أدت الرياضيات دورًا حيويًّا عبر تاريخها، وكذلك هو الحال في عالمنا اليوم. الجميع يستخدم الرياضيات في حياته اليومية، وفي معظم الأحيان دون أن يدرك ذلك. من دون الرياضيات، سيفتقد العالم مكونًا رئيسيًّا في تركيبته، فهي جزء أصيل فيه، ولغة ضرورية للتعبير عنه.

لقد تقبل العالم وجهة نظر الفيزيائي والفلكي الإيطالي جاليليو جاليلي، القائلة بأن الرياضيات هي لغة العِلم، فمعادلاتها المجردة هي أدواتنا الأكثر فاعليةً لتفسير نتائج الأبحاث التجريبية، ولطالما نجحت أيضًا في التنبؤ بالظواهر والنظريات العلمية الجديدة. لذلك فإن أقل ما يُقال عن قوة الرياضيات إنها “لغة مدهشة”.

قليل جدًّا من اللغات لديه مثل هذه القدرة على صياغة محتوى علمي يمكنه أن يملأ عدة مجلدات بهذا الإيجاز وتلك الدقة. خذ على سبيل المثال، المعادلات الشهيرة لعالِم الفيزياء الإسكتلندي جيمس كلارك ماكسويل، والتي لم تقتصر على التعبير عن كل ما كان معروفًا عن الكهرومغناطيسية في ستينيات القرن التاسع عشر في أربع معادلات فقط، بل وتوقعت أيضًا وجود موجات الراديو قبل أن يكتشفها عالِم الفيزياء الألماني هاينريش هيرتز بعقدين.

لقد تمعن ألبرت آينشتين في الأمر مليًّا، متسائلًا: "كيف يمكن أن تتفق الرياضيات التي هي نتاج للفكر البشري ومستقلة عن التجربة، بهذا الشكل الممتاز للغاية مع واقعنا المادي؟".

"إنها الفاعلية غير المعقولة للرياضيات"، كما نقل ماريو ليفيو، عالِم الفيزياء الفلكية النظرية في معهد علوم تلسكوب الفضاء في بالتيمور، في مقاله المنشور على موقع "للعلم"، عن عالِم الفيزياء الحائز جائزة نوبل يوجين فيجنر في عام 1960. يحاول "ليفيو" في مقاله الإجابة عن تساؤل جرى طرحه على مدار قرون من قِبَل علماء الرياضيات، والفيزياء، والفلاسفة والعلماء الإدراكيين: هل الرياضيات مجموعة مُخترَعة من الأدوات؟ أم أنها موجودة في عالمٍ مجرَّد ما، يعمل البشر على اكتشاف حقائقه فحسب؟.. طالع المقال كاملًا على هذا الرابط

قليل جدًّا من اللغات لديها مثل هذه القدرة على صياغة محتوى علمي يمكنه أن يملأ عدة مجلدات بهذا الإيجاز وتلك الدقة.Credit: Getty Images/Image Source

لغة الجمال الفاتنة

يمثل "الجمال" مفهومًا مراوغًا بالنسبة للعلماء بسبب طبيعته الذاتية والشخصية. ودائمًا ما يجري ربطه بما يمكن لحواسنا تذوُّقه وحسه كالموسيقى والأدب. ولكن يبدو أن للعلم رأيًا آخر، فعلى الرغم من الطبيعة المجردة للرياضيات إلا أن فريقًا من العلماء أكدوا- من خلال نتائج دراسة علمية لهم- أن هناك نوعًا آخر من الجمال وصفوه بالجمال الرياضي، يرتبط بوجود نشاط في المنطقة نفسها من الدماغ التي تنشط مع رؤية الجمال من المصادر الحسية.

 يشير مؤلف الدراسة سمير زكي -وهو عالِم أعصاب في كلية لندن الجامعية- إلى أنه من خلال دراسة مفهوم الجمال ربما يتطرق علماء الرياضيات إلى علاقة عميقة بين الدماغ البشري والعالم الطبيعي. ويطرح "زكي" افتراضًا قائلًا: "نظرًا إلى أننا تطورنا في هذا الكون، فإن تجربة الجمال قد تكون مؤشرًا إلى حقيقة عن هذا الكون". ويضيف أن الكثير من علماء الرياضيات يسعون وراء الجمال شأنهم شأن أي ملحن أو رسام. ويشدد "زكي" على أن هذا النهج أدى في بعض الأحيان إلى رؤى مذهلة، ويضيف: "إن حصر الجمال في دراسة الفن واستبعاده من العلوم لم يعد حجةً راسخةً يمكن الدفاع عنها".. طالع المقال كاملًا على هذا الرابط

أجمل معادلات الرياضيات

إن قدرة معادلات الرياضيات على تمثيل الحقائق الأساسية أو تمثيل التعقيد الموجود في الكون أو الطبيعة في صورة موجزة "أمر رائع حقًّا". ولعله أحد أسباب الشغف الكبير الذي تتميز به شخصية عالِم الرياضيات أو الفيزياء، فما يستشعره من جمال قد لا يراه غيره من عامة الناس، إلى أن تحين لحظة إماطة اللثام عن العلم الكامن وراء هذا الجمال. وهنا فقط ينجذب علماء الرياضيات وغيرهم على حدٍّ سواء إلى الشكل الجمالي المحض لهذه التعبيرات التي تندمج رموزها الرشيقة والغامضة أحيانًا بطريقة جذابة بصريًّا لتعبر عن معنًى ما في هذا الكون أو صورة كانت تبدو غامضة وغير مفهومة في الطبيعة، فحتى عندما لا نستطيع فهم ما تقوله المعادلات، من الممكن أن نتأثر بها بمجرد معرفتنا بأن لها معانيَ تفوق إدراكنا.

خذ على سبيل المثال النظرية العلمية الأكثر شهرةً، نظرية النسبية التي نجحت في أن تعيد وصف الكون، بعد قرابة 300 عام من سيادة مفاهيم فيزياء العالم البريطاني الشهير إسحاق نيوتن عليه، بل وتمكن صاحبها آلبرت آينشتين من وضع حلول وتفسيرات للعديد من الظواهر الكونية التي عجزت فيزياء "نيوتن" عن حلها، ليبرز للعالم ما في هذه النظرية من جمال وإبداع يفوق الخيال.

في هذا الإطار، طُلب من مجموعة من أبرز علماء الرياضيات وعلماء الفيزياء اختيار "أجمل التعبيرات الرياضية" التي يعرفونها؛ من أجل عرضها في صورة لوحات مطبوعة لبيان مواطن الجمال فيها. بعض المشاركين اختاروا معادلات اكتشفوها بأنفسهم، بينما اختار آخرون معادلات كلاسيكية طالما كانت مصدر إلهام بالنسبة لهم. بعض المعادلات مرتبط بالقوانين الفيزيائية، في حين أن البعض الآخر معادلات مجردة بحتة. ويتناول المقال المشار إليه في الأسفل خمسًا منها فقط. كلارا موسكوفيتز -كبير محررين في مجلة ساينتفك أمريكان- تستعرض نتائج هذا الاختيار في مقال لها تستطيع الاطلاع على نتائجه على هذا الرابط في موقع مجلة "للعلم". ولكن ماذا عن دماغ عالِم الرياضيات؟ وهل تختلف عن أدمغة البشر العاديين؟

دماغ عالِم الرياضيات

تعتمد عملية ابتكار المفاهيم الرياضية رفيعة المستوى على الشبكات العصبية ذاتها التي تُبنى عليها المهارات الرياضية البسيطة التي يمتلكها الطفل عند ولادته. آلان تورنج، وألبرت آينشتين، وستيفن هاوكينج، وجون ناش- أسماء لأشخاص ذوي "عقول رائعة" افتتن بها عامة الناس. ولكن كيف يتمكن بعض الناس من التحول من أداء العمليات الحسابية البسيطة إلى استيعاب المفاهيم الرياضية المتقدمة، والتفكير في مستويات من التجريد تندهش لها العقول؟

جوردانا سيبالفيتش، كاتبة علمية مقيمة بمدينة نيويورك الأمريكية، حاولت الإجابة عن هذه التساؤلات عبر مقالها المترجم إلى العربية على مجلة "للعلم"، من خلال استعراض نتائج دراسة علمية نُشرت على دورية بروسيدنجز التابعة للأكاديمية الأمريكية للعلوم. تُظهر نتائج الدراسة أن مناطق الدماغ ذات الصلة بالرياضيات تختلف عن تلك المعنية بالتفكير غير الرياضي الذي لا يقل تعقيدًا بدوره.

ولَحَظَ الباحثون أنه عند الاستماع إلى أجوبة المختصين بالرياضيات دون غيرهم، تتسبب البيانات ذات الصلة بالرياضيات في تنشيط مناطق من الدماغ نجدها في ثنائي الفص الجداري، والجبهية الظهرية، والصدغية السفلية. تقول طالبة الدراسات العليا والباحثة المشاركة في الدراسة، ماري أمالريك: "على العكس من ذلك، تُظهر نتائجنا أن التفكير الرياضي المتقدم يعيد تفعيل مناطق الدماغ المرتبطة بمعارف قديمة تتعلق بالعدد والمكان نشأت مع تكوُّن الإنسان".

وتبيّن من خلال أبحاث سابقة أن هذه المناطق غير اللغوية تنشط عند إجراء عمليات حسابية بسيطة، بل وحتى عند مشاهدة أرقام على الصفحات، مما يشير إلى احتمال وجود صلة بين التفكير الرياضي المتقدم والتفكير الرياضي الأساسي (البسيط). بل إن المؤلف المشارك في وضع الدراسة، ستانيسلاس ديهاين -مدير وحدة تصوير الأعصاب المعرفي، والمختص في علم النفس التجريبي- قد درس كيف أن الإنسان -وحتى بعض أنواع الحيوانات- يُولَد بحدس فطري تجاه الأرقام، وحس كمي وحسابي وثيق الصلة بالتجسيد المكاني. ومع ذلك، تظل مجهولةً تلك الكيفية التي تنشأ بها الصلة الفطرية بين "الإحساس بالعدد" والرياضيات رفيعة المستوى.

لعل هذه المقالات الأربع قد نجحت في بيان أهمية علم الرياضيات باعتباره علمًا أساسيًّا تنبني عليه العديد من العلوم التطبيقية الأخرى، وأنه وجه آخر "مدهش وعجيب" من أوجه الجمال التي تزخر بها الطبيعة ويطويها الكون بين جنباته.