تعرضت شعاب "الحاجز المرجاني العظيم" لعملية موت كارثية في أعقاب موجة شديدة من موجات الحر البحرية الممتدة منذ عام 2016، أدت إلى تغيُّر في الأداء البيئي ecological functioning لما يقرب من ثلثها، وفق دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين بعدد من الجامعات الأسترالية والأمريكية.

ويوضح الباحثون حدوث تغيُّرات جذرية في التركيب والخصائص الوظيفية لتجمعات تضم مئات الشعاب المرجانية، حيث تحولت التجمعات الناضجة والمتنوعة إلى أنظمة بيئية أكثر تدهورًا.

يقول "تيري هيوز"، الباحث الرئيسي في الدراسة، والأستاذ بالمركز الأسترالي لدراسات الشعاب المرجانية بجامعة جيمس كوك الأسترالية، في تصريحات لـ"للعلم": "رصدت دراستنا أن واحدًا من كل ثلاثة من الشعاب المرجانية في الحاجز المرجاني العظيم، قد مات بعد الابيضاض في صيف عام 2016".

ويضيف هيوز أنه في الصيف التالي، مات قرابة 20٪ أخرى منها، ليصل إجمالي الخسارة إلى ما يقرب من النصف.

"يستغرق الأمر 10 سنوات على الأقل لتتعافى بعض الشعاب المرجانية، ومدةً أطول من ذلك لاستبدال الشعاب المرجانية التي عمرها بين 50 عامًا و100 عام والتي ماتت بالفعل"، وفق هيوز، الذي يتوقع أن يستمر هذا التغيُّر مع تزايد حدة الاحترار العالمي.

ويوضح أن بعض أنواع الشعاب المرجانية تتعرض للموت أسرع كثيرًا من البعض الآخر، مما قلل الموائل المرجانية للأسماك والأنواع الأخرى التي تعتمد على الشعاب المرجانية في الغذاء والمأوى.

وتشدد نتائج الدراسة التي نُشرت اليوم الأربعاء، بدورية "نيتشر" العلمية، على أهمية إجراء تقييم لمخاطر انهيار النظام البيئي للشعاب المرجانية بالحاجز، في حال فشل الإجراءات الدولية بشأن تغيُّر المناخ في الحد من ارتفاع درجات الحرارة بمقدار درجتين أو 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل النهضة الصناعية.

ويمتد الحاجز المرجاني العظيم لقرابة 2300 كيلومتر بمحاذاة الساحل الشرقي لقارة أستراليا، ويُعَد أضخم نظام بيئي حي على مستوى العالم؛ إذ يحوي 3,863 من الشعاب المرجانية التي تُعَد أحد أهم المزارات السياحية في أستراليا، وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) قد أعلنته على قائمة مواقع التراث الطبيعي العالمي عام 1981.

إجهاد حراري

وكانت دراسة أخرى نُشرت في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" الأسبوع الماضي، قد كشفت عن أن المحيطات شهدت موجات ارتفاع شديد في درجات الحرارة خلال القرن الحالي، وسجلت موجات حرارة البحار والمحيطات بين عامي 1925 إلى 2016 ارتفاعًا بمعدل 34٪، وزيادةً في مدتها بنسبة 17٪، مع تسارُع جرى تسجيله منذ عام 1986.

أعد باحثو الدراسة الأخيرة خرائط لتوضيح أنماط تعرض الحاجز للحرارة، مبينة عليها معدلات موت الشعاب المرجانية في أعقاب موجة الحرارة البحرية الشديدة في عام 2016.

ووفق الدراسة فإن الخرائط أظهرت أنه رغم موت العديد من الشعاب المرجانية فورًا عقب إصابتها بالإجهاد الحراري، إلا أن أعدادًا أكبر منها ماتت ببطء أكبر بعد نفاد الطحالب التى يعيش معظمها في ثنايا أنسجة الشعاب وتسمى بالطحالب التكافلية؛ بسبب وجود علاقة متجانسة بينها وبين الشعاب المرجانية. فالطحالب تنتج السكر الذي يغذي الشعاب، والشعاب تفرز النيتروجين والفسفور لتغذية الطحالب.

ابيضاض المرجان

في عام ٢٠١٧، تعرضت الشعاب المرجانية بالحاجز المرجاني للابيضاض بشدة، ما تسبب في مزيد من الأضرار على نطاق واسع.

وتربط الدراسة موت المرجان بدرجة الابيضاض ومستوى التعرُّض للحرارة اللذَين أثَّرا على ثلث عدد الشعاب بالحاجز؛ إذ يفقد نسيج المرجان لونه الطبيعي ويتحول إلى الشفافية ويبدو لونه ناصع البياض.

 

وتستبعد الدراسة حدوث انتعاش كامل للتجمعات التي ما زالت في مرحلة ما قبل عملية الابيضاض؛ لأن العديد من تجمعات المرجان المتبقية ما زالت تموت ببطء، ومن المتوقع أن يستغرق الاستبدال بالشعاب المرجانية الميتة قرابة عشرة أعوام على الأقل، حتى بالنسبة للأنواع سريعة النمو.

 كما ترجح الدراسة أن تستمر الشعاب المرجانية في جميع أنحاء المناطق المدارية في الانحسار إلى أن يستقر تغيّر المناخ، بما يسمح للمجموعات المرجانية المتبقية بالتكيف؛ لتصبح أكثر تحملًا للحرارة.

في حين كشفت دراسة سابقة، أعدها فريق من علماء البحار من معهد جورجيا للتكنولوجيا وجامعة فيكتوريا الأسترالية، أن ظاهرة "إل نينو" El Niño’s أثرت سلبيًّا هي الأخرى على الشعاب المرجانية في المحيط الهادئ.

 

كشفت الدراسة أن بين 50 إلى 90% من الشعاب المرجانية، قرب جزيرة كريسماس (أكبر جزيرة مرجانية في العالم، وتقع على بعد 150 ميلًا إلى الشمال من خط الاستواءمبيضة، و30% منها ماتت بالفعل بعد تعرُّضها للمياه الدافئة بفعل إل نينو. ووصفت الدراسة الشعاب المرجانية في جزيرة الكريسماس بأنها أصبحت تشبه مدن الأشباح.

وإل نينو ظاهرة مناخية تحدث خلال فترات تتراوح بين 4 أعوام و12 عامًا في المحيط الهادي، وتؤدي إلى دفء مياهه، وهو ما قد يتمخض عنه موجات جفاف وحر لافح في آسيا وشرق أفريقيا، وهطول أمطار غزيرة وفيضانات في أمريكا الجنوبية.

حماية المرجان

يقول هيوز إن الحاجز المرجاني له أهمية كبيرة في الاقتصاد الأسترالي؛ إذ يسهم في صناعة السياحة التي توظف 65000 شخص.

ويوضح في تصريحاته لـ"للعلم" أن الطريقة الوحيدة لحماية الحاجز المرجاني من تأثيرات الاحترار العالمي هي الحد من انبعاثات غازات الدفيئة فورًا، وتحقيق هدف اتفاقية باريس بتقليص درجة الحرارة بمقدار درجتين أو ١.٥ درجة مئوية.

أما في حالة عدم تحقيق هذا الهدف "فستتسبب انبعاثات غازات الدفيئة في تدمير الشعاب المرجانية في العالم. لكن لدينا فرصة محددوة لمنع ذلك من الحدوث، إذا تمكنَّا من السيطرة السريعة على تغيُّر المناخ"، وفق هيوز.

وفي تعليق على الدراسة يقول "بورجا ريجويرو"، الأستاذ المساعد المتخصص في دراسات بيئة البحار والمحيطات بجامعة كاليفورنيا سانتا كروز الأمريكية، لـ"للعلم": "إن النتائج مرضية جدًّا فيما يتعلق برصد التغيرات في بيئة الشعاب المرجانية مدعمة بالبيانات والأشكال التوضيحية، إضافةً إلى استخدام منهجية التحليل متعدد الأبعاد "غير المتري"، وهي طريقة "قوية في التحليل"، وفق "ريجويرو".

وفي تصريح سابق لـ"للعلم"، اقترح "جويري روجيلج"، الأستاذ بمعهد دراسات المناخ والغلاف الجوي بجامعة زيورخ السويسرية، خفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون عبر إحلال بدائل أنظف -مثل الطاقة المتجددة- محل البنية التحتية التي تسبب الانبعاثات، مثل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، أو الجمع بينهما وفق ما يسمى بتكنولوجيات الانبعاثات السلبية.