"رحلة إلى التطرف في أفريقيا.. العوامل والحوافز ونقطة التحول للتجنيد".. عشر كلمات شكلت عنوانًا رئيسًا لدراسة أعدها "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي"؛ لقراءة الأسباب الاجتماعية والسيكولوجية والتعليمية التي تدفع الشخص للانضمام إلى تنظيم "متطرف عنيف"، وذلك من خلال مقابلات مباشرة أجراها الباحثون مع "متطرفين" أفارقة سبق لهم الانخراط في تنظيمات إرهابية.

امتدت الدراسة عامين، واستهلها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش بعبارة قال فيها: "إن خلق مجتمعات تعددية شاملة مفتوحة منصفة، تقوم على أساس الاحترام الكامل لحقوق الإنسان، وتضمن العدالة الاقتصادية للجميع، يمثل بديلًا ملموسًا وهادفًا؛ لحماية الشخص من السير في طريق التطرف العنيف".

وكشفت الدراسة أن أعداد الوفيات الناجمة عن التطرف في أفريقيا بلغت 33 ألفًا و33 حالة بين عامي 2011 و2016، إضافة إلى ما خلفه الإرهاب من تشرد ودمار اقتصادي، مؤكدةً أن النشاط المتطرف العنيف في أفريقيا بات يمثل تهديدًا كبيرًا للأمن العالمي، في ظل تداخُل الأسباب التي تعزِّز وجوده ونشاطه في القارة السمراء، وتنوُّعها بين أسباب دينية وأيديولوجية وسياسية واقتصادية.

وشددت على أن الفقر والحياة على هامش المجتمع يدفعان بالشباب الأفريقي إلى الولوج في دروب التطرف والعنف والتمرد، وأن التهميش والحرمان من الحقوق الاجتماعية، وعدم فهم النصوص الدينية فهمًا صحيحًا، وتدني المستوى التعليمي، وسوء الأحوال الاقتصادية، وفقدان أحد الوالدين أو كليهما، كلها من أهم العوامل التي تلعب عليها التنظيمات الإرهابية لاستقطاب مجندين جدد.

الانضمام لتنظيم متطرف

اعتمدت الدراسة على إجراء لقاءات مباشرة مع 718 شخصًا في كلٍّ من الصومال ونيجيريا وكينيا والسودان والنيجر والكاميرون، بينهم 81% من الذكور و19% من النساء والفتيات، جرى تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات: الأولى هي "مجموعة متطوعين" وضمت 495 شخصًا انضموا طواعية إلى الجماعات المتطرفة العنيفة، وذلك بنسبة بلغت 69.94% من إجمالي العينة، والثانية اشتملت على 78 فردًا تم تجنيدهم بالقوة (10.86%)، وشكلت النساء والفتيات نسبةً بلغت 53% من تلك المجموعة، بالإضافة إلى مجموعة ثالثة أُطلِق عليها "مجموعة مرجعية" وتشكلت من 145 فردًا لا ينتمون إلى أي جماعات متطرفة عنيفة مثلوا 20.19% من عينة البحث.

كان الصوماليون أصحاب النسبة الأكبر في قائمة مَن أُجريَت معهم لقاءات، بنسبة بلغت 41%، ثم النيجيريون (24%) والكينيون (20%) والسودانيون (14%)، فيما كانت نسبة الكاميرونيين 1%، والأمر نفسه بالنسبة لمَن هم من النيجر، وتخطت نسبة المشاركين حاجز الـ100% لتبلغ 101% بسبب لجوء الباحثين إلى تقريب نسب المشاركين.

كان العدد الأكبر ممن أُجريت معهم المقابلات عناصر سابقة بحركة الشباب الصومالية (52%) وبوكو حرام (27%) وداعش (15%)، في حين بلغت نسبة المبحوثين الذين سبق لهم الانضمام إلى تنظيمي "القاعدة" و"المرابطون" وجماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا 7% فقط، وتخطت النسبة حاجز الـ100% لتبلغ 101% بسبب لجوء الباحثين إلى تقريب النِّسَب.

وتنوعت مهام المبحوثين داخل التنظيمات المتطرفة العنيفة، فكان 49% منهم مقاتلين، و14% ممن تولوا مهامَّ تتعلق بالتدريب والتجنيد، و12% تولوا مهامَّ استخباراتية، و11% تركزت مهامهم في تقديم الخدمات المنزلية، و5% كانت مهمتهن هي "زوجة مقاتل"، و4% شرطيون ومراقبون للمجتمع، و4% تولوا مهامَّ قيادية عسكرية، وشغلت النسبة الباقية مهامَّ أخرى.

وفيما يتعلق بأسباب الانضمام إلى تنظيم متطرف عنيف، جاءت الأفكار الدينية في المقدمة بنسبة 40%، تبعتها رغبة الشخص في أن يكون شيئًا ضمن منظومة أكبر من ذاته بنسبة 16%، ثم البحث عن عمل (13%) وتصديق كلام زعيمه الديني (13%)، وعوامل الصداقة والقرابة (10%)، وأسباب عرقية (5%)، والأفكار السياسية للمجموعة (4%)، والمغامرة (3%)، والخدمات المقدمة من التنظيم (3%)، وتصديق المعلم (2%)، والعزلة الاجتماعية (1%)، والتهميش السياسي (1%)، وبلغت نسبة "أسباب أخرى" 3%.

طفولة تعيسة

من بين أهم النتائج التي توصل إليها الباحثون في رحلتهم بحثًا عن فك طلاسم "دائرة صناعة الموت" في القارة السمراء أن الطفولة التعيسة تؤدي دورًا حاسمًا في تجهيز الطفل للانخراط في تنظيمات إرهابية في المستقبل، بداية من الحرمان من أحد الوالدين، سواء بسبب اليتم أو غياب رعاية الوالدين، وانتهاءً بتعريض الطفل للعقاب البدني العنيف، وأنه حيثما يكون هناك ظلم وحرمان ويأس، فإن الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة تطرح نفسها كشكل من أشكال الهروب التي يلجأ إليها الشخص هربًا من الظلم والحرمان واليأس.

وأظهرت نتائج الدراسة أن 83% من الذين انخرطوا طواعية في التنظيمات المتطرفة العنيفة من جَرَّاء الافتقار إلى الدور الذي تؤديه الأم في حياة أي شخص ونموه، وهي النسبة التي ارتفعت إلى 87% بين مَن أُرغموا على الانضمام لتمثيل تلك التنظيمات، في حين بلغت النسبة 90% في المجموعة المرجعية.

أكدت الدراسة أن ثمة ارتباطًا قويًّا بين الأفراد الذين انضموا للجماعات المتطرفة ومعاناتهم بسبب حرمان أحد الوالدين أو كليهما معًا، أو غياب التأثير الفاعل للوالدين في مرحلة الطفولة لمَن تم تجنيده، والأمر نفسه بالنسبة لمَن مرَّ بمراحل يأس وإحباط في طفولته، أو عانى من عقوبات جسدية، ما يعني أن التنشئة الاجتماعية السلبية للفرد أحد العوامل الجوهرية لتجنيد المتطرف في القارة السمراء.

ووفق ما نقلته الدراسة عن أحد المبحوثين -والذي يبلغ من العمر 37 عامًا، وكان قياديًّا عسكريًّا بأحد تلك التنظيمات- فإنه لم يكن لدى والديه وأشقائه أي فكرة عن انضمامه إلى تنظيم متطرف عنيف، مضيفًا: "عندما تكون محاصَرًا داخل التنظيم، فإنه من الصعب الاستماع إلى آراء أخرى، ومن الأصعب أن نقبل أن ما كنا نفعله خطأ".

يقول خضر محمد عثمان أبو طربوش -أستاذ علم النفس بالمركز القومي للمناهج والجامعة المفتوحة بالسودان- لـ"للعلم": "إن الأسرة تؤدي دورًا أساسيًّا في نمو الأفراد وتنشئتهم، وهي تمثل المصدر الأول لمطالب النمو الفسيولوجية والنفسية والاجتماعية والمعرفية والخبرات الأساسية، فالأسرة ليست مجرد وسيلة إنجاب، ولكنها الخلية الاجتماعية الأولى لبناء المجتمع".

وحول التبايُنات من أسرة إلى أخرى، يقول أبو طربوش: هناك عوامل تؤدي إلى اختلاف الاتجاهات من أسرة لأخرى، تتمثل في المستوى الاجتماعي للوالدين ومستواهما التعليمي ووضعهما الاقتصادي، إضافة إلى دافعية الإنجاز والحافز".

أما عن الحالة الاجتماعية للأسرة، وإفراز فرد متطرف فيها، فيرى أبو طربوش أن "الوضع الاقتصادي السائد في المجتمع يؤثر في تنشئة أفراده، ويتحكم في العملية التربوية، فهناك آثار للحالة الاقتصادية للأسرة، كما أن نظام المنزل والترتيبات العائلية الداخلية تؤثر بطريق غير مباشر في النمو، وعليه، فإن مهمة الوالدين لا تنتهي عند مرحلة عمرية معينة، وإنما تستمر التنشئة والتربية في حلقات مستمرة، مراعيةً ظروف النمو والمراحل، التي يمر بها الفرد".

انعدام الثقة بالدولة

وتُبرز الدراسة صورة الفرد المهمَّش المُهمَل، طيلة حياته، منذ طفولته، والذي لا تتوفر له ظروف معيشية جيدة، أو مشاركة ذات مغزى في الحياة العامة؛ إذ يعدم هذا الشخص الثقة بالدولة في أن تقدم له الخدمات الحيوية الضرورية، أو أن تحترم حقوقه، وينجذب إلى التطرف عندما يشهد ما يعتبره إساءة لاستخدام السلطة من الدولة، أو يتعرض لذلك بشكل مباشر، ما يجعله يشعر بفقدان "شرعية الدولة"، مشيرةً إلى أن 40% ممن انضموا طواعية لتلك التنظيمات ذكروا أنهم لم يكونوا يرددون النشيد الوطني لبلدانهم في أثناء طفولتهم.

وفقًا لنتائج الدراسة، فإن 83% ممن تم تجنيدهم يؤمنون بأن الحكومة لا تهتم إلا بمصالح فئة قليلة، وأكثر من 75% لا يثقون بالسياسيين ولا بالجهاز الأمني للدولة، مشددةً على أن تدنِّي المستوى التعليمي، وضعف الدخل الشهري، وتردِّي الأوضاع الاجتماعية كانت كلها أسبابًا رئيسية في انضمام المبحوثين إلى تنظيمات إرهابية، خاصةً أن أكثر من نصف سكان العينة من دول تحت خط الفقر.

تشير الدراسة إلى أهمية قوة الدولة ومدى استقرارها، باعتبارها وثيقة الصلة بمدى انتشار التطرُّف من عدمه، إذ كلما ضعف استقرار دولةٍ ما زادت العمليات الإرهابية فيها، مع الوضع في الاعتبار أن تعدُّد النظم السياسية في تلك الدولة يجعل الظروف مواتيةً أكثر لانتشار التطرف.

التعليم العلماني والديني

كشفت الدراسة وجود علاقة طردية بين انخفاض المستوى التعليمي وإقبال الفرد على الانضمام لتنظيم متطرف عنيف؛ فعلى صعيد "التعليم العلماني"، أشارت النتائج إلى أن 16% ممن انضموا طواعية لمثل هذه التنظيمات تلقوا تعليمًا علمانيًّا لمدة بلغت عامين أو أقل، وأن 39% منهم تلقوا تعليمًا علمانيًّا لمدة تراوحت بين 3 إلى 10 سنوات، ولم يذكر أيٌّ منهم أنه تلقى تعليمًا علمانيًّا لمدة تفوق الـ15 عامًا.

وفيما يتعلق بالتعليم الديني، أشارت الدراسة إلى أنه على الرغم من أن نصف المشاركين في الدراسة اعترفوا بأن الدين هو سبب انضمامهم للجماعات المتطرفة، فإن 57% منهم أقروا بأن لديهم فهمًا قليلًا أو منعدمًا للنصوص الدينية، أو أنهم لا يقرأون تلك النصوص من الأساس.

في المقابل، تؤكد الدراسة أن الجماعات المتطرفة تستغل الدين لتبرير العنف المؤدلج. في حين تفيد بأن فهم المرء لدينه جيدًا يمكن أن يعزِّز صموده أمام محاولات جذبه للتطرف، وأنه بمجرد تلقي الشخص لـ6 سنوات من التعليم الديني يمكن أن تقل احتمالات انضمامه إلى جماعة متطرفة بنسبة 32%.

تتفق نجوى مفوز الفواز -أستاذ الإدارة التربوية والتخطيط المساعد بجامعة تبوك السعودية- مع ما ذهبت إليه الدراسة من أن ست سنوات من التعليم الديني يمكن أن تمثل حائط صد لمنع الشخص من الانجراف باتجاه الانضمام لتنظيمات إرهابية.

تضيف الفواز -في تصريحات لـ"للعلم"- أنه "يجب مراعاة أن يكون التعليم الديني معتمدًا على أصول الكتب الدينية، وقائمًا على الوسطية في منهاجه وسلوكه، ورعاية هوية الشباب في عصر تتصارع فيه المعرفة، وتتبادل فيه الثقافات والهُويات والخبرات".

الانعزالية والإحساس بالأنا

تشير الدراسة أيضًا إلى أن عامل التنشئة الاجتماعية له تأثير مهم في عملية التجنيد للتطرف؛ إذ لا يمكن أن تقع العمليات الإرهابية بين عشية وضحاها، وأظهرت الدراسة أن أكثر من 71% ممن تم تجنيدهم يندفعون للتجنيد الفوري عقب قتل أحد أفراد العائلة أو صديق لهم، إضافة للتأكيد على أن الصديق أو القريب له دور كبير في عملية التجنيد، إذ ذكر 50% من المبحوثين الذين انضموا طواعيةً لتلك التنظيمات أنهم تم تقديمهم إلى التنظيم عن طريق "صديق"، كما أفاد 3% أنهم تم تعريفهم إلى التنظيم من خلال "صديق على الإنترنت".

تقول الفواز: "إن بعض الكتابات والمراجع تُسهِم في توجيه الفكر نحو التطرف، وذلك من خلال توليد المشاعر العدائية، ومعارضة الثقافة السائدة، إضافة إلى جوانب وعوامل أخرى مهمة، مثل الذاتية وميول الفرد نحو الأفكار المتطرفة والانعزالية والإحساس بالأنا، ورؤية الآخر بمنظور مختلف، والإحساس بأن المجتمع يخالف ما يراه المرء صحيحًا، فضلاً عن إسهام المجتمع المغلق في خلق بيئة للتطرف، عبر رفض الحوار الفكري البناء، وعدم محاولة طرح مشكلات الشباب والمجتمع بطريقة خلَّاقة، وعدم القدرة على معالجة الفكر المعارض بطريقة تتميز بالأصالة والإبداع".

وفيما يتعلق بحق "أصحاب الديانات الأخرى" في الحصول على المعاملة بالمثل، كان هناك تباين كبير بين النساء والرجال الذين شملتهم الدراسة، إذ أيَّد 44% فقط من الذكور هذا الحق مقابل 73% من النساء والفتيات، ما يكشف تنامي شعور الفتيات بحق الآخر في التعايش والمعاملة بالمثل مقارنة بالذكور.

كبار السن وتمرد الشباب

تشير الدراسة إلى أنه من الصعب تجنيد التنظيمات الإرهابية لكبار السن، مؤكدةً أن "53% من المبحوثين تراوحت أعمارهم بين 17 و26 عامًا عند انضمامهم إلى تنظيمات متطرفة عنيفة، وذلك مقابل نسبة بلغت أقل من 3% لمَن تخطوا الـ36 من أعمارهم".

من جهته، يرى الدكتور سعيد صادق -أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- أن الشباب من سن 14 إلى 22 عامًا هم الأكثر احتمالًا للسقوط فريسةً للجماعات المتطرفة.

يقول صادق لـ"للعلم": "إن التنظيمات الإرهابية تستغل فترة مراهقة مَن تحاول تجنيدهم وبداية نضوجهم وتمردهم على واقعهم لتبث فيهم روح التمرد والقتال وإثبات الذات، وذلك عن طريق برامجهم التي ينشرونها عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

ويكشف صادق النقاب عن استراتيجية الجماعات المتطرفة، التي ترتكز على انتقاد الوضع الراهن للمجتمعات، ووضع الحلول التي تجذب فئة الشباب إليها، عبر دعوات الإصلاح والانتفاضة للتخلص من عباءة المجتمع الظالم.

وعن الدوافع الاجتماعية والعاطفية التي تدفع الشباب إلى التطرف، يشير صادق إلى أن من ضمنها التهميش الاجتماعي من قبل الحكومات لأفرادها، وعدم تلبية احتياجاتهم الاجتماعية، موضحًا أن عدم وجود خطة مجتمعية شاملة قائمة على تنمية بشرية حقيقية، تجعل الشباب ينساقون إلى الجماعات المتطرفة، والتي يجدون لديها البديل عن رفض مجتمعهم لهم؛ إذ تجيد التنظيمات الإرهابية اللعب على وتر حلم الشباب بالمدينة الفاضلة، وإقناع هؤلاء الشباب بأن لدى التنظيمات الوسائل التي يحقق فيها حلمه بالعيش في تلك المدينة، وبمجرد أن يصطدم هؤلاء الشباب بالواقع المرير، تكون ردة فعلهم المباشرة الانضمام للجماعات المتطرفة؛ عقابًا للمجتمع، ولكي يثبت لذاته أنه موجود وليس نكرة.

حوائط صد التطرف

بيَّنت الدراسة أنه يمكن لمنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وأهل الثقة أن يمثلوا حوائط صد أمام انتشار هذا التطرف، خاصةً لو كان هناك تأثير فعلي لتلك المنظمات في دولة ما، أو لشخصيات مؤثرة في هذا المجتمع.

تشير الدراسة إلى أهمية ثقة المواطنين برجال الدين وزعماء القبائل المحلية، خاصة أن 78% من المبحوثين يشعرون بعدم الثقة بمؤسسات الدولة والسياسيين "أو ضعفها"، مع الالتزام الأوسع ببناء عقد اجتماعي شامل بين الحكومة والمواطنين، بالإضافة إلى التواصل الأسري وتوفير خدمات رعاية الطفل؛ إذ اشتكى 83% من المبحوثين من سوء حكومات بلدانهم. ويجب ضمان إتاحة التعليم للجميع، خاصةً في المناطق النائية، أو المعرضة للخطر؛ إذ أفاد 33% من المبحوثين أنهم تلقوا تعليمًا علمانيًّا لمدة لا تتعدى أربع سنوات، مع الاعتراف بأن معيشة الفرد بين ديانات وجماعات أخرى يقلل من فرص الانضمام للجماعات المتطرفة.

تشدد الدراسة على أهمية دور رجال الدين في المسجد والكنيسة معًا، في محو الصورة الذهنية المرتبطة بارتباط الإرهاب بالدين، بالتوازي مع نشر التسامح الديني والتماسك بين الأديان، ومنح رجال الدين أدوارًا حقيقية داخل المجتمع، وتطوير المناهج التعليمية بما يتماشى مع محو الأفكار الهدامة، لتعزيز فهم الدين بشكل أكبر، وإعطاء "روشتة" للفرد في مواجهة المتطرف.

علاقة الثقافة بالتطرف

تؤكد دراسة أمريكية معَنْونة بـ"الثقافة والتطرف"، أن القيم الثقافية الصارمة والعادات والتقاليد البالية في مجتمعٍ ما تزيد من عوامل التطرف فيه، بمعنى أن عدم المساواة بين الجنسين وزيادة القمع وسوء استغلال السلطة والإرهاب وعدم استقرار هذا المجتمع سياسيًّا، يزيد احتمالات الانضمام لتنظيمات متطرفة عنيفة.

في وقت ترى فيه دراسة أمريكية أخرى أن مكافحة الإرهاب عبر استخدام وسيلة "القتل الانتقائي"، كما جرى لقيادات الحركات "الجهادية" من قِبَل الإدارة الأمريكية لم تؤت ثمارها، ونتائجها تزيد من حالات التطرف في المستقبل، وربما تأتي بنتائج عكسية، كما جرى مع حالات القتل الانتقائي لعناصر تابعة لمنظمة الجيش الجمهوري في أيرلندا الشمالية.

وبالعودة إلى دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد كان للبطالة دور مؤثر في الانضمام إلى تنظيم متطرف عنيف، إذ أكَّد 42% ممن انضموا طواعيةً لتلك التنظيمات أنهم دون عمل، كما أكد 42% منهم أنهم حصلوا على أموال مقابل الانضمام للتنظيم.

من جانبه، يؤكد طه عقلة الخرشة -رئيس وحدة القياس والتقويم بجامعة تبوك السعودية- في تصريحات لـ"للعلم" أن "التعليم الجيد والترابط الأسري من الأمور المهمة والأساسية التي تُبنى عليها التربية النفسية للأطفال، وكذلك إعداد جيل واعٍ ومحصن ضد الأفكار المتطرفة، بمعنى أن مراعاة الآباء لأبنائهم في جميع مراحلهم العمرية، وتعرُّف توجهاتهم وطموحاتهم واحتياجاتهم، وإبعادهم كليًّا عن الخلافات الأسرية، يؤدي في النهاية إلى إنتاج جيل يمتاز بالصحة النفسية والوعي المبني على التعليم، ما ينعكس على المجتمع بشكل إيجابي".