يستخدم العلماء شكل أوراق النبات وترتيبها على الساق لمعرفة جنسها، ونوعها، ورتبتها. لكن الطريقة التي تستخدمها النباتات لعملية ترتيب أوراقها بقيت لغزًا محيرًا طيلة عقود طويلة، ما أثار كثيرًا من التساؤلات حول السبب الذي يدفع النبات إلى اتخاذ قرار بجعل أوراقه مائلة بزاوية مُحددة على الساق، وكيفية عمل ذلك، وطبيعة أنماط ترتيب الأوراق، وفائدتها.

وهي التساؤلات التي حاول فريق من الباحثين اليابانيين الإجابة عنها من خلال دراسة أجروها على نبات ياباني يُسمى "Orixa Japonica"، وهو نوع من الشجيرات التي تنمو في الصين وشبه الجزيرة الكورية علاوة على اليابان.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "بلوس كومبيوتيشنال بيولوجي" (PLOS Computational Biology)، فقد قدم النبات الياباني نظرة ثاقبة حول نمط ترتيب أوراق النباتات، والكيفية التي يتحكم بها النبات في ترتيب أوراقه.

يشير الباحثون إلى أن الأوراق تتخذ عدة مواضع حول ساق النبات بأشكال وزوايا مختلفة؛ فهناك مجموعة من النباتات تُرتب أوراقها بشكل حلزوني بحيث تخرج فيه كل ورقة من عقدة مستقلة بزاوية 90 درجة بالنسبة للورقة التي تليها، في حين تُفضل نباتات أخرى أن تخرج الأوراق من مستويات واحدة قريبة من الأرض، وهناك نباتات تخرج أوراقها بشكل متقابل بزاوية تبلغ 180 درجة، وتخرج أوراق أخرى بترتيب متناوب الورقة فوق الأخرى.

يقول "مونيتاكا سوجياما" -عالِم النبات في جامعة طوكيو، ورئيس فريق البحث- في تصريحات لـ"للعلم": "قدمنا نموذجًا جديدًا يشرح أنماط ترتيب الأوراق في الطبيعة، عبر دراسة المتغيرات المختلفة في النبات، كالعلاقة بين أجزاء النبات المختلفة وقوة الإشارات الكيميائية داخل النبات، وكان الهدف الرئيسي من تلك الدراسة هو وضع معادلة حسابية تحدد بدقة ترتيب الأوراق".

يُرتب النبات -الذي استهدفه الباحثون في الدراسة- أوراقَه بطريقة غريبة للغاية وغير مفهومة على الإطلاق، فعلى عكس معظم النباتات الأخرى التي تُرتب أوراقها بشكل منتظم تتساوى فيه جميع الزوايا بين الأوراق، يرتب ذلك النبات أوراقه بحيث تكون الزوايا بين تلك الأوراق مختلفة. فحين تخرج الورقة الأولى من الساق، تصل قيمة الزاوية بينها وبين الساق إلى 180 درجة؛ ففي النباتات الأخرى، من المفترض أن تنمو الأوراق الجديدة بزاوية مُساوية للزاوية الأصلية، إلا أن ذلك النبات يجعل زاوية الورقة الثانية 90 درجة، والثالثة 180 درجة، في حين تبلغ قيمة الزاوية الرابعة 270 درجة.

أجرى الباحثون مجموعةً من الاختبارات الشاملة لوضع معادلة رياضية يُمكن أن تُستخدم كنموذج لفحص طريقة الترتيب الغريبة. وفي أثناء إجراء الدراسة، وجدوا أن ذلك النبات الغريب يُمكن أن يكون مُعبرًا عن كل النباتات الورقية الأخرى؛ لأن أوراقه تنمو بقيم مختلفة ومتنوعة يُمكن أن تطبق على باقي النباتات.

يضيف "سوجياما" أن "الزوايا المتنوعة لنمو أوراق النبات تجعله يحتوي –في جوهره- على جميع الطرق التي تنمو بها أوراق النباتات الأخرى، وهنا جاءت الفكرة بتصميم معادلة تشرح طريقة ترتيب الأوراق في النباتات الأكثر شيوعًا في البيئة، وليس ذلك النبات فحسب، ووجدنا أن هناك إشارة كيميائية ترتبط بهرمون "الأوكسين" يُمكن أن تكون هي المسؤولة الأساسية عن عملية ترتيب الأوراق على ساق النبات. فحين تزيد مستويات ذلك الهرمون ترتفع قيمة الزوايا بين الساق والأوراق النامية".

ويُعد هرمون "الأوكسين" واحدًا من أهم الهرمونات في النبات، ويتكون في السيقان والجذور والبراعم، وينشط خلال عملية استطالة الأوراق.

يقول "سوجياما": نجحنا في تصميم محاكاة حاسوبية قادرة على توليد الآلاف من أنماط ترتيب الأوراق بدقة شديدة تقترب من 100%، ويُمكن أن تُستخدم تلك المعادلة لمعرفة المتغيرات التي قادت النبات لترتيب أوراقه بذلك الشكل، كما يُمكن استخدام تلك النظرة الثاقبة أيضًا لتوجيه الدراسات المستقبلية في مجال فسيولوجيا نمو النبات.

لكن "سوجياما" يشدد -في الوقت ذاته- على أن المعادلة الجديدة لا يُمكنها حل لغز ترتيب الأوراق لجميع النباتات، مضيفًا أنه "لا تزال هناك أنماط شاذة للغاية لا يُمكن وصفها بمعادلة واحدة، وحل ألغاز طبيعة ترتيب الأوراق قد يستلزم وضع مئات من المعادلات ومزيدًا من الأبحاث التي تستغرق عشرات السنوات".