أكد باحثون طبيون المزاعم التي ظل بعض الآباء والأمهات اليائسين يرددونها لسنوات، بأن أحد مكونات الماريجوانا، الذي ليس له تأثير نفسي، ويسمى كانابيديول (CBD)، يمكنه الحد من نوبات الصرع في بعض الأطفال. تأتي هذه النتائج، التي نُشِرَت في دورية "ذا نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن" The New England Journal of Medicine، من دراسة مزدوجة التعمية ومراقبة بعلاج وهمي –وهو أكثر أنواع الدراسات العلمية دقة. يقول الباحث الرئيسي أورين ديفينسكي -مدير مركز الصرع الشامل بمركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك-: "تؤكد هذه الدراسة بشكل واضح أن المُركَّب كانابيديول هو دواء فعَّال لعلاج نوبات الصرع في هذا الاضطراب وفي هذه الفئة العمرية. وهو يستحق بالطبع أن تُدرَس إمكانية استخدامه مع أنواع أخرى من الصرع".

شارك في الدراسة 120 طفلًا ومراهقًا مصابين بمتلازمة درافيت، وهو اضطراب نادر يتميز بنوبات مقاومة للأدوية، قد تكون شبه مستمرة في بعض الحالات. تم تقسيم الأطفال إلى مجموعتين: مجموعة تجريبية تلقت الدواء التجريبي، ومجموعة تلقت دواءً وهميًّا ليس له مفعول طبي. على مدار 14 أسبوعًا، مرَّ المشاركون الأصغر سنًّا، الذين تلقوا الكانابيديول، بمتوسط عدد 5.9 نوبات تشنج في الشهر (انخفاضًا من 12.4)، بالمقارنة مع 14.1 نوبة في الشهر للمجموعة التي تناولت الدواء الوهمي (انخفاضًا من 14.9). تتسق النتائج الجديدة مع دراسات سابقة أقل صرامةً أُجريت على العقار نفسه تحت اسم "إيبيديولكس" من إنتاج شركة "جي دبليو فارماسيوتيكالز" الواقعة في المملكة المتحدة (والتي مولت هذه الدراسة الجديدة أيضًا).

وكما تشير الدراسة الحالية، فإن "الاهتمام باستخدام الكانابيديول في علاج الصرع نشأ عن تقارير إعلامية تتحدث عن فاعليته في الأطفال الذين يعانون من متلازمة درافيت". كانت الطفلة شارلوت فيجي من كولورادو –البالغ عمرها الآن 10 سنوات- هي بطلة العديد من هذه التقارير، إذ كانت تعاني مئات النوبات في الشهر وهي في الثالثة من عمرها، حين قرر والداها علاجها باستخدام الكانابيديول. وعلى عكس مركب الماريجوانا الأكثر شهرة، رباعي الهيدروكانابيديول (THC)، فإن الكانابيديول لا يُحدِث شعورًا بالنشوة. شرَّعت تسع وعشرون ولاية، إضافة إلى مقاطعة كولومبيا، استخدام الماريجوانا للأغراض الطبية، وتختلف الحالات المسموح لها باستخدامها من ولاية إلى أخرى. ويُذكر أن هناك ست عشرة ولاية لديها قوانين تبيح استخدام الكانابيديول بالتحديد لعلاج النوبات.

عالج والدا الطفلة شارلوت ابنتهما بزيت مُعَد خصيصًا، يحتوي على الكانابيديول، ويُعرَف الآن باسم "شبكة شارلوت" Charlotte’s Web، وهو مستخلص من بذور "الهِمب" -أحد أنواع نبات القنب الذي يحتوي على رباعي الهيدروكانابيديول بنسبة تقل عن 0.3% بالوزن. وقد سجلا تحسنًا كبيرًا في حالة الطفلة. ومع انتشار الخبر، بدأت عائلات أكثر تجرب الكانابيديول، فتزايدت القصص المتداولَة للتجارب الإيجابية. يقول ديفينسكي: "هذا بالتأكيد أحد الدوافع لإجراء هذا البحث". كما يشير إلى وجود العديد من بيانات النماذج الحيوانية، إلى جانب روايات تعود لأواخر الثمانينيات حول استخدام الهِمب الهندي –وهو نوع آخر من القنب- في علاج الصرع، ذلك إلى جانب وجود ذكر لهذا النهج العلاجي في ألواح سومرية تعود إلى 3800 عام. ويضيف قائلًا: "أشعل الآباء جذوة الأمر من جديد، لكن الأدلة المروية تلك كانت موجودة منذ آلاف السنين".

تنطبق على جميع المرضى المشاركين في الدراسة الجديدة المواصفات المطلوبة، المتمثلة في كونهم مصابين بصرع حاد مقاوم للأدوية، وأنهم كانوا يتناولون أدوية أخرى للنوبات. وفي حين انخفض متوسط عدد نوبات التشنج بشكل ملحوظ إحصائيًّا وإكلينيكيًّا بنسبة 39% في المجموعة التي تلقت العلاج، فإن ثلاثة فقط من بين 52 مريضًا تلقوا الكانابيديول شُفوا بشكل تام من النوبات. وذكر 93% من هؤلاء المرضى حدوث آثار جانبية مزعجة، منها الشعور بالنعاس (أكثر الأعراض شيوعًا)، والقيء، والتعب، وانخفاض الشهية، والإسهال، وارتفاع مستويات إنزيمات الكبد. وانسحب ثمانية من المرضى الذين تلقوا الكانابيديول من المشاركة في الدراسة بسبب الأعراض الجانبية الأكثر حدة. ويشير مؤلفو الدراسة إلى أن بعضًا من تلك الآثار الجانبية ربما نتج عن تفاعلات مع أدوية صرع أخرى. إضافة إلى ذلك، لم يكن ثمة انخفاض ملحوظ في النوبات غير التشنجية، وهي نوبات تحديق قصيرة، يكون المريض فيها غير واعٍ بالبيئة المحيطة به لعدة ثوانٍ. وتشير الدراسة إلى أن ذلك قد يكون ناتجًا عن أن الكانابيديول يؤثر فقط على نوبات التشنج، أو لأن النوبات غير التشنجية "لا يستطيع الآباء عد معدل تكرارها في الأطفال الذين يعانون تأخرًا في النمو".

ومع ذلك، قال 62% من مقدمي الرعاية للمرضى بمجموعة الكانابيديول إن الحالة الصحية الإجمالية لأطفالهم تحسنت في أثناء التجربة، مقابل 34% في مجموعة الدواء الوهمي. وبعد انتهاء التجربة، مُنِحَ القائمون على رعاية الأطفال المشاركين في كلتا المجموعتين خيار الاستمرار في العلاج بالكانابيديول، فيما يسمى الامتداد غير المـُعمَّى للدراسة. وقد قَبِلت أكثر من مئة عائلة من المجموعتين العرض الذي قدمه الباحثون.

يدرك سام ريجيو -مدير العمليات بمجموعة "ريلم أوف كيرينج" Realm of Caring المعنية بأبحاث القنب ودراسته والدفاع عن استخداماته- كيف أنه حتى العلاجات ذات الفوائد المحدودة يمكن أن يكون لها تأثير كبير على مرضى متلازمة درافيت. انتقل ريجيو وزوجته تارا من ولاية إلينوي إلى كولورادو في عام 2013، عندما سمعا عن الكانابيديول في مجموعة على موقع "فيسبوك" لمتلازمة درافيت. (في ذلك الوقت، لم تكن عملية إمداد الولايات المتحدة بالقنب منتظمة، وحظي علاج "شبكة شارلوت" بسمعة جيدة كعلاج آمن وفعال للأطفال، إلا أنه كان متاحًا فقط لسكان كولورادو). كانت ابنتهما فرانشيسكا، التي ستُتم السابعة من عمرها الشهر القادم، تعاني نوبات تستغرق أكثر من 15 دقيقة، وفي بعض الأحيان كانت تستمر لمدة 70 دقيقة. أصيبت الطفلة بأولى نوباتها عندما كان عمرها ستة أشهر، ومع بلوغها ثمانية عشر شهرًا عانت تفاعلات خطيرة بسبب دواء لعلاج للصرع، خلَّفت لديها إعاقات إدراكية شديدة. ثم بدأ والداها علاجها بالكانابيديول. يقول ريجيو: "لم يكن العلاج حلًّا سحريًّا لها كما كان لشارلوت وبعض الأطفال الآخرين، إلا أنه كان كافيًا لتتوقف عن تلقي الأدوية الثلاثة التي كانت تتناولها". وفي الأعوام التالية لذلك، مع بقاء فرانشيسكا غير قادرة على الكلام وبمستوى إدراك طفل يبلغ 18 شهرًا، معظم نوباتها الآن لا تزيد على دقيقتين وتنتهي من تلقاء نفسها. ولم يضطر والداها إلى الاتصال برقم الطوارئ، أو الذهاب بها إلى قسم الطوارئ بالمستشفيات. يقول ريجيو -الذي يعزو هذه التغيرات إلى الكانابيديول-: "يُعَدُّ هذا تحسنًا هائلًا في جودة حياتها".

ويتطلع ديفينسكي إلى أن تُقنِع هذه النتائج الأخيرة إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية بأن تُعدِّل تصنيفها للماريجوانا كإحدى مواد الجدول رقم 1، بموجب قانون المواد الخاضعة للرقابة، الذي يَعوق البحوث الطبية والعلاج. (تعتبر إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية أن المواد المدرجة بالجدول رقم 1 كالهيروين "ليس لها استخدام طبي مقبول حاليًّا"). يقول ديفينسكي: "إن وضع الكانابيديول ضمن مواد الجدول رقم 1 ينتهك البيانات العلمية ويخالف المنطق". كما يشير إلى أن بعض المواد الأفيونية التي تتسبب في مقتل آلاف الأمريكيين سنويًّا، هي ضمن المواد المدرجة بالجدول رقم 3، الذي يحوي فئة أقل تقييدًا. ويقول: "إن القنب مُصَرَّح باستخدامه في عشرين دولة لعلاج التقلصات المصاحبة لمرض التصلب المتعدد، لذا فإن الزعم بعدم وجود أدلة على فاعليته هو ببساطة زعم غير صحيح. فقد نُشرت تلك الدراسات قبل عقد من الزمن، في حين صدرت هذه الدراسة اليوم. لذا يتعين عليهم إزالة هذا الدواء من الجدول، فهذا ليس عدلًا للمجتمعات البحثية والطبية، وللمرضى. هذا فكر قديم".

وتعتزم شركة "جي دابليو فارماسيوتيكالز" أن تمضي قدمًا للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على عقار "إيبيديولكس"، خلال الأشهر القليلة القادمة، كعلاج لمتلازمة درافيت، ومتلازمة لينوكس جاستو؛ وهو اضطراب آخر يتسبب في حدوث نوبات. ولا أحد يعرف حتى الآن كيف يحد الكانابيديول من النوبات في متلازمة درافيت، إلا أن ديفينسكي يرى أن التفسير الأرجح هو أن الكانابيديول يرتبط بمستقبِل بالخلايا العصبية يسمى GPR55، فيؤدي إلى تعديل نشاط الكالسيوم واستثارية الخلايا. كما يضيف أن الكانابيديول له تأثيرات أخرى عديدة على الخلايا العصبية، وأنه لا يزال أمامنا الكثير لاكتشافه في هذا الشأن.

ويرى ريجيو أن إجراء تجربة إكلينيكية معيارية، مزدوجة التعمية، ومراقبة بعلاج وهمي، سيكون كافيًا في الوقت الحالي. يقول: "إنها تجربة مثيرة، إذ تطرح خيارًا جديدًا أمام مَن يشعرون بأنه لم يعد لديهم أية خيارات، كما أنها تؤكد ما تواتر إلينا من روايات. وكلما دعمنا هذه الروايات بمزيد من البيانات، ازددنا ثقةً في استخدام الدواء في وقت أقرب، وتجنبنا الكثير من الآثار الجانبية التي كان على ابنتي تحمُّلُها".