في القرن الخامس قبل الميلاد، شقت "الدراما" طريقها إلى عالم البشر باعتبارها "واجبًا دينيًّا مقدسًا وليست خيارًا ترفيهيًّا، قد يشارك فيه أيّ مواطن (ذكر) من وقت إلى آخر كعضو في الجوقة، أو يشارك بانتظام كمشاهد".

يُعرف الفيلسوف اليوناني الشهير "أرسطو" الدراما بأنها "محاكاة لفعل الإنسان"، ولها أشكال متعددة مثل التراجيديا التي تعكس معاناة البشر، والكوميديا التي تستهدف إسعادهم، والميلودراما التي تبالغ في تصوير المشاعر والأحاسيس.

تختلف أشكال الدراما إذًا، لكن تبقى تلك العلاقة التي تربط بينها وبين البشر (مشاهدين كانوا أو ممثلين) علاقة أصيلة لا يمكن فصل خيوطها وتفاصيلها بعضها عن بعض؛ إذ لا تستهدف الأعمال الدرامية -بصورة عامة- التسلية والإمتاع فقط، وإنما تمتد لتصبح وسيلة فعالة يمكن الاستفادة منها على جميع الأصعدة الشخصية والإنسانية، خاصة في ظل اجتياح وباء "كوفيد-19" للعالم، وما ترتب عليه من إجراءات احترازية مثل العزل والتزام المنازل بصورة دفعت كثيرين إلى قضاء وقت أطول أمام الشاشات.

وفي السياق، ذكرت دراسة أجراها باحثون من "مركز العلماء ورواة القصص" بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس الأمريكية، أنه "يمكن للدراما التليفزيونية أن تساعد في تعزيز الصحة العقلية للمراهقين وتساعدهم على التعامل مع حوادث التنمر والاعتداءات الجنسية والأفكار الانتحارية وتعاطي المخدرات والاكتئاب".

13 سببًا.. لماذا؟

الدراسة الجديدة قُبلت للنشر في مجلة "ميديكال إنترنت ريسيرش" (Medical Internet Research)، ومن المقرر نشر نتائجها كاملة في أغسطس القادم، وكُشف النقاب عن نتائجها مؤخرًا، موضحةً أنه "عند تصوير المشكلات التي تشغل بال المراهقين بشكل واقعي، فإنها تساعدهم على الحديث عن تلك القضايا وتناولها بصورة أوسع".

درس الباحثون تأثير مشاهدة المراهقين للأعمال الدرامية التلفزيونية على صحتهم النفسية، واختاروا العمل الدرامي "13 سببًا.. لماذا" (13 Reasons Why) لرصد هذا التأثير.

يُعد العمل الدرامي "13 سببًا.. لماذا" أحد أهم المسلسلات الموجهة إلى المراهقين، ويتناول رواية حملت الاسم ذاته للكاتب الأمريكي المتخصص في كتب المراهقين، جاي آشر، واختارت شركة "نتفليكس" الترفيهية الأمريكية تحويل الرواية إلى مسلسل في عام 2015، وبث لأول مرة عام 2017.

وتنوعت ردود الفعل تجاه المسلسل، في جميع أنحاء العالم، بين الإشادة والإدانة لتناوله قضايا جريئة تشغل بال المراهقين مثل الانتحار والاعتداء الجنسي والعنف المنزلي والبلطجة والتشرد وإطلاق النار في المدارس.

يحكي  المسلسل قصة المراهق كلاي جينسن، الذي يعود إلى منزله ليجد صندوقًا موضوعًا على عتبة منزله، يحوي مجموعة شرائط كاسيت مسجلة بصوت زميلته، هانا بيكر، التي انتحرت قبل أسبوعين.

تحكي شرائط "بيكر" قصة انتحارها والأسباب التي دفعتها لاتخاذ قرار الانتحار، وكذلك الأشخاص الذين تسببت سلوكياتهم في انتحارها، بدايةً من قُبلتها الأولى لصديقها جستن فولي، الذي نشر شائعات سيئة عنها، وانتهاءً باغتصابها على يد المراهق برايس والكر، مرورًا بتعرُّضها لـ"التنمر" من بعض زملائها في المدرسة.

عينة البحث

ضمت عينة البحث 157 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، بينهم 68 مراهقًا شاهدوا الموسم الثالث من المسلسل، بينما لم يشاهده الآخرون (89 مراهقًا).

بلغ متوسط ​​عمر المشاركين 15 عامًا، وبلغت نسبة الإناث 52% والذكور 48%، وكان حوالي 55% من البيض، و19% من أصل لاتيني، و17% من السود، وتم تصنيف النسبة الباقية على أنها لـ"مراهقين متعددي الأعراق".

في بداية الدراسة، أكمل جميع المشاركين استطلاعًا حول صحتهم العقلية ومدى معاناتهم من الاكتئاب والتنمر والاعتداء الجنسي والمشكلات النفسية ذات الصلة، وفي النهاية طُرح سؤال من بين أسئلة أخرى، عما إذا كانوا قد حاولوا الحصول على معلومات حول هذه القضايا أم لا.

أجابت المجموعة التي شاهدت العرض عن أسئلة حول ما إذا كانوا ناقشوا القضايا التي تناولها المسلسل مع أشخاص آخرين أم لا، ومَن هم هؤلاء الأشخاص، وما إذا كانت متابعتهم لمسلسل "13 سببًا.. لماذا" قادتهم إلى البحث عن مزيد من المعلومات حول الموضوعات التي طرحها المسلسل أم لا؟

أفاد 62 من أصل 68 ممن شاهدوا المسلسل (91.1%) أنهم بحثوا عن معلومات حول اضطرابات الصحة العقلية بعدما ما شاهدوا المسلسل، وخاصةً تلك التي تتناول قضايا الانتحار والتنمر.

اختار الباحثون شركة "ماركت كاست" (MarketCast)، وهي شركة أمريكية متخصصة في مجال تحليل البيانات، لتتبُّع أكثر من 1.29 مليون تغريدة تناولت المسلسل على "تويتر" على مدار ثلاثة أسابيع؛ لرصد المناقشات الخاصة به على وسائل التواصل الاجتماعي.

مشاركة اجتماعية

وجدت الدراسة أن المشاركة الاجتماعية كانت عاليةً بشكل خاص عندما شارك ممثلون في المسلسل مواد علمية خاصة بالصحة العقلية، مثلما حدث عندما نشر الممثل الأمريكي الشاب "ديفين دروي" -الذي يؤدي دور إحدى الشخصيات الرئيسية في المسلسل تايلر داون- مقالًا يناقش مشكلة الاعتداء الجنسي.

استخدم المشاهدون أيضًا منشورات تتعلق بالمشاهد المشحونة عاطفيًّا ومحتوى ما وراء الكواليس على وسائل التواصل الاجتماعي؛ للمشاركة في محادثات حول الموضوعات الحساسة التي تناولها المسلسل.

بالإضافة إلى ذلك، أنشأ منتجو المسلسل موقعًا على الويب يعرض مقاطع فيديو من قبل الممثلين، وأرقام خطوط الهواتف المخصصة لحل الأزمات، وروابط لمصادر علمية تساعد المشاهدين على البحث في الموضوعات التي أُثيرت في الحلقات المختلفة.

الصحة العقلية

تقول المشاركة في الدراسة يلدا أولز، المؤسس والمدير التنفيذي لمركز العلماء ورواة القصص، والباحثة المتخصصة في مجال علم النفس: شاهدت المسلسل مع ابنتي، وأعتقد أنه أثار كثيرًا من المحادثات والمناقشات الجيدة، ناقشنا الأمر في المركز، وأدركنا أنه لا توجد دراسات أُجريت مع المراهقين في الوقت الفعلي لمشاهدة عمل درامي، لذلك قررنا إجراء هذه الدراسة.

تؤثر الصحة العقلية على الطريقة التي يفكر بها الشخص ويشعر بها، ومن أكثر اضطرابات الصحة العقلية شيوعًا الحزن، والخوف، والغضب، والارتباك، تضيف "أولز" في تصريحات لـ"للعلم": وجدنا أنه عندما يشاهد المراهقون البرامج والمسلسلات التلفزيونية التي تتناول مشكلات الصحة العقلية، فإنهم يتحدثون عنها بالفعل مع أقرانهم وأولياء أمورهم وشركائهم، وأظهرت النتائج أن هذه الأنواع من القصص الواقعية والمثيرة للتحدي تُلهم الشباب للحديث عن الصحة العقلية ومعرفة المزيد عنها وعن اضطراباتها.

وتتابع: يتماهى المراهقون مع شخصيات العمل الدرامي، وإذا رأوهم يمرون بصراعات -يمرون أو مروا بها على صعيدهم الشخصي- يبدأون وقتها بالبحث عن المعلومات، إن قصصًا وأعمالًا درامية مثل "13 سببًا.. لماذا" قد تحول الأعمال الدرامية التلفزيونية ليس فقط إلى محفز للبحث، بل -أيضًا- إلى خطوة في سبيل القضاء على الكبت والخوف والوصمات المجتمعية المرتبطة بالأمراض النفسية، ويمكننا –معًا- تطبيع الحديث عن الصحة العقلية من خلال الجمع بين العلماء ومنشئي المحتوى لإطلاق العنان لقوة سرد القصص المستنيرة بالبحوث.

وتأمل "أولز" أن يلهم البحث الجديد منتجي الأفلام وصناع محتوى الأعمال الدرامية التلفزيونية لإنتاج عروض هادفة من شأنها تحسين حياة المشاهدين، وفق وصفها.

المستشار العلمي

يرى علي نبوي -استشاري الطب النفسي بجامعة الأزهر- أن مسألة صناعة عمل درامي مشوق وجذاب يلتزم بدقة الحقائق العلمية قد تكون صعبةً للغاية ونادرة.

يقول "نبوي" في تصريحات لـ"للعلم": للدراما منطقها الذي يفرض على صناعها تجاوز الحقائق حتى التاريخية منها -وليس العلمية والنفسية فقط- من أجل تحقيق أهداف درامية، بل تجارية أيضًا، وعلينا تذكر أن السينما والأعمال الدرامية التلفزيونية هي في النهاية عمل يهدف إلى الربح.

يضيف "نبوي": يمكن أن تحفز الأعمال الدرامية التلفزيونية المشاهدين -بل والعقل الجمعي أيضًا- على البحث عن الحقائق العلمية، لكن هذا يتطلب مستشارًا علميًّا أمينًا من الناحية العلمية ومرنًا بما يسمح لصناع المحتوى الدرامي بالتحكم في حركة الأحداث والشخصيات، بما لا يُخل بالحقائق العلمية ولا يجعل محتوى الدراما مجرد سرد للحقائق.

إثارة الفضول

من جهته، يرى الناقد السينمائي، حسام الخولي، أن العمل الدرامي يطرح الموضوعات بهدف إثارة الفضول والتساؤل وهذا ما توصلت إليه الدراسة فيما يخص مسلسل "13 سببًا.. لماذا".

يقول "الخولي" في تصريحات لـ"للعلم": من حق كاتب المحتوى الدرامي استخدام المعلومات والخلفيات الواقعية المتاحة لإنتاج عمل درامي فني وليس حقيقة علمية، ما يعني أن الفيلم أو الأعمال الدرامية التلفزيونية لا تُبنى على أخطاء علمية، لكنها تعتمد على المعلومات والبيانات والخيال معًا، لأن عرض المعلومات ليس هو الهدف، بل مخاطبة المشاعر الإنسانية والاجتماعية.

يضيف "الخولي": هذه الإشكالية التي تطرحها الأعمال الدرامية المبنية على حقائق طبية كما هو الحال فيما يُعرف بـ"السيكودراما" التي تُعد أحد أشكال العلاج النفسي باستخدام تقنيات المسرح، والأمر ذاته بالنسبة للدراما التاريخية؛ إذ يستخدم الكاتب ما يختاره من حقائق تاريخية للبناء عليه من أجل الوصول إلى حقائق فنية لتحقيق أهداف درامية.

تقول "أولز": الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عامًا أكثر من أي فئة عمرية أخرى تعرُّضًا للإبلاغ عن القلق والاكتئاب المعتدل إلى الشديد، وحتى قبل ظهور جائحة "كوفيد-19"، كانت معدلات انتحار المراهقين في الولايات المتحدة الأمريكية في ارتفاع، إلى جانب أعراض القلق والاكتئاب المبلغ عنها، وفي الوقت نفسه، يتصور نصف الشباب أن هناك ارتباطًا بين وصمة العار وتلقي علاج لاضطرابات الصحة العقلية، وفق الدراسة.

وترفض "أولز" في تصريحات لـ"للعلم" أن تكون عينة البحث التي اعتمدت عليها الدراسة قليلة، مضيفةً: "في الدراسات التجريبية التي تُجرى مع مراهقين، تكون عينة البحث التي تضم 157 مراهقًا مناسبة لطبيعة الدراسة".

وتتابع: تقدم هذه الدراسة أدلةً نحن في أمسِّ الحاجة إليها لتعزيز المحادثات والمناقشات حول كيفية تأثير العروض والمسلسلات على الصحة العقلية للمراهقين، والدروس التي يمكن استخلاصها منها، ويجب أن تعمل المعلومات الدقيقة جنبًا إلى جنب مع سرد القصص المقنعة بشكل جيد.

"جيل ضائع"

تتمتع الدراسة الحديثة بأهمية كبيرة في ظل جائحة "كوفيد-19"؛ إذ خلصت دراسة، أجراها متخصصون في علم النفس السلوكي وعلم الاجتماع، على نحو 60 ألف مراهق أيسلندي إلى أن "كوفيد-19 كان له تأثير كبير وضار على الصحة العقلية للمراهقين، خاصة لدى الفتيات".

وتعد الدراسة التي نُشرت تحت عنوان "جيل ضائع.. كوفيد-19 والصحة العقلية للمراهقين" الأولى التي تحقق وتوثق مشكلات الصحة العقلية التي يعاني منها المراهقون في ظل انتشار الجائحة، بما في ذلك مشكلات الإقدام على تعاطي المخدرات، مشددةً على أن "العزلة وعدم الذهاب إلى المدرسة والانفصال عن الأصدقاء كان لها تأثيرات سلبية على الصحة العقلية للمراهقين في أثناء الجائحة".

وخلص الباحثون إلى أن "هناك حاجة إلى مزيد من الدراسة لتحديد الآثار طويلة المدى للحجر الصحي والعزلة الاجتماعية للمراهقين والأطفال وانفصالهم عن أقرانهم، بما في ذلك التأثيرات على التعلم والتحصيل الأكاديمي والعلاقات مع الوالدين والأشقاء والأقران".