي الأرز باستمرار كمصدر أساسي للغذاء. كما أن الوجبات المُقدمة للأطفال تحتوي على نشويات بصورة أكبر بكثير من المُغذيات الأخرى، "وهو أمر يتسبب في سوء التغذية للأطفال، كما يؤدي إلى ظهور السمنة أو الهزال".

وعلى عكس الأسر الفقيرة، وكنتيجة مباشرة لنقصان المعلومات وسوء التوعية، تتجه أمهات الأطفال الميسورين إلى إعطائهم عناصر تحوي كميات كبيرة من السكريات، وفي بعض الأحيان -وبدافع الخوف- يمنعن الأطفال من ممارسة النشاط الجسماني بصورة مستمرة، مقابل تسهيل وسائل الترفيه الحديثة -من تليفونات محمولة وبلاي ستيشن- للأطفال. وهو أمر يُسبب أيضًا خمولًا لهؤلاء الأطفال ويجعلهم عرضةً للسمنة بصورة أكبر.

تقول الدراسة أيضًا إن دول الشمال الأفريقي -التي تشمل مصر والمغرب والجزائر وتونس ومناطق من ليبيا، لعدم تمكنها من استقصاء بيانات في كل ليبيا؛ نظرًا لظروف الاقتتال الدائر هناك- تُعاني من مستويات عالية من زيادة الوزن في أطفال ما دون الخامسة. وصلت المناطق الواقعة في وسط المغرب إلى بعض أعلى مستويات العبء المزدوج (تُعرَّف بأنها 15٪ زيادة الوزن، 10 -15٪ هزالًا)، في حين تعاني معظم بقية شمال أفريقيا من زيادة الوزن (10-15٪) وهزال معتدل (5 -10٪)، كما أن بعض المناطق المختارة في مصر لديها معدل انتشار مرتفع للغاية (أكبر من 15٪).

وفقًا لمعايير النمو التي حدّدتها منظمة الصحة العالمية، يُعرف الهزال عن طريق الحصول على قيم محيطات الجسم عبر تقدير قيمة الوزن بالنسبة للطول، يعني الهزال الوخيم أن يكون محيط متوسط الذراع أقل من 11.5 سنتيمترًا، في حين يكون الهُزال متوسطًا عند قيمة كتلة جسم أقل من 25.

في مصر، تربعت محافظة دمياط على قمة المحافظات التي ينتشر فيها الهزال بنسبة 13.1٪ من الأطفال دون سن الخامسة، وجاءت محافظة بني سويف في المرتبة الأخيرة بنسبة 3.4٪ من إجمالي عدد الأطفال دون سن الخامسة المصابين بالهزال.

وجاءت محافظة الشرقية في المرتبة الأولى في نسبة الأطفال المصابين بزيادة الوزن، قدر الباحثون تلك النسبة بـ36.1% من إجمالي عدد الأطفال دون سن الخامسة في تلك المحافظة. في حين حلت محافظة الوادي الجديد في المرتبة الأخيرة بنسبة 15.1٪ للأطفال المصابين بزيادة الوزن دون سن الخامسة.

معدل انتشار الهزال و زيادة الوزن فى الأطفال تحت عمر 5 سنوات فى محافظات جمهورية مصر العربية:

متوسط انتشار زيادة الوزن

متوسط انتشار الهزال

المحافظة

25.7%

5.9%

القاهرة

28.2%

5.6%

الجيزة

34.1%

5.1%

القليوبية

35.4%

4.6%

الغربية

33.2%

5%

المنوفية

31.6%

5.8%

الدقهلية

36.1%

4.4%

الشرقية

29.0%

6.1%

البحيرة

28.5%

6.3%

كفر الشيخ

25.2%

13.1%

دمياط

32.5%

4.3%

الفيوم

36.2%

3.4%

بنى سويف

25.7%

4.2%

المنيا

21.6%

6.8%

أسيوط

24.6%

5.6%

سوهاج

18.4%

5.0%

قنا

15.2%

6.0%

أسوان

15.1%

9%

الوادى الجديد

29.6%

5.5%

مطروح

30.5%

5.4%

الاسكندرية

25.1%

5.6%

الاسماعيلية

20.3%

6.2%

السويس

22.8%

6.6%

بور سعيد

17.8%

6.4%

البحر الأحمر

19.7%

4.3%

شمال سيناء

19.9%

4.7%

جنوب سيناء

دراسة استقصائية وميدانية

عالجت تلك الدراسة بيانات مُستقاة من 420 دراسة استقصائية وميدانية، شملت نحو 3 ملايين طفل. ويقول "أبو شوك": إن هناك مجموعة من القيود في تلك الدراسة، تشمل التباين في طرق القياس المستخدمة في الدراسات الاستقصائية. نجم ذلك التباين عن التعريفات المختلفة للهزال والسمنة. أما القيد الثاني فيتمثل في عدم وجود معلومات كافية عن بعض المناطق؛ "ففي الوقت الذي وجدنا فيه الكثير من المعلومات عن مناطق محددة في العالم، واجهنا شُحًّا في المعلومات عن مناطق أخرى، حتى داخل الدولة الواحدة".. يقول "أبو شوك".

يقول المتخصص في علوم السمنة بجامعة أبردين، جون سبيكمان: إن هناك العديد من المكاسب الجديرة بالثناء والتي تحققت على الصعيد العالمي فيما يتعلق باتخاذ إجراءات ضد سوء التغذية عن الأطفال على مدار العقدين السابقين. لكن من الواضح -وفق تلك الدراسة- أن مستويات تحسين الأمن الغذائي أدت إلى زيادة مخاطر الإصابة بالوزن الزائد، "وهو عبء خطير وكبير".

ويرى "سبيكمان" أن جذور المعدلات المتزايدة للسمنة تظهر في مجموعة من التفاعلات بالغة التعقيد بين المجتمع والبيئة والصناعات الغذائية، علاوة على العوامل الفردية؛ فعلى سبيل المثال، تتزايد أعداد مطاعم الوجبات السريعة في المجتمعات الحديثة، ما يُقلل من استهلاك النمط الغذائي الصحي ويؤدي إلى انتشار السمنة. ويشير "سبيكمان" في تصريحاته لـ"للعلم" إلى أن "فهم تلك العوامل عبر دراسة المجتمعات وتوضيح نسب الإصابة بالهزال أو السمنة فيها سيدعم بصورة أفضل فهم تلك المشكلة ومحاولات الحد من آثارها، وهو ما فعلته تلك الدراسة بامتياز"، على حد قوله.

ترى مؤلفة الدراسة "كينيوكي" أنه يجب الاعتراف بالعبء الناشئ لنقص التغذية المتزامن مع السمنة والهزال في المجتمعات المحلية نفسها؛ حتى تكون هناك مجموعة من التدخلات الأكثر فاعليةً في سياسات الغذاء، وتشير إلى أن التقديرات التي توفرها تلك الدراسة يُمكن أن تساعد في تحديد مجالات محددة لإدارة التدخلات السياسية في مجال التغذية.

يقول "أبو شوك": إن هناك العديد من الحلول لتلك الأزمة، تبدأ بالحلول الاقتصادية المتمثلة في ضرورة رفع مستويات المعيشة للأسر الأكثر فقرًا، وتحسين الموارد الغذائية وتقنيات الزراعة في الدول الفقيرة والنامية، لكنه يُشدد على أهمية "زيادة الوعي" عند العامة عن طريق حملات منظمة تنفذها الجهات المعنية بالدولة وتسهم فيها وسائل الإعلام، فـ"من دون الوعي اللازم والكافي، سيظل ذلك الكابوس جاثمًا على صدورنا.. كابوس السمنة والهزال الناجم عن سوء التغذية".