كشفت دراسة نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE) اليوم "الأربعاء"، 5 فبراير، خصائص مورفولوجية فريدة لهيكل عظمي شبه كامل، جرى اكتشافه داخل كهف مغمور بالمياه في منطقة "تولوم" المكسيكية.

وتقع المنطقة التي وُجد فيها ذلك الهيكل في شبه جزيرة "يوكاتان"، التي تعني -وفق لغة المايا- "أرض المايا" نسبة إلى شعب المايا، الذي استوطن ذلك المكان منذ آلاف الأعوام وحتى وصول الإسبان إلى القارة الأمريكية منتصف القرن السادس عشر.

منذ العصر البليستوسيني المتأخر، الذي امتد من الفترة 126000 سنة وحتى 11700 سنة مضت، عاش الإنسان في شبه جزيرة "يوكاتان". ولا يعرف العلماء الكثير عن البشر الأوائل الذين سكنوا ذلك المكان، لكن ما نعرفه مستمد من 9 هياكل عظمية وجدها العلماء مدفونةً في كهوف مغمورة تحت الماء بمنطقة "كينتانا رو" بوسط المكسيك.

تتميز تلك الهياكل بصفات مورفولوجية واحدة. فشكلها وبنيتها تتشابه معًا؛ إذ إن جماجمها طويلة وجباهها ضيقة وأسنانها ناخرة دون أثرٍ من تسوس. وهذا يُشير إلى أن تلك الجماجم تنتمي إلى مجموعة عرقية واحدة فقط عاشت في المكان نفسه، وتناولت الغذاء نفسه، وتتمتع بالصفات نفسها على المستوى التشريحي.

غير أن الهيكل العظمي الجديد، الذي ينتمي إلى سيدة ماتت في الثلاثين من عمرها، لا يتشابه من الناحية الشكلية أو البنيوية مع أيٍّ من الهياكل التسعة. غير أنه يتشابه مع ثلاثة هياكل أخرى عُثر عليها في نفس الكهف قبل أكثر من 20 عامًا.

تبدأ القصة عام 1999، حين بدأ الباحث المكسيكي "أرتورو جوانزاليس" الغوص في كهوف تولوم. وقتها، عثر الرجل على أول ثلاثة هياكل عظمية قديمة لشعوب ما قبل المايا. لسوء الحظ -وفق قول مؤلف تلك الدراسة والباحث في جامعة "هايدلبرج" الألمانية، "والفجانج ستينيسبك"- لم تحصل تلك الهياكل "على الاهتمام الذي تستحقه".

وقبل سبعة أعوام، انضم "والفجانج" إلى مشروع علمي يهدف إلى البحث عن الحفريات في ذلك الكهف المهمل. ليجد "كنزًا من البقايا يندر وجوده على سطح الأرض". فمع تكثيف المسح تحت الماء، عثر الباحثون على حفريات متنوعة لكائنات كثيرة، من القوارض إلى الأفيال.

يقول "والفجانج" في تصريحات لـ"للعلم": "إن تلك الحفريات كشفت العديد من الأسرار عن ذلك الكهف المغمور، الذي كان في زمنٍ غابر عبارة عن غابة ذات نظام بيئي متنوع وغني على المستوى الأحيائي".

غير أن درة تاج تلك الاكتشافات كانت الهيكل العظمي لتلك السيدة، على حد قول "والفجانج"، الذي يستطرد: "الهيكل كامل بنسبة 30٪، ويُعد الأكثر اكتمالًا في جميع الهياكل التي جرى اكتشافها في تلك المنطقة".

حين وجد "أرتورو" ذلك الهيكل، بدأت عمليات استخراجه بعناية وحرص، وفق "والفجانج"، الذي يقول إن نظرته الأولى للجمجمة أوحت له بوجود العديد من الاختلافات مع الهياكل الأخرى التي جرى اكتشافها في المنطقة المحيطة.

بدأ الفريق فحص الهيكل العظمي، ومقارنة الجمجمة بالجماجم المستخرجة من الكهف ذاته والجماجم الأخرى للهياكل العظمية التسعة التي عُثر عليها في مناطق مجاورة بوسط المكسيك، علاوة على452  جمجمة من شمال القارة الأمريكية ووسطها وجنوبها. ليجد العلماء أن شكل الجمجمة المستدق وجبهتها المسطحة يتماشى مع شكل الجماجم الثلاث المستخرجة سابقًا من المكان نفسه، كما أن أسنانها التي ينخرها التسوس يشير إلى اتباع صاحبتها لنظام غذائي يعتمد على السكر. وهو أمرٌ يتناقض مع الأنظمة الغذائية المعروفة لسكان القرى الأمريكية، الذين عاشوا في الحقبة نفسها واعتمدوا في غذائهم على الأطعمة الصلبة منخفضة السكريات.

يقول "والفجانج": "إن المجموعة التي تنتمي إليها تلك المرأة كانوا يتناولون الدرنات والفواكه وعسل النحل. ولا يبدو أن اللحوم أو الأسماك كانت ضمن نظامهم الغذائي اليومي. كما لم يطوروا أدوات حجرية معقدة، وهو أمرٌ يختلف عن المجموعة الأخرى، التي كانت تتناول أطعمة ليفية شائعة، من ضمنها اللحوم والأسماك".

ويشير ذلك الأمر إلى أن مستوطني شبه جزيرة "يوكاتان" شكلوا مجموعةً سكانيةً معزولة بالكامل عن تلك المجموعة التي سكنت وسط المكسيك في نهاية العصر الجليدي، وهي مجموعة "غريبة" تمامًا عن المجموعة التي انحدر منها شعب "المايا"، ومختلفة في ثقافتها الغذائية وشكلها وبنيتها الموروفولجية، وهو أمرٌ يجعل من أرض شبه جزيرة "يوكاتان" -أرض المايا- موطنًا لغرباء سادوا ثم بادوا لسببٍ ما.